تاريخيا، شهدت العديد من، إن لم يكن كل، حركات المقاومة والتحرر المسلحة اشكالاً مختلفة من الانقلابات الداخلية والانقسامات. ولكل انقسام في حركة تحرر ما محركاته و دينامياته الخاصة. و الحركة الشعبية لتحرير السودان ليست محصنة من، او مستثناء من تجارب الانقلابات الداخلية والانقسامات. 

في هذا المقال اود ان اسرد جزءً من تاريخ الانقسامات وكيف أنها دائماً ما تبدأ بانقلاب داخلي، في التجربة السودانية و بشكل خاص في الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان. في هذا السرد، ساحاول الاجابة على اسئلة مثل ماهي الانقسامات الرئيسية في تاريخ الحركة الشعبية لتحرير السودان؟ لماذا يقع الرفاق الذين قاتلوا عدواً مشتركاً لعقود طويلة ضحايا للإنقسامات المدمرة لهدفهم الاستراتيجي ولتاريخ نضالهم؟ أين يكمن الخطأ؟ ماهي الدروس التي علينا تعلمها من تجارب الانقلابات الداخلية والانقسامات؟ و ما هي الأسئلة الهامة التي فات علينا طرحها؟ بل، وماهي القضايا الوطنية المركزية المرتبطة بنضالنا كحركة تحرير مسلحة؟

بعض وقائع انقسامات الحركة الشعبية لتحرير السودان
في مستهل بدايات الحركة الشعبية لتحرير السودان، قادت مجموعة الأنانيا (2) اولى انقسامات الحركة على اثر محاولة انقلاب داخلي تم في قرية اتانق. وشارك في الانقسام الاول عدد من الاشخاص منهم اكوت اتيم، دي مايان، قوردون كونج، وليام عبدالله شول، فنسنت كوني و آخرين. وعطل الانقسام تطور الحركة الشعبية لتحرير السودان لعدة سنوات، وذلك بسبب القتال الذي خاضته من اجل اعادة تنظيم صفوفها حول اهدافها التاسيسية. كما فقدت آلاف الارواح في الاقتتال الداخلي المصاحب للانقلاب في بيلفام، جيكو، وكوانيلاو. وانتهى مصير المجموعة المنقسمة في الخرطوم، في قلب مواقع العدو، حيث انشأت مركز قيادتها العسكرية داخل القيادة العامة للجيش هنالك. وسرعان ما اخذت القوات المنشقة في القتال الى جانب الجيش الحكومي السوداني في مواجهة الحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان. وطرحت المجموعة المنقسمة تبريرين رئيسيين لمعركتها ضد الحركة الشعبية. المبرر الأول هو ان الحركة الشعبية مهيمن عليها من قبل قبيلة الدينكا، ممثلة في العقيد دكتور جون قرنق، المقدم كاربينو كوانين، الرائد سلفا كير ميارديت و الرائد اروك طون. وبالفعل اتخذ القتال طابعاً اثنياً؛ النوير ضد الدينكا، والذي سقط فيه آلاف الضحايا، حرقت فيه القرى، نهبت الممتلكات واغتصبت النساء. اما المبرر الثاني الذي قدمه المنشقون حينها هو الحاجة لاصلاح الحركة الشعبية و الجيش الشعبي لتحرير السودان، ومراجعة "رؤية السودان الجديد"، ومطالبتهم بتغيير البنية العسكرية والسياسية للحركة لتخدم اولوية تحرير جنوب السودان وليس تحقيق السودان الجديد.
مدفوعاً بحافز الصراع من اجل السلطة، كان الانقسام الاول في الحركة الشعبية لتحرير السودان عبارة عن "فوضى منظمة"، على قول عالم الأنثربولوجي إيفانز بريتشارد في دراسته حول قبيلة النوير في أربعينيات القرن الماضي. وبعد تحرير قاعدة بيلفام العسكرية في العام 1984 بواسطة وليام نون، انتهى المطاف بأعضاء الجناح المنقسم بايوائهم في الخرطوم فيما اصبح يعرف للنظام بــــ"القوات الصديقة"، حيث استمرت الخرطوم في تحديد القيم والاهداف السياسية للمجموعة المنشقة، بما فيها وضع نظامهم الداخلي في العمل. واستمر ذلك الوضع حتى رجوعهم للحركة مرة اخرى في أغسطس 1988 عبر عملية جوكمير للمصالحة.
حدث الإنقلاب الثاني في العام 1987، وذلك عندما استخدم المقدم كاربينو كوانين المحور الثاني بالنيل الأزرق معلناً المطالبة "باصلاح" الحركة الشعبية كذريعة لتعبئة المقاتلين من اقليم بحر الغزال لتاييده. لم يكن كاربينو صاحب شعبية كافية تمكنه من تعبئة كل اقليم بحر الغزال، والتي كانت ستشكل، في حال توفرها، كارثة حقيقية للحركة الشعبية. وقد تم احتواء محاولة الانقلاب الداخلي من خلال اعتقال كاربينو دون اراقة دماء. وانتهى المطاف بكاربينو فيما بعد مستضافاً في الخرطوم، حيث تم تقديم الدعم له لشن الحرب ضد الحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان، حتى تمت تصفيته لاحقاً بواسطة بيتر قديت (جندي عراقي)، والذي كانت تدعمه الخرطوم ايضاً.
مثال آخر على الانقسامات الداخلية التي مرت بها الحركة الشعبية لتحرير السودان هو انقسام الرائد اروك طون اروك. حيث لم يكن اروك راضياً بالموقع الذي منح له في قيادة الحركة الشعبية لانه كان يرى نفسه اكثر قوة ونفوذ من كاربينو كوانين، وليم نيون، و سلفا كير الذين تمت ترقيتهم عسكرياً وتم تجاوزه في هذه الترقيات القيادية. وقد كان اروك طون دائم المجاهرة والنقد في قضية التصعيد والترقيات. وقد استغل، بالفعل، فرصة زيارة له للمملكة المتحدة ليشرع في الاتصال مع احد جنرالات الجيش الحكومي، عبد العظيم صديق، في العاصمة لندن. وعند عودته من هنالك، تم القبض على اروك طون ووضع في السجن الخاص بالجيش الشعبي، حيث قضى بعض الوقت في سجنه في غرب الاستوائية حتى تمكن من الهرب. وقد انتهى المطاف باروك في الخرطوم موقعاً لإتفاقية صلح مع النظام في الخرطوم. وقد كان الهدف من ذلك الاتفاق الاطاحة بدكتور جون قرنق من قيادة الحركة تحت دعاوى اصلاح الحركة الشعبية، والتزام الحكومة في الخرطوم بالاستجابة لمطالب جنوب السودان بالتحرير. انتهت حياة اروك طون في نهاية المطاف في حادثة تحطم طائرة بمنطقة الناصر في جنوب السودان مع نائب الرئيس الزبير محمد صالح و آخرين، وهي حادثة اثارت العديد من الشكوك واحتمال تدبيرها من قبل الاسلاميين في الحكومة للتخلص من الزبير محمد صالح واروك طون.
وبحلول منتصف التسعينيات، كانت الحركة الشعبية قد استعادت قوتها و تمكنت من تحرير مناطق عديدة شملت جالهاك في شمال اعالي النيل، توريت في شرق الاستوائية، ياي، مريدي، موندري، يامبيو، طمبرا، و كبري باو في غرب الاستوائية. وقد كانت تلك الانتصارات هامة جداً ، حيث قد تم تحقيقها بالرغم من الانقسامات الداخلية الجارية وفي ظل فقدان الدعم الأثيوبي بعد سقوط نظام منغستو هايلي مريم في اديس ابابا.
في العام 1990، اجتمعت قيادة الجيش الشعبي لتحرير السودان – أكثر من لوائين – في منطقة فاجاك بغرض تاسيس وحدات عسكرية جديدة واعادة هيكلة القيادة العسكرية. وتمخض الاجتماع عن وضع قطاع وسط وشمال اعالي النيل تحت قيادة الدكتور رياك مشار. وتم وضع قطاع النيل الازرق وغرب اعالي النيل تحت قيادة الدكتور لام اكول. وقد تم تكليف القائدين المذكورين بهذين الموقعين القياديين وارسالهما للميدان، بالرغم من الشائعات المتواترة حينها حول انخراطهما في التخطيط للقيام بانقلاب داخل الحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان. (وثق دكتور لام اكول لهذه الفترة في كتابه "داخل ثورة افريقية" والذي اشتمل على تفاصيل ذلك الانقلاب).
في سبتمبر 1990، بدات القوات في التحرك لمناطق العمليات الخاصة بكل منها وفق القطاعات الجديدة. وكان ان تم ارسالي ضمن القوات الخاصة المتجهة الى منطقة غرب الاستوائية. وعند وصولنا لمنطقة جبل بوما، اتصل بي دكتور جون ليبلغني بأن لام اكول في المابان طلب تبليغي لديه. وسالت إن كان يتوجب علي فهم ذلك باعتباره امراً بالتبليغ لديه في المابان. قال قرنق: "هذا ليس امراً، ولكن الغرض احاطتك علماً بان هذه رغبة لام." قمت بسؤال دكتور جون مباشرة عما اذا كان على دراية برغبات و مقاصد دكتور لام الاخرى؟ اضفت بانه اذا كان ذلك بمثابة امراً عسكرياً فسوف اغير مسيري واتجه الى دكتور لام في المابان، اما اذا كان لدي الخيار في الموضوع، فانني افضل التوجه والاستمرار في اداء مهمتي الاصلية في غرب الاستوائية، وهو ما تم بالفعل. سارت حملتنا في غرب الاستوائية بصورة جيدة جداً، حيث قمنا بتحرير كامل الاقليم، بل واصل قطاعنا في التمدد في اتجاه دارفور تحت قيادة داؤد يحي بولاد و عبدالعزيز ادم الحلو.
خلال نفس الفترة، منتصف العام 1991، اعلن دكتور رياك مشار، دكتور لام اكول وقوردون كونج عن انقلابهم المتوقع في مدينة الناصر، والذي نتج عنه خلق مجموعة انقسامية جديدة: الحركة الشعبية لتحرير السودان- جناح الناصر. وقد ردد قادة الانقلاب الجديد صدى ما طرحته الانقلابات والانقسامات السابقة في الحركة الشعبية، حيث ذكروا من اسباب الانقلاب اهمية نقل النضال لقضية تقرير مصير جنوب السودان، والقيام بعملية اصلاح و ديموقراطية الحركة الشعبية، واحداث تغيرات في قيادتها وهيكلتها. الا ان الدفع بمثل هذه الاجندة والاهداف كان عادة ما يتم افساده، وذلك بتصوير الآخرين غير المشاركين والموافقين على الانقسام باعتبارهم مرتدين عن المباديء، خونة للقضية، وفاسدين في اشخاصهم.
واللافت انه، و خلال العشرة سنوات التي استمر فيها وضع الانقسام، لم تتحقق اي من الاصلاحات اواجندة الانقلاب التي ادرجها دكتور لام ودكتور رياك في ثيقة الانقلاب المعنونة بـــ؛ "لماذا يجب الاطاحة بقرنق." حيث كان الانجاز الوحيد لذلك الانقسام هو اتفاقية الخرطوم وموافقة النظام الانتهازية لمطالبة المنشقين بحق تقرير المصير. ادى انقلاب مشار ولام الى انقسام كامل في الحركة الشعبية. واصدر الاثنان الاوامر مباشرة لقواتهما لقتال الجيش الشعبي لتحرير السودان، بدلا عن قتال العدو الحقيقي؛ نظام الخرطوم. وخلال ايام، تم ارتكاب المجازر بكافة مناطق سيطرة الحركة الشعبية. ففي منطقة بور وحدها، وهي المكان الذي ينحدر منه دكتور جون قرنق، تم قتل آلاف المدنين، ونهبت الممتلكات، واغتصبت وقتلت النساء. وقد استفادت حكومة الخرطوم بشكل فوري من ذلك الانقسام، حيث شنت حملتها العسكرية جيدة الاعداد، والمعروفة بـــ " صيف العبور"، والتي نتج عنها فقدان الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان لمعظم المناطق في اعالي النيل لمجموعة رياك مشار-لام أكول ولقوات الحكومة السودانية. وبدوره قام وليام نيون، أحد كبار ضباط الجيش الشعبي لتحرير السودان، بمتابعة المنطق العرقي للانقسام الذي كان قد تبناه مشار للتعبئة ولكسب الدعم للانقسام، حيث قام وليام نون متبعاً هويته الاثنية كنويري، معلناً الانضمام للانقلاب. كما قام كاربينو كوانين باتخاذ ذات المنحى في بحر الغزال معلناً الانضمام لمجموعة واجندة الانقلابيين.
وبدلاً عن الزحف والتقدم نحو مدينة جوبا كما كان مخططاً ومعداً له في ذلك الوقت من قبل الجيش الشعبي، واكتمال كافة عناصر ذلك التقدم لتحقيق نصر كبير، ادى تحالف المجموعات المنشقة الى ارجاع الحركة الشعبية الى الوراء بخطوات كثيرة، ووجدت نفسها في وضع بالغ الصعوبة بالدفاع عن نفسها ضد القوات المنشقة عنها، وفي مواجهة نظام الخرطوم في نفس الوقت. ونتيجة لذلك، فقدت الحركة الشعبية معظم مواقعها واصبحت منحصرة في مناطق محدودة في الجنوب، مع جيوب صغيرة تحت سيطرة يوسف كوة في جبال النوبة. اما النيل الأزرق فقد تم انتزاعه بالكامل من الحركة الشعبية. وفي شرق الاستوائية، تم اجبار غاليرو مودي وآخرين على الانضمام لقوات رياك مشار وذلك بسبب توازن القوى القائم على الأرض كامر واقع، حيث كانت قوات النوير تسيطر على المنطقة، ولم يكن امام غاليرو وقواته سوى العمل وفق للقاعدة العسكرية " اذا لم تكن قادراً على قتالهم فعليك التوصل الى سلام معهم."
بعد تغيير الاوضاع الميدانية وفقدان الحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان لمعظم المناطق التي كانت تحت سيطرتها، قامت المجموعات المنشقة بالتوقيع على "اتفاقية الخرطوم للسلام من الداخل" مع نظام الخرطوم في العام 1997. وقد منح النظام الحاكم المجموعات المنقسمة مطلبها الخاص بحق تقرير المصير لجنوب السودان و 80% من عائدات النفط. وكما قالت التجارب السابقة، مثل انقسام الحركة الشعبية فرصة لابد من اغتنامها للنظام في الخرطوم، حيث لم تمثل الاتفاقية لهم قضية مبدئية. وبمجرد تحقيق الاستفادة القصوى من انخراط المجموعات المنشقة في حرب الوكالة للنظام ضد الحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان، تراجع النظام عن التزامه بالاتفاقية. ولم يجد دكتور رياك مشار من خيار أمامه سوى العودة الى الحركة الشعبية، وتبعه لاحقاً دكتور لام أكول ووليام نيون.
وقد صدق انتماء أعضاء الحركة الذين حافظوا على ولائهم للقيادة التاريخية، والتزامهم برؤية واهداف السودان الجديد، وبالهيكل التنظيمي للحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان. ذلك الانتماء والصمود فيه هو الذي هزم في نهاية المطاف اولئك ممن ظلوا يحاولون تقسيم الحركة الشعبية. ليس ذلك فحسب، بل ادت الهزيمة السياسية للمنشقين الى ان تستعيد الحركة والجيش الشعبي قوتها ووحدتها وتقدمها. حيث قام الجيش الشعبي باعادة تاسيس جبهة النيل الأزرق العسكرية، والتي حققت تحرير عدة مناطق منها الكرمك و قيسان، واخذت القوات في التقدم نحو عاصمة الولاية الدمازين. كما تمكن الجيش الشعبي لتحرير السودان أيضاً من تحرير كبويتا، رمبيك، تونج، ياي، ووضعت جوبا مرة أخرى تحت الحصار.
لهذه الخلفية الخاصة بانقسام مجموعة الناصر اهمية اخرى، وهو تزامن سردها هنا مع حلول الذكرى العشرين لانقسام رياك مشار، لام اكول و قوردون كونج. فالنتائج الكارثية لذلك الانقلاب والانقسام ما زالت جارية حتى تاريخ اليوم، بل وترتب علي ذلك الانقسام وما زال يؤثر على تفكير وممارسات العديد من السودانين الجنوبيين. فان الحرب المدمرة الدائرة حاليا في جنوب السودان، والتي بدات في ديسمبر 2013، يمكن بسهولة تتبع رمادها وجذورها لنجدها متصلة بذلك الانقسام، اي قبل 20 عاماً بالتمام من الآن.
في نهاية الامر، انتهي انقسام مجموعة الناصر، والانتصارات الكبيرة التي حققها الجيش الشعبي بعدها، بخلق واقع جديد على الارض من خلال استمرار الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان كياناً قوياً موحداً شكل ضغطاً مبدئياً وحقيقياً على حكومة الخرطوم، سياسياً وعسكرياً، مما مهد الطريق لانخراط النظام الجدي في محادثات السلام، وهو ما قاد في النهاية الى التوقيع على اتفاقية السلام الشاملة في العام 2005.

تاريخ جديد وانقسام جديد
ولدت الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال في العام 2011، وذلك كتطور ونتيجة منطقية لانفصال جنوب السودان. وجاءت بداية التاسيس بالعمل الفوري لفك الارتباط بين الحركة الشعبية جنوباً وشمالاً، وذلك ببدء عملية اعادة الهيكلة والتنظيم للحركة الشعبية في شمال السودان. وبالفعل تم تكوين عدد من اللجان الخاصة والمؤقتة للتصدي لمهام فك الارتباط واعادة الهيكلة والتنظيم، على راسها لجنة تطوير رؤية "السودان الجديد" بعد انفصال الجنوب، ووضع برنامج سياسي جديد، بالاضافة الى الاتفاق على وضعية الجيش الشعبي لتحرير السودان في جبال النوبة/ جنوب كردفان والنيل الازرق، او ما يعرف بالمنتطقتين.
وفي خضم عملية فك الارتباط والانتقال والتحول السياسي التي كانت تمر بها الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال، قرر الحزب الحاكم في الخرطوم شن حربه مجدداً على المنطقتين في منتصف العام 2011. الامر الذي ادى الى تعطيل العمل السياسي السلمي الهادف من اجل بناء وترسيخ الحركة الشعبية في السودان. وبشن النظام لحربه ضد الحركة الشعبية شمال، اصبح التحدي مضاعفاً: فسياسياً كان لابد من المواصلة في مهمة بناء حركة جديدة (الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال)، وعسكرياً كان لابد من التصدي للهجوم العسكري للنظام وحماية المواطنين في المنطقتين. وبالرغم من توقف عمل اللجان الخاصة بسبب اندلاع الحرب، الا انه تم تحقيق تقدم واضح في عدد من المجالات، منها مجهودات توحيد وتنظيم اعضاء الحركة الموجودين في ثلاث مجالات متمايزة – المناطق المحررة، المناطق الخاضعة لسيطرة النظام وفي المهاجر– هذا فضلا عن استمرار الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال في لعب ادوار رائده في بناء وتطوير التحالفات السياسية وسط قوى معارضة مختلفة، المسلحة و السلمية. فخلال سنوات حرب التحرير الجديدة السبع، تمكنت الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال من الصمود امام الهجوم الصيفي المستمر للنظام وتوفير الحماية للمدنين الابرياء في المنطقتين. اما ملف وقصة المفاوضات السياسية للحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال مع النظام ونشاطها الدبلوماسي مع الاطراف الخارجية فهي تشكل كتاباً مفتوحاً يحكي عن التزام الحركة الشعبية- شمال واصرارها على البناء التراكمي لذات رؤية ومباديء السودان الجديد التي تم تطويرها منذ التاسيس في العام 1983.
وبينما هذا البناء والتطور الايجابي في منتصف الطريق، والحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال يعلو كعبها في تحقيق النجاحات والتقدم – والذي لا يخلو بالطبع من بعض القصور والاخطا – بدأ التاريخ يعيد نفسه، ليذهب في المسار الخطا مرة اخرى. فقد بدأ جليا اننا لم نتعلم بعد الدروس من تجاربنا السابقة في الانقلابات الداخلية والانقسامات. ففي بداية العام 2017، قدم نائب رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، الرفيق عبد العزيز ادم الحلو استقالته عدة مرات. في كل مرة تمت مخاطبة والاستجابة للقضايا التي يثيرها في استقالاته، الى ان جاءت الإستقالة الثالثة والاخيرة، والتي اخذت طابع الانقلاب الداخلي غير المعلن. ففي مارس 2017 اختار الرفيق عبد العزيز الحلو تقديم استقالته هذه المرة، ليس للمجلس القيادي القومي للحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، اعلى هيئة سياسية في الحركة الشعبية، ولكن قرر تقديمها الى مجلس التحرير الاقليمي لجبال النوبة/ جنوب كردفان. وجاء محتوى تلك الاستقالة ومنهج تقديمها واعلانها بمثابة اعلان للتعبئة والحشد لانقلاب جديد اكثر منها مجرد استقالة من منصبه القيادي. حيث جاءت القضايا والاجندة التي تضمنتها وثيقة الاستقالة شبيهه في اللغة والمحتوى والتوجه لما قالت به المجموعات المنشقة السابقة في تاريخ الحركة الشعبية لتحرير السودان. فاضافة للاساءات والاهانة للرفاق "القدامى" بوصفهم بالخونة والمرتدين فكرياً عن رؤية الحركة الشعبية-شمال، اشتملت اجندة الانقلاب الداخلي الجديد ذات دعاوى وجينات المجموعات الانقسامية السابقة: من المطالبة بتقرير المصير لشعب جبال النوبة، وقضية الاصلاح وديموقراطية الحركة الشعبية، وشرط العلمانية كمبدأ للحكم في السودان، والاحتفاظ بالجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال لمدة عشرين سنة في حال الوصول الى تسوية سلمية مع النظام الحاكم في الخرطوم. وليس هناك حوجة للتشديد على ان الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، ككتاب مفتوح، الكثير من فصوله متاحه حتى في وسائط التواصل الاجتماعي، قدواصلت في ادارة نقاشات مستمرة حول هذه الاجندة والقضايا، وعلى كافة المستويات، خلال سنوات الكفاح الجديد السبع، وبمشاركة الرفيق نائب الرئيس عبدالعزيز الحلو، قائد الانقلاب والانقسام الجديد نفسه.
الاجندة التي حركت انقلاب عبدالعزيز الحلو الجديد هي ذاتها ما ادى الى تقسيم الحركة الشعبية في الماضي – و الآن ذات الأجندة جعلت تشظي الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال حقيقةً وواقعاً معاشاً. ليس هذا فحسب، فقد حمل الانقسام الجديد ذات الاعراض التاريخية السابقة بفرض مواجهات عسكرية داخلية في النيل الأزرق بين رفاق الكفاح المسلح المشترك، ومطلقاً لموجة من العنف طالت المدنيين الابرياء، مكرراً بذلك سيرة الانقلابات والانقسامات السابقة. إنه لعار كوننا تسببنا في جعل مواطنينا في حرب التحرير الراهنة ضحايا مرتين، فقط لان فقدان البصيرة يمنعنا من تعلم دروس تاريخ الانقلابات والانقسامات في حركتنا. الانقلاب الحالي اضعف الحركة الشعبية و الجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال. فمعالجة وإلتئام الجراح التي احدثها سياخذ من وقتنا وجهدنا الكثير، حتى تعود الحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان- شمال موحدة وقوية ومستمرة في كفاحها من اجل تحقيق مباديء واهداف السودان الجديد.

ومن خلال السرد الموجز للوقائع التاريخية والمعاصرة، على حد سواء، للانقلابات الداخلية والانقسامات في الحركة الشعبية لتحرير السودان، يسهل الوصول للخلاصة الرئيسية حول تطابق الحمض النووي لمختلف الشخصيات القائدة والمشاركة في تلك الانقلابات والانقسامات. كما تدعم تلك الخلاصة عدد من الملاحظات السريعة، والتي يمكن تطويرها بالمزيد من البحث والتمحيص، وذلك مثل تطابق كافة تجارب الانقسامات في:
1. اطلاق شعارات "الاصلاح والديمقراطية" ورفعها عاليا اثناء عملية الانقلاب الداخلي بغرض تثبيت الانقسام. يستمر فيما بعد الوضع كما هو، وتغيب تلك الشعارات، ومن ثم تستمر دورة الخلافات لتخلق المزيد من الانقسامات؛

2. تاتي دعاوى المطالبة بحق تقرير المصير من اجل تمييز صناع الانقلاب من الرفاق الآخرين. وتبرز هذه المطالبات دون اخضاعها للنقاشات العميقة الديمقراطية، كما يصاحب طرحها عادة الخلط والتوهان بين الغرض الاستراتيجي والتاكتيكي من طرحها؛

3. تتصاعد الشعارات الجهوية والاقليمية ويتم التحشيد والتعبئة حولها بتوظيف الخطاب الراديكالي لترفيع المكانة الثورية للقائلين والقائمين بامر الانقلاب والانقسام؛

4. يتم رسم صورة ذهنية للرفاق السابقين ووضعهم في اطر تظهرهم كخونة لرؤية ومبادئ وأهداف قضية التحرير الرئيسية، وبالمقابل يتم اظهار قادة الانقلاب والانقسام بانهم الاكثر التزاماً وطهرانيةً ومصداقيةً بذات القضية؛

5. عادة ما ينتهي المطاف بالمجموعات المنقسمة الى جانب العدو، النظام الحاكم، عبر صفقات السلام الجزئية وانتهازية التفكير قصير المدى.

دروس للمستقبل من تاريخ الانقسامات
ان تاريخ وقصة الانقسامات في الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان تعلمنا، ليس فقط مجموعة من الدروس، بل تساعدنا ايضاً في طرح الاسئلة الصحيحة وللاعداد للمستقبل. فازمات الحركة الشعبية في الانقسامات يجب ان تعلمنا كيفة توظيفها وتحويلها الى فرص نجدد عبرها الالتزام بمباديء ومناهج عمل الحركة الشعبية لتحقيق السودان الجديد الذي نصبو له بوسائل وقيم لا تقبل سوى الاتساق.
بينما قدم الجزء السابق سرداً لتاريخ ووقائع الانقسامات التاريخية والمعاصرة في الحركة الشعبية، باختلاف شخصياتها وتطابق حمضهم النووي، يلخص هذا الجزء عدد من قضايا الخلاف والمحركات الرئيسية التي تقف وراء تلك الانقسامات، كما يتوسع في شرح بعض الدروس المستفادة من الانقسامات، ويسعى لطرح مجموعة من الاسئلة المفتاحية والملاحظات، والتي بالاجابة عليها سنعمل سوياً على اعادة فتح وتوسيع مسارات نضال الحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان-شمال.
اولاً: تعود جذور رؤية السودان الجديد الذي تعمل من اجله الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال الى تحقيق المواطنة المتساوية التي تناضل ضد كافة اشكال التمييز، سواءً ان كانت قائماً على اسس ثقافية، اثنية، طبقية، نوعية، عرقية، دينية، اقليمية، تنموية، او بسبب الانتماء السياسي. كما تجيب رؤية السودان الجديد كذلك على السؤال التاريخي الخاص بالعلاقة بين المركز والأطراف في السودان، وتهدف الى معالجة التشويه المتعمد الذي لحق بسؤال الهوية السودانية في سعيها لتعزيز احترام التنوع السوداني. فعندما تم اعتمادها بواسطة الحركة والجيش الشعبية لتحرير السودان في العام 1983، شكلت رؤية السودان الجديد قطيعة معرفية جوهرية في تفكير وحيوات شعوب الهامش ومناطق الحرب، وعند من ظلوا يعانون من فرض هوية مزيفة تبيع لهم "العروبة" و"الاسلام" كهوية قومية. ومع ذلك، تم التعامل ايضا مع رؤية السودان الجديد من قبل العديد من القوميين في جنوب السودان والقوميين في مناطق النزاع الاخرى بمثابة تهديد لمشاريعهم واهدافهم الاقليمية و/او الجهوية. لذلك، تم التعامل مع رؤية السودان الجديد بدرجات متفاوتة من الغيرة والعداء من قبل مجموعات عديدة في المناطق التي شكلت تاريخياً الحاضنة الاجتماعية للحركة الشعبية لتحرير السودان. فقد ظل القوميون الاقليميون والجهويون يعملون جاهدين على اضعاف رؤية ومبادئ واهداف السودان الجديد على امتداد التجربة، عبر عملهم التخريبي من داخل اوخارج مؤسسات الحركة الشعبية. ويكشف لنا التاريخ القديم والمعاصر كيف ان افكار وافعال هذه المجموعات –المنشقين والقوميين معاً – تتطابق في نهاية المطاف مع، ويتم استغلالها بواسطة، مواقف الأنظمة الحاكمة في المركز، غض النظر عن اختلافاتهم الآيديولوجية. هذا التطابق يفسر ما تناله هذه المجموعات من قبول وتشجيع ودعم، حيث ينتهي بها المطاف في خدمة مصالح النظام في تصفية وجود الحركة الشعبية ورؤية السودان الجديد، لما تمثله من تهديد صريح ومعارضة جذرية للسودان القديم.
ثانياً: يعتبر تحقيق التوازن المطلوب بين المكون السياسي والمكون العسكري حجر الزاوية في تطوير والدفع للامام برؤية واهداف حركات التحرير المسلحة. هذا التوازن يمثل ايضا احد الدروس المستفادة للحركة الشعبية لتحرير السودان من تاريخ الانقلابات الداخلية والانقسامات. فطبيعة تكوين حركات التحرير تضع المكون العسكري في المقدمة ويصبح العنصر المهيمن، الامر الذي يخلق شرعية تراتبية تعلى من شرعية المكون العسكري على حساب المكونات الاخرى داخل حركات التحرير. وعملية بناء وتطوير الشرعية العسكرية في حركات التحرير تعتبر طريقاً وعراً في مسيرة الكفاح المسلح. ففي حالات عديدة، انبت و تطورت هذه الشرعية العسكرية حول تشكيلات ذات طبيعة احادية منغلقة، تعتمد في كثير من الحالات على الولاءات الاثنية للمقاتلين والقادة العسكريين. وفي هذه الحالات، وكما يخبرنا التاريخ، عادة ما يتم التعبئة والتجنيد لهولاء المقاتلين من مناطق جغرافية بعينها، وهي التي تتاثر بصورة مباشرة بالحروب والمعاناة التي تشكل دوافع انطلاق حروب التحرير بدايةً. في ظل كهذا مناخ، وبالرغم من التضحيات الجسام التي يقدمها هولاء المقاتلون، فانهم كذلك يمثلون تهديداً لرؤية واهداف التحرير بسبب احتمال انحدار الانغلاق الآحادي والاقليمي والجهوي ضد رؤية التحرير الكلية، الامر الذي لا يمكن تداركه سوى بخلق وتوفير معادلة التوازن بين مشروعية دورهم العسكري وبين مشروعية ودور المكون السياسي لحركة التحرير المسلحة. فبينما نجد القوة العسكرية تمثل القوة البشرية الدافعة للكفاح من اجل تحقيق رؤية التحرير، فهي تمثل ايضا اول من في مقدورها مناهضة ذات رؤية التحرير عندما تحين ازمان بروز الانقلابات الداخلية والانقسامات، وذلك عندما تفرخ المشروعية العسكرية مشروعية اخرى ذات طابع اقليمي او جهوي تابعاً لها. هكذا سياق من تحشييد وتعبئة، يمثل البيئة المثالية لزراعة ونمو مشاريع الانقلابات الداخلية وتثبيت الانقسامات في حركات التحرير المسلحة.
ثالثاً: يمكن ان تمثل الشخصية والتكوين الذاتي للقادة في حركات التحرير المسلحة عاملاً كارثياً يعصف بالهدف من الكفاح المسلح عند بروز الصراع الداخلي حول السلطة والقيادة. وكما قال احد الضباط الالمان، انه يمكن تصنيف القادة العسكريين بناءً على صفاتهم الشخصية الى اربعة أنواع: القائد الكسول، القائد المثابر، القائد الذكي والقائد الغبي. وعادة ما يجمع اي قائد على اثنين او اكثر من هذه الخصائص. فهولاء الذين يجمعون بين صفتي القائد الغبي والمثابر عادة هم الاكثر خطورة عندما يتعلق الامر بالصراع الداخلي على السلطة والقيادة. ونجدهم عادة منفصلون عن الواقع، يحيطون انفسهم بهالة من الغموض، يحركهم طموح دفين للجلوس على قمة هرم القيادة. فتجارب الصراع الداخلي على السلطة والقيادة التي انتهت الى انقلابات اوانقسامات في حركات التحرر تثبت انه، وفي حالات كثيرة، يحركها ويدفع بها طموحات القادة وخصائصهم، والتي عادة ما ينطلق عنانها في الاوقات التي تكون فيها حركات التحرر المسلح في قمة نجاحاتها السياسية او صمودها وانتصاراتها العسكرية. تلعب كذلك السياسة الاثنية، كما تمت مناقشتها في النقطة السابقة، دوراً وعاملاً مكملاً في عملية التكوين لشخصية القائد في تعامله وادارته للصراع الداخلى حول السلطة والقيادة. في ظل مثل هذه السيناريوهات والتحليل، يؤدي الصراع على السلطة والقيادة الى اضعاف رؤية عملية التحرير، ويتعطل تحقيق اهداف حركات التحرر المسلحة. ان تاريخ الانقلابات الداخلية والانقسامات في الحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان، الذي تم سرده سابقاً، يوضح نقطة العلاقة بين شخصيات القادة والصراع الداخلي حول السلطة والقيادة بجلاء.
رابعاً: توفير مصادر مادية مستقرة ومستقلة هي بمثابة شريان الحياة لحركات التحرر المسلحة، خاصة عندما تتضمن عملية النضال توفير الحماية والغذاء للمدنيين الابرياء في مناطق سيطرة الحركات المسلحة. ولكن قضية توفير الموارد المادية تعتبر ايضاً نقطة ضعف رئيسية لحركات التحرر، لما يمكن ان تخلقه من اتكالية واعتماد على خارج كيان الحركات، اضافة لاحتمال نمو وتطور المصالح الذاتية والطموحات لدي القادة العسكريين والمدنيين. وتقول التجارب، ان اغلب حركات التحرر المسلحة تعتمد عادة على الثقة والنوايا الحسنة لاعضائها، وعند المقاتلين والمتعاطفين معها. كما تستثمر حركات التحرر ايضاً في الفرص التي تتيحها ادارة العلاقات مع دول الجوار والمجتمع الدولي من اجل توفير الموارد المادية. وبالطبع، مثل هذه الفرص عادة ما تكون محكومة بمصالح الدول فيما بينها ومع النظام الحاكم، لذلك لا تعتبر مصدراً ذو استدامة في توفير تلك الموارد. لذا نجد بان عدم ضمان توفر الموارد المادية لحركات التحرر المسلحة يشكل خطراً مستمراً، بما فيه تعرض القادة لتقديم التنازلات للنظام الحاكم، والذي هو على إستعداد دائم للدفع لهم بمختلف الطرق.
تفتح صعوبة الحصول على موارد مادية مستقرة اثناء حقب الكفاح المسلح الباب ايضاً لتدخلات المنظمات غير الحكومية الدولية، مثل التي تقدم مواردها تلبية للاحتياجات الانسانية. وبالرغم من اهمية ادوار المنظمات الدولية غير الحكومية في ردم هوة حقيقية بانقاذ حياة ملايين المدنيين ممن هم في حاجة ملحة للغوث الانساني، الا ان تلك المنظمات الدولية ليست برئية وانسانية الدوافع على الدوام. فبعض هذه المنظمات تاتي لتقديم الدعم الانساني او للعمل في مجالات المناصرة وحقوق الانسان، ومقابل ذلك تخدم مصالح أخرى، سياسية او استخباراتية، لبلدانها او لبعض القوى الدولية، وفي احياناً محدودة تخدم اهداف العدو. كما تخلق الغالبية من هذه المنظمات طبقات جديدة او تراتبية اجتماعية داخل حركات التحرر، وذلك من خلال توظيف وتمكين مجموعة من كوادر حركة التحرير ممن يتم اختيارهم لادارة مشروعات وانشطة تلك المنظمات. وتدريجياً يبني هؤلاء الكوادر نادياً خاصاً بهم يستند على قائمة طويلة من المنافع والمصالح مما يجعلهم اكثر ارتباطاً وولاءً للمنظمة الدولية اكثر من ارتباطهم بحركة التحرير. وفي بعض الحالات، يتحول هذه النادي الى معارضة داخلية، بل ويوظف امكانات المنظمات الدولية في التغذية والتخطيط للانقلابات داخل حركات التحرر. تجارب الحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان الخاصة تعطينا امثلة وقصص عديدة معروفة ومؤثقة حول عاملين في منظمات غير حكومية او في العمل الانساني، محليين واجانب، ساهموا في الانقسامات لمصالح مختلفة، داخلية وخارجية، بما في ذلك حيثيات الانقلاب الحالي داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال. والمثال الاوضح في هذا السياق، الانقسام التي تم في الحركة الشعبية في العام 1991، وهو ما وثقت بعض جوانب دور الجهات الاجنبية فيه الصحفية دبورا سكروجنس في كتابها بعنوان "حرب إما – Emma’s War"، فهو خير مثال تم الاعلان عنه، وهنالك العديد من الامثلة لم يكشف عنها بعد.
خامساً: الدرس الاخير الذي يجب الانتباه له ان حركات التحرير المسلحة لم تعد تمارس كفاحها في الغابات والمناطق المعتمة. فمع تحول العالم الان الى قرية صغيرة، تواجه حركات التحرر المسلحة تحديات جديدة، في مقدمتها ثورة الاتصالات والمعلومات والتكنولوجيا، وحزم القيم والمبادئ والمفاهيم المرتبطة بها، وغيرها من تطورات كونية مثل الشرعة الدولية حقوق الانسان، التضامن الانساني العالمي، الحرب على الارهاب و غيرها من تطورات. هذه الحقبة الجديدة، والتي يمكن تلخيصها تحت مفهوم القرية الكونية، تتطلب تفهمها وتوظيفها ايجاباً لاجندة واهداف ورؤى التحرير، فخلاف ذلك فانها يمكن ان تنقلب بسهولة الى عنصر مضاد يهزم اجندة التحرير نفسها.
بنهاية هذا الجزء من السرد والملاحظات، تبرز مجموعة من الاسئلة الكبرى التي تتطلب المزيد من البحث والاستقصاء. حيث يجب ان تبذل جهود عميقة وايجابية، تسودها الروح والبيئة الديمقراطية، داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، وغيرها من مؤسسات شبيه، تعمل على طرح الاسئلة الصحيحة ومن أجل الاعداد الجيد للمستقبل. ومن ضمن هذه الاسئلة الاستراتيجية:
• ماهي الركائز و المكونات الأساسية لرؤية السودان الجديد؟ كيف نقوم بتطويرها؟
• لماذا حدث الانقسام الحالي في الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال؟ اين يكمن الخطأ؟
• كيف نحافظ على نضالنا التحرري المسلح متماسكاً دون التصادم مع المفاهيم العالمية الجديدة؟
• ما هي الدروس المستفادة من عملية المفاوضات والحل السلمي وكيفية تطويرها؟
• ماهي الموارد الاقتصادية المطلوبة لتطوير الحركة الشعبية؟ وكيف يمكن توفيرها؟
• ماهي الأدوار المناسبة، والعلاقات البناءة، في العمل مع المنظمات غير الحكومية خلال فترة الكفاح المسلح؟
• كيف تحدد وتبني وتحافظ وتطور الحركة الشعبية تحالفاتها السياسية؟ ما هي الاهداف المرجوة من هذه التحالفات؟
• ماهو البناء الدستوري الامثل للحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال؟

الاجابة على هذه الاسئلة الاساسية، وغيرها، يجب الا تكون مجرد تمرين ثقافي اواكاديمي. بل يجب ان تهدف الى المساهمة في مخاطبة وايجاد الحلول لمشاكل السودان المستعصية. فازمة السودان الرئيسية ظلت تشكل تحدياً مستمراً للسودانين على مدى عقود من الزمن. وقد قادت الى العنف الذي وصل ذروته في الحروب العديدة في مختلف مناطق الهامش السوداني. الاجابة على هذه الاسئلة تساعد الجميع في تحديد ماهية أزمة الوطن وانجع وايسر الطرق للتعامل معها؟
فالسودان بلد متنوع ويمتاز بوجود عدد كبير من الخصائص المختلفة؛ اقتصادياً، اثنياً، دينياً، ثقافياً، ولغوياً. هذه الطبيعة المتنوعة تمت ادارتها بطريقة خاطئة وتجاهلتها معظم الحكومات الوطنية المتعاقبة منذ الاستقلال، وذلك بتبني دساتير مؤقتة ومؤسسات دعمت توطيد و تعزيز محددات الهوية الاسلاموعروبية. وفي هذا اهمالاً واضحاً لحقائق التنوع السوداني، و انعكاساً جلياً لأزمة الهوية المستفحلة في مركز الدولة السودانية. وقد لخص الدكتور فرانسيس دينق هذه الوضعية بطريقة ممتازة، قائلاً:
"تتجلى ازمة الهوية الوطنية في السودان في تشوهين. الاول هو ان الاقلية المسيطرة في المركز، بالرغم من انها هجين افريقي- عربي كما هو ظاهر للعيان، ترى في نفسها انها مجموعة عربية خالصة، مع اضافة الاسلام والثقافة العربية كمكونات اضافية. ثاني تشوهات الهوية يتمثل في النظرة الذاتية المزيفة للاقلية المسيطرة في المركز والتي تطرح هويتها كاطار للهوية الوطنية الشاملة، وهو ما انتج بطبيعة الحال آلية للتمييز ضد غير العرب وغير المسلمين. وقد ظلت هذه الوضعية مستمرة رغم كلفتها الممثلة في النزاعات المدمرة للسودان منذ الاستقلال."
ازمة الهوية هذه تعتبر احد مسببات الصراعات والحروب في الهامش السوداني. وقد ولدت معها تهميشاً دستورياً ومؤسسياً لغير المنتمين للاقلية المسيطرة في المركز. فالتشريعات المستمدة من الدساتير المؤقتة المعبرة عن ذهنية المشرعين الاسلاموعروبيين تعزز هذه الانقسامات في الدولة وفي المجتمع السوداني. المناهج التعليمية، على سبيل المثال، يتم تصميمها لاستيعاب غير العرب من السودانيين داخل الاطار الذهني الاسلاموعروبي. ذات الشي ينطبق على قوانين الاحوال الشخصية وقوانين الاراضي، وغيرها من تشريعات تعزز من الاقصاء والتمييز. وكنتاج لذلك، في الواقع، يتم اخضاع السودان لاستعمار وهيمنة داخلية، تتمظهر في صيغ اشبه بالفصل العنصري المزدوج القائم على العرق والدين معاً.
وقد خاطب الدكتور جون قرنق ازمة الهوية هذه في مخططه الخماسي، قائلاً: " ان العروبة والاسلام لا يمكنهما لوحدهما توحيد السودان. الافريقانية والمسيحية المناهضان للاسلاموية والعروبة لا يمكنهما كذلك توحيدنا. انها السودانوية فقط ما يمكنها توحيدنا كسودانيين في المقام الاول". ولدكتور قرنق، وكما نعتقد الان، فان هوية السودان يجب ان تفهم في اطار التنوع التاريخي والتنوع المعاصر، وهو ما يمثل جوهر تفسير رؤية السودان الجديد.
من ذلك نخلص الى ان الصراع حول الهوية في السودان قد انتج ممارسات للتمييز والتهميش خلفت بدورها تحديات مركبة واكثر تعقيداً من فسيفسائية سؤال الهوية نفسه، نذكر من هذه التحديات:
(أ) ما قامت به السياسات الاجتماعية-الاقتصادية تاريخياً من تمكين لمجموعة اقلية معينة على حساب الاغلبية من السودانيين. وقد اعاقت هذه السياسات التوزيع العادل للسلطات والموارد في مستويات الحكم المختلفة، كما اضعفت المبادئ المعروفة في لامركزية السلطة والحكم، بما فيها الحق في إدارة الموارد المتاحة.
(ب) المواطنة المتساوية: حيث يجب ان تؤسس على الحقوق و الواجبات الدستورية المتساوية. فاطار المواطنة المتساوية هو تضمينها كحقوق ووجبات في الدستور والتشريعات والسياسات والممارسات. وهذا لا يتسنى تحقيقه في بلد يستمد دستوره وقوانينه اليوم من الشريعة (الفقه الاسلامي)، والتي بطبيعتها تميز وتفصل بين المواطنين.
(ج) قضية الارض: منذ العصور القديمة، ظلت القبائل والمجموعات تحارب من اجل السيطرة على الاراضي وطرق استخدامها. وفاقمت الممارسات الحكومية من هذا الوضع عبر سن القوانين في مراحل مختلفة، وفي مجملها ظلت تحابي و تمنح الامتيازات لمجموعات اثنية معينة، في تحالف بين السلطة الاقتصادية والسياسية. فعلى سبيل المثال، ما بين الاعوام 1899-1925، اصدر السودان قوانين تسجيل الاراضي، وظل جنوب السودان، جنوب النيل الأزرق وجبال النوبة خاضعين لقوانين المناطق المغلقة ، 1914 – 1946، التي اصدرها المستعمر. منذ ذلك الوقت لم يتغير الوضع، بل على العكس سمحت قوانين تسجيل الاراضي الجديدة بمصادرات واسعة للاراضي من اصحابها الاصليين. وبالرغم من خضوع القوانين لتعديلات عديدة، الا انه في جوهرها ظلت تصاغ وتطبق ضد مصلحة المجتمعات الاصلية المستقرة والرعوية. وهو ما ثبت حقيقة ان مجتمع ما او شخص ظل يستفيد ويعمل على الارض على مدى الاجيال، لا يمتلك الحق في تملك واستخدام الارض في المستقبل.ان قوانين الاراضي الحالية، شرعنت الممارسات الجارية في حيازة الاراضي، والتعدي عليها واستغلالها في دارفور، النيل الأزرق، جبال النوبة، مناطق البجا، وفي مناطق النوبيين في اقصى الشمال. حيث سهلت هذه التشريعات عمليات النزع و مصادرة الاراضي في هذه المناطق بدواعي الاستثمار والتنمية، وما صاحبها من قضايا فساد واسعة، وهو ما تسبب في نشوب العديد من الحروب والنزاعات واشكال اخرى من المقاومة.
ان قائمة القضايا والتحديات المركبة طويلة ومركبة. وما اشير له اعلاه فقط لاعطاء ملمح عام عما يمكن ان تتضمنه القائمة من قضايا ساهمت، وما زالت تساهم في خلق وتعقيد الازمة الوطنية الشاملة في بلادنا.
وعلى ضوء الخلفية التي شكلها هذا السرد والتحليل، اخلص الى الاتفاق مع مدرسة الفكر السودانية التي تشخص مشكلة السودان بإعتبارها ناتجة عن تبني هوية زائفة، وان كل المظالم التاريخية التي حدثت وتحدث ما هي سوى تجليات واضحة لهذه المشكلة الأساسية. ازمة السودان الرئيسية يتم تشفيرها وتخفت وراء الاعراض الظاهرة للتهميش وتحديات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وقضايا الحكم، وقسمة السلطة والثروة. كما يجرى تعميق هذه الازمة يوماً بعد يوم باستخدام ادوات ومؤسسات الدولة السودانية، مثل القطاع الامني والمؤسسات التنفيذية والادارية للحكم والمؤسسات التشريعية والقوانين. ايضاً، لعبت الأساطير والامثال الشعبية كذلك دورها في تعميق تمظهرات الازمة السودانية. وقد اوضح الدكتور الباقر العفيف بصورة جيدة في كتابه "وجوه خلف الحرب" ذلك التمظهر، من خلال تحليله للقصص وخطاب الحرب في دارفور، حيث وجد ان عملية بناء تلك القصص والاساطير يتم في معظمها بالاحالة والرجوع الى الجزيرة العربية والى الرسول محمد.
ولكي نتقدم الى الامام في هذا السرد، نرى انه يجب ان تتم مخاطبة ازمة السودان المركبة بقدر من الوضوح والمباشرة. فمعالجة الأزمة الوطنية المتعلقة بتشويه الهوية السودانية يتطلب اولاً الاتفاق على اطار عام يضم كل السودانين على قدم المساواة، ودون اي تمييز على الاسس الاثنية، النوعية، العرقية، الثقافية، او الانتماء الجغرافي او الفكري او السياسي. هذه هي رؤية الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال للسودان الجديد التي وضع اساسها وطورها الدكتور جون قرنق، مؤسس الحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان. وهي تظل الامل المتبقي في معالجة الازمة السودانية حسب اعتقادنا. فالقوانين والمؤسسات والممارسات التي رسخت على مدى عقود رؤية السودان القديم – الاسلاموعروبي – يجب تفكيكها والخلاص منها مرة واحدة، والى الابد.
يجب علينا، ونحن نصبو نحو التغيير الحقيقي، ان نتجنب الحلول الجزئية ومواطن ضعف الاتفاقات السابقة، بما فيها اتفاقية السلام الشامل. فهذه الاتفاقيات اصبحت في نهاية الامر من ضمن ادوات النظام لاعمال السيطرة والتقسيم، كما هو الحال في خلق مناطق جغرافيا منفصلة مثل جنوب السودان، دارفور، المنطقتين،الخ. كما استخدمت في خلق تكتلات وتصنيفات سياسية جديدة، كلاً باتفاقيته، كلاً بثمنه: اتفاقية القاهرة، اتفاقية جيبوتي، اتفاق اسمرا لشرق السودان،الخ. هذه الاستراتيجية القائمة على استخدام المفاوضات السياسية والاتفاقيات الجزئية كآلية للاحتواء والتشظي عبر عنها بطريقة مباشرة الجنرال لازاروس سيمبويا، الوسيط الكيني خلال مباحثات اتفاق السلام الشامل، وذلك خلال سمنار نظمته الخارجية الامريكية في واشنطن في العام 2009، عندما ذكر: "اتفاقية السلام الشاملة كان ينظر اليها بواسطة الحركة الشعبية لتحرير السودان كآلية لاحداث التحول والانتقال الشامل في السودان، بينما كان ينظر ويتعامل معها حزب المؤتمر الوطني الحاكم باعتبارها وسيلة للاحتواء وبما يمكنه من الاستمرار في سياسات الهيمنة و الاجندة الاسلاموعروبية."
في الختام، الأزمة السودانية المتطاولة تحتاج الى مقاربة جديدة، اذا ما كان يراد للسودان الا يستمر في انزلاقه نحو الهاوية والمزيد من الاضعاف والتقسيم. وهذا هو بالضبط ما تقاتل من اجله الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، وهو ما سنظل نناضل من اجله، رغم الانقلابات الداخلية والانقسامات.

30 أغسطس 2017م