بعد إنتهاء الحرب الأهلية واعتماد الدستور الأمريكي، سعت الحكومة الأمريكية إلى تأمين مصالحها التجارية وحفظ حقوق الأمريكيين في الخارج، فأنشئت العديد من القنصليات كان أهمها قنصلية الاستانة لدى الباب العالي، وبعد أن إنفرد محمد علي باشا بسلطانه في مصر رغم ادعائه أنه يتبع لسلطة الباب العالي، رأت الإدارة الأمريكية فتح قنصلية في الإسنكدرية تتبع لسلطة قنصليتها للباب العالي في الاستانة لأهمية الدولة العثمانية وسيطرتها على أغلب الممرات المائية الهامة في ذلك الوقت.
اعتمدت الخارجية الأمريكية السيد (جون قليدون ) وهو تاجر إنجليزي في ميناء الإسكندرية قنصلاً لها في العام 1849م، ورُفعت القنصلية في الإسكندرية إلى قنصلية عامة وعيّن خلفاً لـ(جون قليدون) الأمريكي (دانيال سميث) الذي كان قنصلاً عاماً أمريكياً في طرابلس، وجاء في خطاب تعيين دانيال سميث (بالرغم من أن مصر لازالت شكلياً تحت السلطة العثمانية، إلا أنها أصبحت في الواقع سلطة مستقلة، وأصبح لزاماً علينا أن نوّثق علاقاتنا مع واليها، ورغم أن عملك يقتصر على تشجيع وتقوية العلاقات التجارية مع بلاد،ه إلا أننا نحثّك علي مدّنا بمعلومات أخرى تراها مفيدة)(Washington .DC Oct23.1848 وثائق الخارجية الأمريكية) .
علي الرغم من أن الدور الدبلوماسي والسياسي الأمريكي لم يزدهر إلا في العواصم الكبرى في ذلك الوقت مثل لندن وباريس والاستانه وغيرها من العواصم المؤثرة في السياسة الدولية آنذاك، إلا أن هناك إهتمام أمريكي بمصر والسودان، وذلك مرده أن سلطة مصر المتمثلة في شخصية محمد علي باشا كانت تتجه إلى اقامة إمبراطورية في قلب العالم، إضافة إلى إزدهار حركة السواح والمغامرين الأمريكان الذين كثر عددهم بصورة ملحوظة في ذلك الوقت، وحددت ثلاث مهام أساسية للقنصليات وهي:
مساعدة وتوجيه السواح الأمريكيين وتوفير الحماية وسبل الراحة لهم، وقدّر عدد السواح الأمريكيين في وادي النيل وقتها بعدد 4000 سائح سنوياً (أحمد الأمين البشير، مجلة الدراسات السودانية، العدد الأول، المجلد الثالث، فبراير 1971).
حماية المبّشرين الأمريكيين، إذ انطلقت بعثات تبشيرية أمريكية، وحماية من دخلوا في الدين المسيحي علي يد الجمعيات والمبّشرين الأمريكيين.
تشجيع التجارة ورجال الأعمال الأمريكيين الذين ظهرت لهم شركات تعمل في إستيراد الحاصلات السودانية والمصرية، وبدت هذه الشركات تحتاج لحماية لتنشيط أعمالها.
إلا أن الهدف الذي لم يعلن هو متابعة التطورات السياسية في مصر التي يتصارع حولها النفوذ الفرنسي والبريطاني وضعف النفوذ العثماني مع أطماع محمد علي باشا التوسعية لإقامة امبراطورية، فكان على صانع القرار الأمريكي أن لا ينعزل عن مراقبة هذا التطور الذي تشهده مصر في ذلك الوقت.
بناءاً على ذلك سعت الحكومة الأمريكية إلى إفتتاح عدد من (وكلات القنصلية) حتي بلغ عددها احدى عشرة قنصلية في كل من (السويس، الزقازيق، أسوان، المينا، طنطا، أسيوط، جرجا، المنصورة، بني سويف، الأقصر والخرطوم) كانت هذه القنصليات ترفع تقاريرها الي القنصل العام في الإسنكدرية والقاهرة بصورة راتبة، وتتضمن تقاريرها المتنوعة من سياسية واقتصادية وعلمية وغيرها من النواحي الأخرى.
مع القنصليات الأمريكية أسست الإرساليات الأمريكية الدينية، إلا أن معارضة أقباط مصر جعلت دور الإرساليات يتغير من الطابع التبشيري إلى الجانب التعليمي وذلك في العام 1845م، وكان الهدف من وجود القنصليات والبعثات التبشيرية متابعة الأحداث ورفع تقارير دورية عن حقيقة الأوضاع الجارية وقتها.
وكيل القنصلية الأمريكية في الخرطوم:
بدأ التمثيل القنصلي الأمريكي في الخرطوم منذ العام1865م إلى يناير 1885م حيث فتح الإمام المهدي الخرطوم وتحررت البلاد من الإحتلال العلوي الألباني الذي قاده محمد علي باشا في العام 1821م، وكانت الخرطوم مدينة الأجانب بإمتياز وجرى وصفها على أنها واحة أوربية في مجاهل إفريقيا توفر لهم سبل الراحة وكل ما يقدمه العالم المسيحي المتحضر، وضمّت قنصليات لعدة دول بريطانيا وفرنسا وأمريكا وغيرها من الدول الأوربية القوية والمؤثرة في النظام الدولي في ذلك الوقت.
البعثة القنصلية الأمريكية الأولى إستمرت منذ فترة غير معلومة البداية إلى العام 1865م والبعثة القنصلية الثانية أسست في العام 1871م، ولا توجد معلومات دقيقة بشأن البعثة القنصلية الأولى ولم يعثر على أي وثائق أي ما يتعلق بها، وبعدها حدث إنقطاع إلى العام الذي ظهر فيه الخواجة (عاذر عبد الملك) الذي أصبح وكيل قنصل الولايات المتحدة في الخرطوم إلى فتح الخرطوم في 1885م.
أول زيارة لشخصية أمريكية معروفة وشهيرة للخرطوم قام بها الشاعر والدبلوماسي والكاتب الأمريكي (جيمس بيبارد تيلر)، وأقام في الخرطوم سته أشهر وكتب كتاباً ضمّ رحلاته وأسهب في وصف السودان وعاصمته الخرطوم وذلك في العام 1851م، ومن المحتمل أن الدبلوماسي (بيبارد تيلر) قد لفت الأنظار إلى أهمية هذه البلاد، فتمّ فتح القنصلية الأمريكية بعد زيارته الشهيرة للخرطوم. ذكر (بيبارد) أن مركبة علي النيل كانت تسير وهي ترفع العلم الأمريكي لأول مرة في أرض السودان، وبعد مغادرة (بيبارد) الخرطوم طلب (ريس المركب) السوداني أن يترك العلم الأمريكي فوق مركبه ليضمن الحماية الأمريكية من جور السلطات في ذلك (الزمن الغابر) الذي ينهب فيه الحكام كل شئ ويفرضوا ضرائب باهظة علي السكان وأصحاب المراكب الشراعية علي وجه الخصوص، أو تقوم السلطات بمصادرة مركبه وتجارته واستعمال المراكب في أعمال الحكومة دون أن تدفع أجرتها كما جرت العادة، وترك (بيبارد) العلم الأمريكي لريس المركب (Bayard Taylor .Journey To Central Africa. New York. G.P. butnm and company.1854.p270.
الإشارة الثانية إلى الرحالة والمغامر الأمريكي الدكتور (كليرنس م. بروانل) والذي قابل قنصل بريطانيا في الخرطوم وقتها(جون بثرك) وزوجته، وأخذ منه خطابات وإنطلق في رحلة لأعالي النيل وتوفي في احدى جهاتها حيث نعى القنصل البريطاني وزوجته الرحالة الأمريكي وباع حاجاته واحتفظ بقيمتها مع بعض الأشياء التي تخصه، وتم إيداعها لدى وكيل القنصل الأمريكي في الخرطوم وقتها.
في العام 1862م ذكر بيكر (أن في الخرطوم ثلاث قنصليات لفرنسا والنمسا والولايات المتحدة الأمريكية )، وجاء أيضاً في حادثة (الباخرة عباس) التي إصطدمت بالصخور في أرض المناصير قبالة (جزيرة الكون) وقرية الهبة، أن الزعيم المحلي للمناصير والمعروف باسم (عثمان ود القمر) قد قتل القنصل البريطاني والقنصل الفرنسي وعدد من الأجانب فيما عرف تاريخياً بواقعة (يوم الهبة) .
من هو الخواجة عاذر عبد الملك:
ويعرف عاذر عبد الملك بأنه أول وكيل قنصل أمريكي معتمد في الخرطوم، وهو من طائفة الأقباط ويقيم في الخرطوم، كان عاذر عبد الملك أحد أثرياء الخرطوم وتجارها المعروفين بالصدق والأمانة (كعادة أهلنا الأقباط)، أصبح دار عاذر (منزله) للسواح والمغامرين الأمريكيين، إضافة إلى أعماله التجارية في الخرطوم.
وجاء في الوثائق الأمريكية اهتمام خاص بالمقاتل السوداني بعد نجاح أورطة الجنود السودانيين في المكسيك، وقمعهم للتمرد بعد 24 معركة كبيرة ضد عصابات المكسيك، وكانت هذه الأورط قد أرسلها الخديوي (سعيد باشا)، وفي ذلك العام 1863م كانت الولايات المتحدة تتبنى سياسة العزلة المجيدة، وكان مبدأ (الرئيس مونرو) والذي يقضي بمنع الدول الأوربية من التدخل أو حيازة مستعمرات في القارة الأمريكية، وكان الفرنسيين والنمساويين قد دخلوا في حروبات مع الثوار المكسيك واستعانوا بالأورطة السودانية، لذلك وجد السودان اهتماماً مبكراً بشئونه في دوائر صنع القرار الأمريكيين وقتها.
طلبت الولايات المتحدة من قناصلها في وادي النيل مدّهم بأي معلومات عن الأورط السودانية والأورطة الثانية التي كان يعد إرسالها للمكسيك على إعتبار أن الجنود اقتيدوا قسراً من وطنهم، وكانوا رقيق وهذا يخالف ما اتفقت عليه الدول الأوربية لذلك، كان التكليف بمتابعة تجنيد السودانيين في هذه الأورط لشكّ كبير تسرّب في نفوس الأمريكيون بأن الجنود رقيق تم إختطافهم وتجنيدهم من قبل السلطات في السودان، إضافة إلى النجاح الذي حققوه في إخماد الثورة في المكسيك.
إضافة إلى وظيفة قنصل الولايات المتحدة الأمريكية التي إستلمها الخواجة (عاذر عبد الملك) فقد كان من كبار تجار الصمغ العربي في السودان وكانت أعماله ناجحة، فقد جاء في تقرير القنصل الأمريكي العام المستر (جورج. هـ. بتلر) في الإسنكدرية في يونيو 1871م (أما عاذر عبد الملك فهو تاجر كبير في الصمغ العربي الذي يصدر للولايات المتحدة الأمريكية، وهو قبطي من رعايا السلطان ويتمتع بإحترام مواطنيه من المسلمين والأقباط، وقد قام بمدي بمعلومات تتصل بالتجارة في وادي النيل والمصالح التجارية الأمريكية في السودان، كما أنه أصدر التعليمات لوكلائه في أواسط افريقيا للبحث عن (الدكتور ليغنقستون) وتقديم كل مساعدة ممكنه له، وإن عاد سالماً سيكون مداناً لوكيل القنصل الأمريكي في الخرطوم بسلامته، خاصة بعد إعفاء المستر (جون بثرك) القنصل البريطاني من وظيفته)(أحمد الأمين البشير، مصدر سبق ذكره، ص14).
في عام 1872م استقبل وكيل القنصل الأمريكي في الخرطوم عاذر عبد الملك في بربر الصحفي الأمريكي المستر (الفان، س، ساورثورث) مراسل صحيفة (النيوهيرالد)، الذي أقام تحت ضيافة وكيل القنصل الأمريكي عاذر عبد الملك سته شهور وألّف كتاباً موسوعة عن السودان الموارد والسكان والعادات وتجارة الرقيق، وكذلك إستقبل عاذر عبد الملك الصحفي الأمريكي (ستارلينق) الذي كتب أيضاً عن السودان وعن شخصية عاذر عبد الملك فقال (قبل وصولنا بربر بساعة استقبلنا عاذر الوكيل القنصلي للولايات المتحدة الأمريكية بالخرطوم، والذي جاء خصيصاً للترحيب بنا، وجدناه رجلاً مسنّاً فكهاً خفيف الظل، ومستعداً للقيام بأي مهمة من أجل راحتنا، وهو بلا شك أغنى تجار السودان وأكبرهم سنّاً) (نفس المصدر السابق، ص16).
الخواجة عاذر كان نشطاً ومواظباً في إرسال تقاريره للقنصلية العامة للولايات المتحدة الأمريكية في الإسكندرية، وهو أول من أفاد بسلامة الرحالة (بيكر) الذي توغل في جنوب السودان والذي إنقطعت أخباره في العام 1873م، وكذلك أبرق بموت الضابط الأمريكي المستر (كامبل) الذي كان يعمل في خدمة الجيش المصري ومعه عدد من الضباط الأمريكيين في عهد الخديوي اسماعيل، وتنوّعت برقياته لتشمل كل الأوضاع في السودان بما فيها التجارة وأحوال المناخ وهطول الأمطار في السودان.
الأمريكيون أيضاً أبدوا إهتمام كبير بميناء سواكن وتم ترشيح الإغريقي (موسكو ناس) التاجر بسواكن وذلك بهدف متابعة الحاصلات السودانية المصدرة إليها ومتابعة تجارة الرقيق في السودان التي تخرج عبر ميناء سواكن، وتم ترشيح التاجر الإغريقي (موسكو ناس) في العام 1880م، ولكن الخارجية الأمريكية رفضت تعينه وإكتفت بتقارير عاذر عبد الملك التي كانت تتحدث عن تجار الرقيق وحمولاتهم ومعاملة التجار للأرقاء والحاصلات السودانية، إضافة إلى الأوضاع في الخرطوم، و(عاذر عبد الملك) كانت تربطه علاقات واسعة مع كل رجالات الحكم والتجار والإدارات الأهلية في السودان.
إلغاء القنصليات في مصر والسودان:
في العام 1882م احتلت القوات الإنجليزية مصر وأصدرت (قانون إلغاء القنصليات)، وجاء في القانون أن كل الأجانب تحت حماية المحاكم الدولية ولم تعد هناك حاجة للقنصليات، وقبل أن يبلغ القرار عاذر أغلقت قنصلية القاهرة العامة، ونشبت الثورة المهدية في شمال السودان لتقطع طرق الإتصالات بين مصر والسودان، وبعد إجتياح الخرطوم قتل عاذر عبد الملك بيد الثوار الجدد (ميمونة ميرغني حمزة، حصار وسقوط الخرطوم، دار جامعة الخرطوم للطباعة والنشر، 1972م، ص7).
قبيل سقوط الخرطوم وفي أيامها الأخيره سلّم وكيل القنصل الأمريكي الحاكم العام غردون باشا مبلغ 72000 ريال نقدا و126.315 ريال عبارة عن بضائع وحررت له أوراق من بونات غردون الشهيره التي هي واجبة السداد في مصر أو بعد تحسن الأوضاع الأمنية في السودان، ولكن يد القدر كانت أسرع من آمال غردون العراض .... هذا والله أعلم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.