في جنبة سوق هو صنيعة عالم العنف وربيبته، كل شيئ هنا يهديك لفضاءات العنف وإشتغالاته ، حتي الإيحاءات والإيماءات وثقافة اللبس وطريقة المشي والحديث والجلوس هو هو ، هذا السوق يحتضن بداخله قوانين المُتناقضات يحفل بضحايا الضحايا من النساء والاطفال والثكالي والارامل والحياري ،وعلاقات تحكُمها طابع الغرائبية من نوعها بين المليشيات بمُسياتهم المختلفة كما يحلو لهم تسميتهم ،دعم سريع ، حرس الحدود ، توروبورا أو بإسمهم الحركي (الترتيبات الامنية ).

وقفت عنيدة مُتمردة في منتصف الزبائن الذين كانوا يُحيطون بها كإحاطة المصائب والمحن من حولها ، بقوامها الرشيق ، مُحفظة بجمال ساقيها ،وإمتلاء خصرها ، وإستدارة كتفها ، بقدميها الصغيرتين الخفيفتين ،وقفت وكأنها شمس افريقيا التي طالت انتظار خُروجها ، او كانها القمر الذي يطلع بعد غروب الشمس ، كان شعرها اسود لامع ، ووجهها مُستدير، وأٍنفها افطس ، وفمها الدقيق كالودع ، وبأسنانها البيضاء الجميلة تتسق مع سوداها مُزينةً وجهها كالبرق في ليليةٍ خريفيةٍ هالكةٍ ، وبعيناها السوداويتن الساحرتين فيهما مكمن جمال المراة الافريقية من البريق والعاطفة ، ببشرتها النقية الصفية السوداء اللامعة ، نقيةٌ لا تطالها عبس وفوضي المساحيق والكريمات ،مُسترسلة في الافريقانية .
كانت ترتدي عباءة سوداء ،وعلي رأسها طرحة رمادية مزركشة بألوان زاهية ، قد أدارتها حول جيدها ، وأسدلتها حول صدرها بنهداها النافرتين ، وبدا وجهها غارقا في السواد متألقاً ومُشعاً كشمس افريقيا ،وكانت شعرها مُضفرة ومُقسمة بإتقان علي ثلاثة ضفائر او يزيد تنكشف في غمرة إنشغالاتها بإهتمامات الزبائن ،كانت عباءتها السوداء أكسبتها جمالاً في فوق جمالها ، فعلي الرغم من بُؤس الحياة ونكد العيش هنا، فكانت حاضرة بجمالها وانوثتها .
هي في منتصف عقدها الأول ، فقط هي المشيئة رمتها في أحضان هذا السوق التي لا تفهم له قانونه وسلوك مُرتاديه ، هنا أي كانت الانثي ،عمرها، حجمها ،لونها ، شكلها ،مستوي تعليمها ، ثقافتها تُخصع لأبشع أنواع العنف اللفظي من الذكور،لا يفكرون في المرأة الا في تلك المساحة الصغيرة من جُغرافية جسدها ! ولربما لحداثة سنها لم تستجب لهذه الافتراءات الذكورية علي الرغم من الإنذارت المُتكررة بواسطة مُخدمها "ست المحل" ، فكانت تقول لها بإطراد : يا بت هذا هو قانون السوق ونحن نسمع كل شيئ ونطرحه عرضاً علي الحائط فلا تُعيري بالاً لأي إنسان ، ركزي في عملك ....
علي الرغم من سجالاتها ومُرافعاتها الذكية حيال الدفاع عن كينونتها ، وعلي الرغم من حدتها في بعض الأحايين ، كانت صوتها فيه أُنوثة سجية ، وحنين دائم مثل صوت القمرية المُغردة الشجية ، ظلت تتحرك بحركات خفيفة كظبية ألهمتها جمال الطبيعة عقب هطول المطر ، وظلت تُواجه بكل ثقة لتحرُشات الزبائن ، من أين أتت هذه البنت العنيدة ؟
هكذا تساءل احد الزبائن؛
انا من طين هذا البلد ؛
عجنتني بُؤس الحياة وضنك المعيشة وكان ان ألتقي بك في هذا المكان ؛
نحن لم نُخلق لكي نُفترس ولا نكونن ضحايا لامراضكم النفسية ؛
نحن بناتكم أتينا هنا لكي نقتات قوت يومنا ؛
لم نكن يوما قد خرجنا لكي نُمارس العُهر في وضح النهار؛
أنتم يا معشر الرجال لا تنظروا إلينا الا بمخيلتكم الجنسية ؛
كهذا ردت بصوتها الداوية ولكن فيها بريق الانوثة ،بينما كان بعض الحضور من الزبائن في صمت وترقب والبعض الآخر مشدُودين نحوها يجولون بساهاماتهم السامة نحو جسدها دونما إنقطاع وكأن ما تقولها لا يعنيهم بشيئ ! ،
وفي مقربة منها هناك بعض الزبائن الذين يضعون في رؤوسهم تلال من العمائم والكدمولات بمهارة فنية عالية تحضر في الذاكرة كل آلام وجراحات ومآسي الحرب! ، كدمولات بألوان وأشكال مختلفة ، اللون الاحمر ، الازرق ، الاخضر ، البني ، او مُزركشة بكل هذه الالوان ، الازياء العكسرية بانواعها المختلفة منها ماهو معروف وما لم يُعرف ولم يُسمع عنها من قبل ! ، كل يحمل سلاحه ويضعه بجانبة علي أهب الاستعداد، الكل لايثق علي صاحبه ، نعم لا يستطيع المرء ان يفك لغز وطلاسم التلثم والتكدمل في هذا المكان سوي انه يكسب صاحبه حصانة مُطلقة من ائ مساءلة قانونية او جنائية او بمعني آخر انه هو القانون ذاته !......
ولربما هؤلاء الناس يتداولون في امر عظيم ، وضعوا رؤوسهم لبعضهم البعض ، الحديث كله عن محاولات الحكومة لنزع السلاح ، وكيف سيصير مصيرهم اذا جُردوا من السلاح ، وهل لهم ان يعيشوا حياة البؤساء والتُعساء بعد ان منحتهم السلاح الناري حصانات وإمتيازات لا مثيل لها ، وكيف ان مسألة نزع السلاح مرتبطة بالوجود.
لم يمض دقائق قد سُمع طقطقة السلاح وكل أخد مكانه حتي ستات الشاي ،ولربما كان ذلك بسبب نُشوب نزاع بسيط حول المُرتجي من مبلغ فاتورة كوب شاي او قهوة او نعاع او كردي ! أو قد يكون نَظَر أحدهم لصاحبه نظرة حادة يري فيه شر وإشتط غضبا وإنفجر ! أو لرُبما يكون الخلاف عن افضلية او سمو قبيلة احدهما ضد الآخر ! او قد يكون ست الشاي نفسها هي بطلة ومُلهمة هذا النزاع ! او قد يكون سبباً آخر ، كل شيئ ممكن هنا ! ،تثور المشاكل لأتفه الاسباب ،وكل ستات الشاي هنا يحرصن كل الحرص لإستعادة الباقي من مَدفُوع الكيف بالتمام والكمال ، ويُروي ان شخصا ما قُتل في هذا السوق بسبب جنيه واحد فقط ! عندما صدأ آذان الزبائن مطالبا له إياها، وتدخل احد الزبائن الفضولين ونشب بينهما عراك عنيف إستل سكينه وقام بِعَج بطنه مما أرداه قتيلاً في الحال ! حكاوي واقاصيص هذا السوق كثيرة ....ولكن تظل تلك الفتاة حاضرة بسحرها وجمالها!.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.