عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 

من أولويات عمل النخبة فهم الظاهرة التي ينشطون فيها، ويفعلون ذلك بغرض البدء في التغيير، وإجراء ما يرونه إصلاحاً يصب في هندسة جديدة لمجتمع خارج لتوه من أوحال التخلف والانكفائية والتعصب بكل جوانبه، وقد بدأت أولى الانتباهات في هذا الصدد عند الأستاذ عرفات محمد عبد الله الذي بدأ تعليمه في كلية غردون، وتركها ليعمل في مصلحة البريد والبرق، وكذلك ارتبط اسمه بجمعية اللواء الأبيض بل كان كاتباً للمنشورات ومترجم لها، هاجر إلى مصر بعد ملاحقات ومضايقات جرت له في الخرطوم، والانجاز الأكبر لعرفات هو إصداره لمجلة الفجر (1934م- 1938م) والتي يصح وصفها بالمنارة الثقافية الوحيدة حينها في وجه خطابات الطائفية والاستعمار خطابهما التركيعي المتوثب ضد التغيير والحداثة. كما يجدر بالذكر أن عرفات يمثل روح جديدة في المجتمع السوداني، فالرجل ينتمي إلى طائفة الأقباط الذين تغلغلوا في المجتمع السوداني بعد الغزو التركي العثماني (1821م)، ويوصف بأنه كان مستقلاً في خطابه الاجتماعي كون الوضعية التي شكلت وجدانه لا تسمح له بالاتكاء على أي شكل من أشكال الامتياز في مجتمع محكوم بالقبيلة والدين.
كان عرفات يؤمن بالخصوصية السودانية، ويتفهم موقع الظاهرة من تشابكاتها مع المشرق (الممثل له هنا مصر) والاستعمار الذي منحهم حق الكلام، بل من تجليات هذه الخصوصية يذهب أبعد إذ تتجلى نظرته العقلانية في الاستفادة من التجارب المتقدمة في التبشير بالوعي لكن دون نسيان ما تعتريه من اختلافات بسبب من الواقع الذي يخصها، في مقاله (الصحافة الوطنية) نلمس انتباهته من كونه يتحرك لأجل قضايا تخص مجتمعه، يقول: "إن من العبث أن نقتفي بلا تصرف خطوات الصحف الأخرى من عربية وأجنبية، فهناك من الناحية الواحدة، مسائل في حياتنا- سياسية واجتماعية واقتصادية، لا مقابل لها في البلادر عربية كانت أو أعجمية.." ، بل يتفهم الرجل الحالة السودانية وما هي عليه من بدائية في المجال السياسي، وأن المجتمع بتكويناته حينذاك لا يسع المرء وصفها بالدولة، دولة المؤسسات.. وأننا مجتمع لا يزال رهين مراحل أولية في سلم المدنية " ومن الناحية الأخرى ليس في السودان (سياسة) بالمعنى المفهوم من وجود الأحزاب والبرلمانات والوزارات أو الانتخابات، وكيان السودان السياسي شيء فذ في القانون الدولي كما أنه نسيج وحده فيما ضم بين جوانحه من عناصر وقبائل مختلفة يتكون منها مجموع سكانه" .
إن تحليل هذا النص لابد يتجه نحو الإشادة بهذا الوعي المتقدم الذي كان يملكه عرفات، وليس مرد الإعجاب هذا سوى أنه لم يتوفر لعدد كبير من الخريجين آنذاك، إذ توسل النجاح في السياسة واتخاذ موقع اجتماعي كان يمارس الخريجون حينها بالتقرب من الطائفية، والأدلة كافية لو عرضنا فقط لحالة المحجوب لاحقاً وعلي عبد الرحمن، لكننا هنا نركز على جهد عرفات في تأسيس بنى التنوير. كما أن انتباهته لواقعه تكشف عن حس نقدي متقدم سارت عليه جملة مقولات الرجل كما سنرى..

السودانية بطاقة هوية: (ضيف جاحد وابن عاق)..
يكشف الأستاذ عرفات عن واحدة من معالم فرادته، إذ انتبه إلى مسألة المواطنة في وقت لم يكن فيه المعيار في الانتماء سوى الدين والعرق، والإشارة إلى الدين هنا لا تنحصر في الإسلام، بل الطائفية الدينية التي كان امتيازها ينصرف ناحية كونها المعبر عن دين الأغلبية، دين المافوق فقهي، فبعد الإقرار بحالة الانغلاق التي تهيمن على المجتمع، فالتعريف يتصل بالقبيلة لا الوطن، يشير عرفات نحو اعتماد المواطنة الجامعة لمختلف البنى الاجتماعي، يقول في مقاله (سوداني ) حاثاً الجميع التغلب على التنميط الذي يرتبط بالعبارة سوداني، كونها دلالة في نظؤ المستعمر على التخلف والقبح واللامدنية، "..إننا قبل أن نقول للنزلاء صونوا ألسنتكم من بذئ القول في مخاطبة أهل هذه البلاد أو الإشارة إليهم نقول لمواطنينا صونوا كرامتكم من العبث واعتزوا بانتمائكم إلى هذا البلد الذي ما شقي بمثل (ضيف جاحد وابن عاق )، في هذا النص روح عظيمة للانتماء يسعى عرفات تعميمها بنظر عقلاني جدير بالاحترام، فليس من المهم الصورة التي تتخذها لفظة سوداني عند الكثيرين، بل ينزع الرجل إلى القفز عليها وتحوير دلالتها لصالح إيجابية الصفة "سوداني"، بل دعوته إلى الجنسية الشاملة سبقت إقرارها بمراحل عدة .
وينادي عرفات جموع السودانيين والذي يعلم أنهم ينخرطون في تكتلات متفرقة توزعت بين القبيلة والطائفة واللامنتمي، يناديهم لصالح الاعتزاز بسودانيتهم ولا يفعل ذلك مجاناً بل بحنكة المفكر الواعي بظاهرته وفاعليها، نجده يقول: ".. لماذا تكون صفة "السودانية" في ذاتها مدعاة للاحتقار أو للشعور بالنقص، .. واظهروا للأجنبي أن السوداني ليس فقط الذي يلبس الملابس القذرة، ويتربع على التراب ففي غير هذا من البلدان من قد لا يجد تلك الأسمال البالية.. إن اليوم الذي يعرف فيه السوداني قيمة جنسيته فلا ينكرها مثلاً، ليدخل إبنه كلية كمبوني أو مدارس الأقباط أو يلج سينما النيل الأزرق- في ذلك اليوم يقدرها النزيل حق قدرها" .

الدعوة إلى قومية المعرفة:
ظني أن الأستاذ محمد أحمد محجوب مدين لدعوة عرفات في ضرورة قومية الأدب أي الخطاب الثقافي للسودانيين، فقد كتب المحجوب (الشعور القومي) متأثراً بعرفات، والأمر في هذه الدعوة يتعلق بضرورة انشغال الإبداع والفكر بمسائل تنويرية وتوجيهية وأن تكون أغراضه إصلاحية، ففي مقاله (الشعر القومي ) يدعو عرفات إلى إنشاء مخزن إبداعي إن صحت العبارة تودع فيه قيم فضلى ويكون المجتمع وأحواله من مكونات النظر في تأسيس الخطاب الاجتماعي المتوسل بالأدب وأشكاله، إنه يدعو إلى تصيير الأدب أداة للنهضة، وأن تراعي أغراض الشعر والأدب حالة المجتمع واحتياجاته، لا أن ينصرف جهد شعراء جيله ومبدعوه نحو التشبب والوقوف عند كلاسيكيات اللغة، " .. إننا أمة فتية نود النهوض وفي النفوس حاجات وبين الجوانح قلوب، لا يصح أن تكون مرتهنة أبد الدهر عند الآرام والغزلان، بل يجب أن تخفق في كل حين عطفاً على أمتنا التي أكتنفتها الأدواء من كل جانب، وأبتليت بشتى الرزايا.. ".
فجوهر دعوة الرجل هي تثوير الثقافة وتحسين فاعليتها الاجتماعية، ويقول مخاطباً جيله من المبدعين حاثهم على الالتفات إلى قضايا المجتمع الملحة والعمل على تحسين شروط العيش، ودعوته متمسة بأخلاقية عالية تجعل الدين والأعراف الإيجابية معيار تفضيلي في قياس صحة المجتمعات " أمامكم أخلاق الجيل الناشىء وفيها ميل محزن إلى كل ما رق وماع وخف، وتجاف منكر عن مواطن الجد والعمل المنتج وعن كل حسن سواء في اللباس، والحديث والمهن، والوظائف، والأدب وكل شيء،.. وأمامكم همم الشباب تكاد تنطفىء جذوتها ولم يذك أوارها بعد، .. أمامكم عاداتنا في البيت والسوق، في الزواج والطلاق، في كل شيء وفيها العيوب ما استعصى على الزمن، وتأبى على الدواء.. ".
وأخلاقية عرفات بائنة وأصيلة في دعوته إصلاح الخطاب الثقافي في سودان الثلاثنيات، إذ عاب الرجل على الشعراء انصرافهم الحسي المفرط، وتشييئهم للجسد دون النظر في اعتباره القيمي والسلوكي، إذ نراه يستنكر انخراط الإبداع في وصف جمال المرأة، جمالها الحسي دون العمل على الارتفاع بها فاعلاً اجتماعياً يسهم في دعوته النهضوية.. يقول: " أمامكم الفتاة السودانية اهتموا بأمرها قبل أن تتشبوا بنهديها وخديها وعينيها.. "
ومن اللافت للانتباه تقدميته في كون الإبداع ليس عيلاً على التطور المدني، بل يمكن الاستفادة من مظاهر عيش السودانيين على فقرها الحضاري، وهذه الدعوة رداً على بعض مدارس الأدب التي تربط بين تخلف المجتمع وسذاجة آدابه، " أصحيح أن مجتمعنا فقير في مادته، ولا يستطيع الأديب أن يستوحيه نثراً أو نظماً؟، أنا لا أظن ذلك، بل لنجعل من هذا الفقر مادتنا التي نبني منها أدبنا، ونجعل أمراضه العديدة همنا الأول، من أجل إصلاحه ونموت في سبيل إصلاحه، نفرح لها ونتألم، نتغني بما فيه من فضائل الشجاعة والكرم والمروءة والنجدة، وندعوه إلى سبيل الاصلاح وننير أمامه طريق النجاة ".

موقف عرفات من المرأة: لكل زمان ومكان مطاليب
كثير ما يشار إلى رجعية تفكير الأستاذ عرفات في قضية المرأة، وبالذات تعليمها، وصحيح أن الرجل ما كان يعتقد بالمساواة في حق التعليم بين الجنسين، ودافعه في ذلك تحليل يرتبط بالواقع الذي كان يعمل على تحليله واستنهاض همم بنيه، فقد أشار إلى ضرورة موضوعية التعليم، وتتلخص فكرة الموضوعية هذه في ربط عرفات بين تطوير المجتمع وتمرحل تمدين المرأة فيه، بل يفعل ذلك وهو مدرك ما سيتعرض دعوته من إنكار، لكن من يقرأ مشروعه الفكري بتمعن سيعلم الاستقلالية الذاتية التي يملكها وعبرها يؤسس لمقولاته، وحقيقة موقف الرجل أنه رتب أولويات النهضة بالنسبة لقضية المرأة بحسب رصده للظاهرة وتموجاتها، إذ لم يقل بمنع تعليم المرأة، كما لابد أن نضع في الاعتبار أن عرفات يكتب ما يكتبه في ثلاثينيات القرن الماضي، والواجب الإشارة إليه هو موقف عرفات من ربط التعليم بالقيم الاجتماعية الدينية، لأنه يرى أن رفض البعض إرسال بناتهم للتعليم في الوقت ذلك، ومن عقلانية عرفات أن وجد العذر لهذه المذمة، فالمدارس كانت للإرساليات التبشيرية والدين لا يشكل جزءاً من مناهجها، بل نظرته أعمق أن التعليم غير المرتبط بالبيئة سيخلق نخبة متعالية ومفصولة عن واقعها وهذه لا يرجى منها في نفع المجتمع شيء، ففي مقاله (تثقيف المرأة ) يقول: " كثير من عقلاء المحافظين ما زالوا يعارضون إرسال بناتهم إلى المدارس.. لعدة اعتبارات وجيهة في ذاتها، منها ما يرجع إلى العادة وما سببه الغيرة على العرض، وما أساسه الدين، ونحن نعلم أن أكثر مدارس البنات كانت للإرساليات يديرها القسس والراهبات بأموال التبشير. ولم تكن برامجها العلمية أو آثارها البادية للعيان لتحمل (ابن البلد) العاقل ليجازف بإرسال فتاته إلى أحضانها. فالتعليم الذي ستصيبه قشري صوري أبتر، لا يكسبها إلا كبرياء على أمها وإعجاباً بنفسها، وما دام ليس عليه مسيطر "التعليم الإرسالي" فلا سبيل إلى إصلاحه ثم أنها لا تتعلم عن دينها شيئاً.. ".
إن مفاهيم حق التعليم وحق التعبير وما على شاكلتها هي مفاهيم بنت النصف الثاني من القرن العشرين على الأقل في تجلياتها هنا عندنا، وصحيح كذلك أن هذه المفاهيم كانت رائجة في زمن الأستاذ عرفات، ولكنه ولعقلانيته كان يفهم ما فهمه لاحقاً منظروا البنيوية النقدية، وهي أن المفاهيم ليست المجانية بل هي نتاج تدرج فاعلية لمجتمع ما، ولا يصح تطبيقها دون النظر في تاريخها، هذا ما يعرف بتاريخ المفاهيم، والمثير بل ومن حسن ذائقة الرجل أنه واعي بهذا الأمر منذ وقت ما كان أحد يتفهم هذه الحقيقة الفلسفية، حقيقة أن المفاهيم لا تطبق دون مرجعياتها، وإن فعلنا ذلك جاءت بنتائج عكسية ضد ما كان سبباً في استجلابها وطمعاً في نتائج مشابهة لما هي عليه في بيئة أخرى، ورأي صاحب الفجر ينطبق عليه ما عنوننا به فوق، وهو التفكير وفق أفق الظاهرة، أن العمل من الداخل لتلبية احتياجات المشكلين لها، وقد كان سهلاً عليه التشدق بمقولات جذابة وساحرة من قبيل (تحرير المرأة 1899م) أو (المرأة الجديدة 1901م) أي أن يأتي تنظيره عيلاً على تنظيرات المصلح الاجتماعي المصري قام أمين (1863م – 1908م) وأمين مارست أفكاره تأثيراً بالغاً على عدد من المؤلفات عن المرأة، إلا أن عرفات وكما قلنا يملك استقلاليته الفكرية، ويعرف أين هو موقع مجتمعه، نقرأ له: " إن وظيفة المرأة الاجتماعية أولاً وقبل كل شيء، أن تكون زوجاً صالحة وأماً صالحة. هذا في الأصل، ويجب أن يكون تعليمها وتهذيبها رامياً في الأساس إلى جعلها كذلك..." ثم هة يدعو إلى تعليم وظيفي أي أن يتجلى في مظاهره الإصلاح والنهضة في المجموع، وليس التعليم لأجل التعليم، بالذات وهو يعتبره أداة مركزية في عملية الإصلاح الاجتماعي.. "ما يجب أن تتعلمه الفتاة لتحقق آمالنا فيها فمن الصعب حصره في برنامج ضيق جاف.. فمبادئ العلوم الكتابية والحسابية والجغرافيا والتاريخ وما إليها أصبحت لا غنى عنها في عصر التقدم والسرعة، كما أن صيانة الأخلاق وتهذيب النفس بأدب الشريعة السمحاء، هو تلقين الفتيات أصولها وغرس التقوى والفضيلة والرحمة فيهن.. أمر يقضي بها العقل السليم.." ومن شروط فاعلية المرأة في المجتمع .. يضع قواعد أساسية لجعل المرأة كياناً اجتماعياً مكملاً لدور الرجل.. "كما أن الأعمال اليدوية والمنزلية والعناية بالطفل والتمريض وأصول الصحة.. أمور جوهرية لنجاح إحداهن.. "
وحتى لا يتهم الرجل بأنها يحمل أفكاراً رجعية تجاه المرأة، فقد كشف الرجل عن حس نقدي عالي، وهو يقول بأن ما يكتبه هنا ليس إلا تأسيساً مرتبطاً بالواقع حينما يقول: "لكل زمان ومكان مطاليب، تغير من هذه التفاصيل..".