وجدت في مقال الطيب مصطفى رداً من صلاح أبو النجا، وهو أخونجي آخر، يتعاتب (في غزلٍ إنقاذي) مع الطيب مصطفى حول السياسة التي اتبعها النبي عليه الصلاة والسلام والتي يدّعي بأنه اقتدى بها سارقو الحكم هؤلاء، هل هي سياسة المصطفى في مكة، والتي ما كانوا يتبعونها حسب ما ادعى الطيب مصطفى أم سياسته في المدينة كما يدّعي صلاح أبو النجا.
نعلم أن الدين السياسي وعمادته الإخوان انحرفوا بالدين من عبادة الله إلى تخطيط سياسة بمصدرية كهنوتية من حبال جدال العرب من رواياتٍ سمعية في احسن حالها وابتكارية في أسوأ مردّها، نظموها حول الافتتان برسول الله الكريم، حتى يجدوا منفذاً للزيادة والنقص والتعديل في الرسالة الإلهية البيّنة الكاملة، والتي شهد المولي الجليل بحفظها، مثلهم مثل النصارى، حتى وأنني والله كنت أرى أن أبابكرٍ الصديق رضي الله عنه كان يقصد هؤلاء أيضاً حينما خطب في الناس بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام ولدرء الفتنة، وقال " من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت"، ولو تساءلنا في صحة هذه المقالة، فإن صدقها من انكارها كونها تلاها نفس رواة الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم الذين ألّهوه، لأنهم استغنوا عن البيّنة المقدمة من الواحد الأحد، وهي القرآن الكريم، إلى منقول الكلام الذي لا أساس له من البيّنة إلا التقييم الفردي والذي لا يحمل عبءً على غير ذاك الفرد، وصار الحوار في ذلك الأمر يطبُّ فيه هؤلاء بالتهسيس بحجة أنه يثير "فتنة" وأن الفتنة نائمة ولعن الله من أيقظها! وهل هنالك فتنة نائمة؟ وهل هنالك نمو داخل المجتمع المسلم غير الفتن والاحتراب؟ والتي، لاحظ، أنها ليست خلافاً في القرآن، إنما خلافاً فيما يسمونه السنة، على أنه السنة النبوية؟ والسنة النبوية هي ما عرفت عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وتقوى وتضعف حسب أسانيد من رواها ومن حضر ممارستها بواسطة الرسول الكريم، وهؤلاء لم يجمع منهم أحداً في كاتبي الحديث أحداً. أما السنة التي ترد في نافل القول "القرآن والسنة" فهي سنة الله تعالى وسنة رسالته (رسوله بحكم مهمته وليس ذاته)، وبيانها كله في الآيات البينات التي حصر الله تعالى حكمه وحسابه فيها.

وأقول يعبدون محمداً لأنهم يخافون ويرعبون غيرهم حينما يدور مثل هذا الحوار البسيط عن البينة والتي هي التي فرقتنا من الكفار من النصارى واليهود. فقد قال تعالى: "وقفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الانجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفةً ورحمةّ ورهبانية ابتدعوها وما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون" آية 27 سورة الحديد. في هذه الآية يرضى الله عن النصارى ورقة حاشيتهم، ورهبانيتهم التي ما كتبت عليهم (والتي كتبتموها على أنفسكم!)، خلاف ما يرضي الله فيها، فما رعوها جيداً، أي هناك من تذكر أن العبادة لله تعالى وليس للزهو والسلطة الشخصية، أو تأليه الغير، وهؤلاء آتاهم أجرهم ولا يزال، فهؤلاء مثلنا مسلمين، والكثير فاسقون وهم الذين انحرفوا من البينة الإلهية إلى الأساطير البشرية.

عندما قامت الإمبراطورية البيزنطية في القسطنطينية باستقطاب أهل الشام ليحاربوا معهم المسلمين، وهم لا يؤيدون الإمبراطورية البيزنطية، فكروا في خلق رمزٍ لهم سموه يسوع كرمزٍ إلاهي ليحاربوا من أجله ويعدهم بالجنة، وذلك استغلالاً لمبدأ المسيحية النسطورية التي سموها تحت إسم النظرية الثالثة في اصل المسيح، الأولى أنه إله إبن إله، والثانية أنه نصف إله ونصف بشر، وكل ذلك كان مقبولاً لديهم، والثالثة أنه بشر إبن بشر، وبذا نفوا صاحب النظرية إلى القسطنطينية حيث بث المسيحية النسطورية عبر العراق وبابل حتى بلاد الفرس، وغمرت الشام والتي كان البيزنطيون يهدفون لاستقطاب اهلها لحرب الأرض المقدسة، وقد نجحوا في تأليه الرمز عيسى من دون الخوض في مخالفة النسطوريين الذين كان الشام تحت تأثيرهم.

هذه علة سطحية الأعراب الذين ذمّهم الله تعالى في القرآن كثيراً جداً، ينحنون للأديان وصولياً ويعاندون في دين الفضيلة ويحورون الفضيلة بأنها سبي النساء وربطهن بالرذيلة، واستعباد الناس والزهو بالسيف، وليس بالحق.

ولقد قرأت مقال الطيب مصطفى عندما انجرف في تزوير الحقائق عن هذا النظام وعن حرب الجنوب (لما سماها جهاداً وكان شيخه وعرّابه قد رجع للحق ونفى صفة الجهاد في تلك الحرب الغادرة لمواطنين لهم حبلٌ في تمويل ذاك السلاح الذي قتّلتهم به، والجهاد هو ما بيّنه الله تعالى هو الدفاع عن نفسك وعن دينك وعن دارك من المعتدي، وليس قسر الناس ليرتهنوا لك)، وتفاخر بحكمة الرسول عليه الصلاة والسلام في إدارة أمر المسلمين في صعوبة الفترة الرسالية بمكة، ولعشرين عاماً بما فيها المدينة، حتى قويت شوكته وحارب الكفار: وهذه عبادة لمحمدٍ على حساب عبادة الله عز وجل.

ويسترسل ليقول إن محمداً لم يحارب الكفار حتى اختار الوقت المناسب الذي شد فيه ساعده، ويروي لنا ذلك! هه! ونحن قد روى لنا الله عزّ وجل بأنه أذن للمؤمنين بالقتال، وإنه لولا دفعه الناسَ بعضَهم ببعضٍ لحدث ... ولحدث – كما في الآية التالية، أي أنه تعالى وحده هو الذي أدار تلك الخطة، فقال في سورة الحج:
"أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ"
ولاحظ: التمكين من الله تعالى لمن يريد، فبعد تمكينهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهَوْن عن المنكر. وتراكم تصفون أنفسكم بهذه الصفات أولاً ثم "تمكنّون" نفسكم وتضعوا لها إسماً سياسياً: "سياسة التمكين"، هل تشعر بورع في مثل هذه الاعمال؟

هذا أمرٌ واضحٌ لمن يتحرى كلمات الله البينات
وما دفعني لكتابة هذا الحديث، ليس فقط خلط من الإسلامويين السياسة بالدين، وهم طبعاً لا يعون ولا يأبهون بعملية انحرافهم في طريق النصارى الخاسرين بتأليه رمزهم ومساواته بالله والعياذ بالله، فهذا تقبلت أنه خطأ شائع والمهيمنون على الوصاية الدينية عنها غافلون ولعل ذلك بلهو الجري وراء السلطة أو ضعف الإيمان أو كلاهما.

ما اتبعه محمدٌ عليه أفضل الصلاة والسلام في بداية بعثته في مكة تتلوها هجرةٌ إلى المدينة هو أمرٌ وتوجيه من الله تعالى له بذلك والذي كشف عنه المولى عز وجل في الآية 39 من سورة الحج، والتي ذكرناها آنفاً، بدليل قوله "أذن" على أنه كان يسبقه عدم إذن.

وما اتبعه الرسول الكريم في المدينة هو اتباع لأمر الله تعالى في قوله "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم ومن يتولّهم فأولئك هم الظالمون" سورة الممتحنة آية 8 و9
وهكذا بتدبير الله تعالى وتوجيهه يسير الرسول عليه الصلاة والسلام، فلماذا يصر هؤلاء أن يجعلوا له إما شراكةً مع الله تعالى أو مساعدة فردية لأمر الرسالة المبعوث به، وقد ثبت الله تعالى في عددٍ كبير من الآيات وأكد أنه ما أرسل محمداً إلا نبياً ومبشراً للعالمين وما عليه إلا البلاغ المبين.

إن الحديث الواضح في ديننا الواضح لا يحتاج لتعقيد وضوحه بتدخلات البشر، خاصةً السلف الذين لا نعرف عنهم بينة إلا الروايات، فإن كانت الروايات تنقل بيّنة لما عجز الحواريون من بث البيَنة في صلب المسيح ولو كان إبناً لله أو لا، وليس ذلك من فلسفتي الشخصية، ولكنه أيضاً هدي من عند الله تعالى لمن يريد أن يتفكر ويعقل، أنه قال "إنا أنزلنا الذكر وإنا له لحافظون" صدق الله العظيم, فلو كان الله يضع بعض الحق في أساليب نقل البينة لدينا لما كان هنالك معنى لآيته تلك، والله هو القوي وهو الحكيم، وما خلقنا إلا لنعبده لا يريد منا رزقاً ولا عوناً.
آن الأوان في عهد سرعة انتقال المعلومة هذي حتى ينتفض النائمون في الأضابير الصفراء لنفض تلك الأكذوبة والعدول عن الهذي والزهو اللي انتو فيه

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.