عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 


اندلعت في 21 أكتوبر 1964 ثورة شعبية أطاحت بالنظام العسكري سبقتها معارضة شعبية استمرت طيلة سنوات الحكم العسكري من 17 نوفمبر 1958 وحتى أكتوبر 1964. وكانت هناك عوامل وظروف ساعدت علي قيام ثورة أكتوبر وأدت إلى تحريك الشعب وخروجه الشارع، منها افتقاد الشعب للحرية بجانب انتشار العطالة وغلاء المعيشة وعدم إحساس المواطنين بدورهم في بناء الوطن والفرقة والشتات وقضية جنوب السودان التي استفحل أمرها. كل هذه العوامل أدت إلى تفاعل الشعب مع الطلاب ومشاركته في المظاهرات والإضرابات واندلاع الثورة.
شكل سر الختم الخليفة بعد تعيينه رئيسا للوزراء عقب اندلاع ثورة 21 أكتوبر 1964 حكومة أكتوبر الانتقالية في أول نوفمبر 1964 . وضمت الحكومة الأولى لأكتوبر ممثلاً لكل من حزب الأمة والحزب الوطني والاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي وجبهة الميثاق الإسلامي والحزب الشيوعي، كما ضمت سبعة وزراء لتمثيل النقابات والمنظمات المهنية ووزيرين للجنوب، وكان من بين السبعة وزراء، السكرتير العام للإتحاد العام لنقابات عمال السودان ورئيس اتحاد المزارعين. ويعني ذلك أن جبهة الهيئات قد سيطرت على التشكيل الوزاري الأمر الذي أثار حفيظة حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي وجبهة الميثاق الإسلامي حديثة التكوين ودفعهم للسعي لتغيير هذه الحكومة التي عرفت بحكومة أكتوبر الأولى، بالرغم من تمثيلهم في جبهة الهيئات. .
حدد الميثاق الوطني الذي أعلنه سر الختم الخليفة في 30 أكتوبر وهو ما عرف بميثاق أكتوبر مهام الحكومة الانتقالية ونص الميثاق الوطني على الآتي :
1- إزالة الوضع العسكري وقيام حكومة انتقالية تمثل هيئات الشعب المختلفة وإدارة البلاد وإعدادها لوضع ديمقراطي لفترة لاتتجاوز أخر مارس يترك أمر تكوينها للجبهة الموحدة .
2- إطلاق الحريات العامة كحريات الصحافة والتعبير والأحزاب السياسية
3- إلغاء جميع القوانين المقيدة للحريات
4- تأمين استقلال القضاء
5- تأمين استقلال الجامعة.
6- إطلاق المسجونين السياسيين مدنيين وعسكريين.
7- اتخاذ سياسية خارجية ضد الاستعمار والأحلاف .
8- تحكم البلاد خلال فترة الانتقال وفقاً للدستور المؤقت السابق مع إبعاد الفصلين الخاصين بلجنة السيادة والهيئة التشريعية.
9- تنتهي الفترة الانتقالية بانتخابات حرة تشرف عليها لجنة مستقلة تعينها الحكومة الانتقالية لانتخاب جمعية تأسيسية لوضع الدستور.
10- إعادة تنظيم الهيئة القضائية ومؤسسات العمل المختلفة.
وأهم ما جاء في الميثاق وأدى إلى الاضطراب السياسي الذي تلى؛ الفقرة الأولى التي نصت على أن تقوم الحكومة الانتقالية بإعداد البلاد لوضع ديمقراطي لفترة لا تتجاوز آخر مارس 1965 ويعني ذلك قصر الفترة الانتقالية وإجراء الانتخابات البرلمانية كما نصت عليه الفقرة التاسعة من الميثاق. ولم يطول عمر الفترة الانتقالية لتعمل على حل مشكلات البلاد الملحة وأهمها مشكلة الجنوب التي كانت سبباً مباشراً لاندلاع الثورة. ولم يحمل ميثاق أكتوبر في شكله أو مضمونه معالم أجندة التغيير التي نشدتها الثورة.
عموماً انقسمت الساحة السياسية بعد 21 أكتوبر إلى جبهتين ضمت الأولى الحزب الوطني الاتحادي وحزب الأمة وجبهة الميثاق بالرغم من وجود تمثيل لهذه الأحزاب في جبهة الهيئات، وعرفت بالجبهة القومية. و ضمت الثانية جبهة الهيئات يدعمها الحزب الشيوعي وحزب الشعب الديمقراطي . ومسبقاً حدث اختلاف بين قادة جبهة الهيئات في مبدأ إشراك كتلة الأحزاب السياسية في قيادة الأحداث، فهناك عدد منهم كانوا يرفضون بشدة إشراك الأحزاب السياسية في قيادة الإضراب السياسي. وخافت جماعة الأخوان المسلمين من أن تؤدي تطورات الأحداث بقيادة جبهة الهيئات منفردة إلى سيطرة الحزب الشيوعي على الأوضاع لأن الكثير من القياديين النقابين كانوا منتمين أو مؤيدين له. و نشط أعضاء جماعة الأخوان المسلمين وسط أساتذة جامعة الخرطوم في دفع جبهة الهيئات تجاه العمل المشترك مع الأحزاب السياسية، ودعوا إلى اجتماع عام لأساتذة جامعة الخرطوم. وتمت في هذا الاجتماع الموافقة على مشروع ميثاق يعرض على الأحزاب السياسية ليكون هو المشروع السياسي المشترك بين الأحزاب السياسة وجبهة الهيئات بعد أن تتم إجازته من قبل الجبهة. وهو الميثاق الذي سبقت الإشارة إليه.
ساهم ذلك الانقسام في الساحة السياسية إلي عدم استقرار في الحكومة الانتقالية بقيادة سر الختم الخليفة حيث تكونت حكومة أكتوبر الأولى واستمرت من 1/11/1964 وحتى 18/2/1965 والثانية من 23/2/1965وحتى 31/3/1965م. والثالثة وهي امتداد للثانية لكنها صنفت كثالثة بعد قبول حزب الشعب الديمقراطي والحزب الشيوعي ملء المقاعد الشاغرة التي تركت لهم عند تشكيل الحكومة الثانية وامتدت من 31/3/1965م وحتى 6/5/1965م.
تواصل الخلاف حول استمرار الحكومة الانتقالية الأولى وتزايدت الشكوك حول جبهة الهيئات واتهام الأحزاب التقليدية بسيطرة الحزب الشيوعي عليها، رغم تصريح رئيس جبهة الهيئات أن الجبهة حسب دستورها جهاز مستقل غير تابع لحزب ولا يوجد في دستورها ما يخول لها خوض الانتخابات، كما أنها لن تتحول لحزب سياسي. وصرح الصادق المهدي رئيس حزب الأمة أن التعديل الوزاري ضرورة لابد منها لأن جبهة الهيئات قد حادت عن طريقها رغم قيامها بدور فعال في ثورة أكتوبر وسمحت لعناصر سياسية معينة بالتسلل لقياداتها يقصد بذلك الحزب الشيوعي. وشارك الصادق المهدي الرأي كل من محمد صالح عمر عن جبهة الميثاق الإسلامي ومبارك زروق عن الحزب الوطني الاتحادي.
وزاد الخلاف والتوتر بين الحكومة وداخل الأحزاب. ورأت قيادات حزب الأمة وجبهة الميثاق الإسلامي والحزب الوطني الاتحادي بأن الوزارة الحالية تعرقل قيام الانتخابات لسيطرة مجموعة محددة عليها، وأن الجبهة القومية الموحدة (حزب الأمة، الوطني الاتحادي، جبهة الميثاق الإسلامي) ستطالب بإقالة الوزارة الحالية. وكان هدف الجبهة القومية الأول منذ عهد الحكومة الأولى وحتى الثالثة إجراء الانتخابات. فقد قام رؤساء الأحزاب الممثلة للجبهة القومية بإرسال خطابات تطالب الحكومة ورئيس الوزراء سر الختم الخليفة بإجراء الانتخابات في آخر مارس 1965 كحد أقصى، حتى بدون مشاركة الجنوب فيها. واعتمدت الأحزاب التقليدية على الأغلبية الميكانيكية التي تمكنها من السيطرة على جماهير واسعة تقوم عليها طوائفها الدينية وتحالفاتها القبلية والعشائرية. فقد تمسكت الأحزاب الكبيرة بالديمقراطية الشكلانية التي اقتصرت على الجانب السياسي واستبعدت الديمقراطية ذات المضمون الاجتماعي - الاقتصادي أو حتى الثقافي أي الذي يحقق الوحدة الوطنية بإنصاف المجموعات الثقافية (الأثنية) غير العربية - إسلامية.
واجتمع رئيس الوزراء بمندوبي الأحزاب والهيئات السياسية واستمع إلى وجهات نظر رؤساء الأحزاب ومندوبيهم في الموقف السياسي، والخلاف الذي ظهر في الاجتماع هو أن الجانب الذي يضم حزب الأمة والوطني الاتحادي والأخوان المسلمين يرى أن الحكومة الحاضرة خرقت ميثاق أكتوبر ويجب أن تعدل، أما حزب الشعب الديمقراطي والحزب الشيوعي وجبهة الهيئات، يرون أن الحكومة دستورية حتى 31/ مارس 1965، بمقتضى ميثاق أكتوبر.
تفاقم الأمر بالتهديد بقدوم حشود من الأنصار إلى الخرطوم من النيل الأبيض وكردفان والنيل الأزرق. ففي اليوم الرابع من فبراير 1965 امتلأت العاصمة بآلاف من الأنصار الذين وفدوا من الأقاليم وهددوا الحكومة وطالبوا باستقالتها. وطافت الحشود شوارع الخرطوم مطالبة بإنقاذ البلاد من سيطرة جبهة الهيئات والشيوعيين وتكوين حكومة جديدة تعبر عن المصلحة الوطنية العليا. وأصدر أحمد المهدي في يوم 16/2/ 1965م بياناً قال فيه بأن لحزب الأمة "القدرة على تغيير الحكومة، إلا أنهم يفضلون حلاً مدنياً لحل الأزمة السياسية بالبلاد. وإن لم ينجح ذلك الحل السياسي فسيجد حزب الأمه نفسه مجبرا على استخدام القوة". وكرر عبد الله عبد الرحمن نقد الله سكرتير عام الحزب ذات التهديد بجلب الأنصار من مناطق نفوذ الحزب بالأقاليم. ولم تكن هذه المرة الأولى التي تجلب فيها جماهير الأنصار إلى العاصمة فقد حدث ذلك في عام 1946 عند معارضة حزب الأمة لبروتوكول صدقي – بيفن الذي منح سيادة رمزية لمصر على السودان وكذلك في مارس 1954 عند افتتاح البرلمان والذي دعي له رئيس الوزراء المصري محمد نجيب.


حكومة أكتوبر الثانية:
نجحت الجبهة القومية بالفعل في إجبار سر الختم الخليفة، رئيس الوزراء، في 18 فبراير 1965 على تقديم استقالة حكومته وفرضوا التشكيلة التي يريدونها بإلغاء مقاعد المنظمات المهنية والعمال والمزارعين. ولم تبدأ الأزمة عندما استقال رئيس الوزراء في 18 فبراير 1965 إنما بدأت حين انسحبت الهيئات المختلفة من جبهة الهيئات شيئاً فشيئاً بحجة أن الجبهة أصبحت خاضعة لسيطرة الشيوعيين. وقوض هذا الانسحاب الجبهة وفتح الطريق سهلاً أمام الأحزاب التي نجحت في تجسيم الخطر الشيوعي في أذهان الناس. وأحدثت استقالة رئيس الوزراء أزمة دستورية في البلاد حيث بقيت البلاد بلا حكومة لمدة ستة أيام . ويذكر محمد أحمد محجوب بأنهم (الجبهة القومية) ذهبوا إلى رئيس الوزراء وطالبوا بتقديم استقالته فوافق، ويقول "لقد أرغم سر الختم الخليفة، غير السياسي على الاستقالة فانهارت جبهة المهنيين ضحية للانتهازية الشيوعية". بينما يذكر علي عبد الرحمن الامين، رئيس حزب الشعب الديمقراطي،بأن الوزارة التي تكونت بعد ثورة أكتوبر تكونت على عجل وكانت تفتقد القيادة السياسية الرشيدة،حيث أنها خليط من وزراء ثوريين ووزراء موظفين عاديين بمن فيهم رئيس الحكومة سر الختم الخليفة.
وفي يوم 23/2/1965م أعلنت الوزارة الثانية خالية من العمال والمزارعين وحزب الشعب والحزب الشيوعي وجبهة الهيئات . وشكلت برئاسة سر الختم مرة أخرى من احزاب الوطني الاتحادي و الامة و جبهة الميثاق. وبعد أن أدى الوزراء القسم تركت أربعة وزارات شاغرة خصصت منها ثلاث لحزب الشعب وواحدة للحزب الشيوعي تملأ فيما بعد في حالة رضاهم بدخول الوزارة..
وفي يوم31/3/1965م قرر رؤساء الهيئات والأحزاب المنضوية تحت لواء التجمع الاشتراكي الديمقراطي والذي يضم حزب الشعب والحزب الشيوعي وجبهة الهيئات واتحادات العمال والمزارعين شغل الوزارات الأربعة المعروضة عليهم وقد برروا ذلك بان الضرورة الوطنية العليا قد فرضت عليهم ذلك كما أنهم يرون ضمان تنفيذ ميثاق أكتوبر في العمل من داخل مجلس الوزراء لمنع قيام الانتخابات. وبذلك تجاوزت الفترة الانتقالية ما نص عليه في الفقرة الأولى من الميثاق. ولم يكن ذلك لفترة طويلة وإنما لفترة وجيزة جداً أجريت خلالها الانتخابات البرلمانية.
تميزت فترة حكومة أكتوبر الثانية بتزايد الخلافات حول إجراء الانتخابات في موعدها أم تأجيلها. وكان مجلس الوزراء في حكومة أكتوبر الأولى قد أصدر في نوفمبر 1964م قراراً بتكوين اللجنة التي ستشرف على الانتخابات. ومنذ البداية كانت القوى التقليدية تركز على إجراء الانتخابات لأنها وسيلتها الوحيدة للعودة إلى كراسي الحكم. إلا أن سر الختم الخليفة رئيس الوزراء صرح بأن هنالك احتمالات كثيرة تدعو لتأجيل قيام الانتخابات، ومن ذلك موقف الأمن في المديريات الجنوبية وعودة الجنوبيين الذين نزحوا للدول المجاورة جراء الحرب حيث يقدر عددهم بخمسة عشر إلف نازح. وكردة فعل لتصريحات سر الختم الخليفة بعثت الجبهة القومية المكونة من أحزاب الأمة والوطني الاتحادي وجبهة الميثاق الإسلامي ثم انضم إليها الحزب الاشتراكي الإسلامي والإخوان المسلمون،بمذكرة للحكومة طالبها فيها بالاستقالة فورا إذا لم تكن قادرة على إجراء الانتخابات في مارس 1965م مهما كانت الأسباب, وأكدوا أنهم قلقون من تصريحات رئيس الوزراء بخصوص احتمال تأجيل الانتخابات، وأنهم عند وضع ميثاق أكتوبر كان الجنوب أسوأ حالاً مما هو عليه في تلك الفترة وأن الوزارة ستفقد شرعيتها بنهاية مارس 1965م, وأنهم مصممون علي قيام الانتخابات وطالبوا رئيس الوزراء بإصدار بيان رسمي يبين قيام الانتخابات في موعدها ويدعو لتشكيل وزارة قومية للقيام بالانتخابات إذا لم تستطع الحكومة الحالية القيام بذلك.
وفي 24 مارس 1965 اجتمع سر الختم الخليفة رئيس الوزراء بزعماء الأحزاب والهيئات، وعرض عليهم بيانات التسجيل بصفة عامة وأوضح لهم ضرورة تأجيل الانتخابات عن موعدها المحدد نسبة لضعف التسجيل خاصة في المديريات الجنوبية. ولم يستجب حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي. وأعلن الصادق المهدي رئيس حزب الامة عدم موافقة حزبه على تأجيل الانتخابات. وذكر أن ربط مشكلة الجنوب بمسألة تأجيل الانتخابات عذراً تختبئ وراءه المنظمات السياسية التي ترفض الانتخابات.
أصدر مجلس السيادة قراراً في 7 أبريل بإجراء الانتخابات في موعدها في 21 أبريل 1965 لقيام جمعية تأسيسية. وبالرغم من اعتراض حزب الشعب الديمقراطي والحزب الشيوعي على إجراء الانتخابات إلا أنها أجريت. وقاطعها حزب الشعب الديمقراطي وشارك فيها الحزب الشيوعي رغم معارضته لإجرائها.
يتضح من الصراع الذي دار بعد تكوين الحكومة الانتقالية الأولى أن ظهور القوى الحديثة ممثلة في العمال والمزارعين والحزب الشيوعي، وما وجدته تلك القوى من تأييد بين قطاعات واسعة خاصة الشباب كان مدعاة لتخوف القوى التقليدية على مكانتها في الحياة السياسية ومن ثم سعيها للاسراع في اجراء الانتخابات. ووقفت جبهة الميثاق الإسلامي، إلى جانب القوى التقليدية لمحاربة الحزب الشيوعي. حيث أتضح للقوى التقليدية بعد ثورة أكتوبر بأنه من الممكن أن تنشأ في السودان حركة سياسية مستقلة عنها، تتكون هذه الحركة من الناحية الشعبية من منظمات نقابية ومهنية وجماعات سياسية لم يكن لها شأن من قبل وأبرزها الحزب الشيوعي، كما تستطيع تلك القوى نسف أي حكم قائم وتشكيل سلطة لا تنتمي للقوى التقليدية.
ويذكر محمد سعيد القدال أنه كان على الحزب الشيوعي أن يضع في اعتباره أن الحياة السياسية لا تسير فقط باندفاع الثورة وبدوره في ذلك الاندفاع فهناك اعتبارات أخرى ستعمل على إعادة توازن القوى، حيث أن نفوذه محصور وسط قطاعات محدودة، بالإضافة إلى أن الحزب لم تكن له برامج تميزه عن الأحزاب الأخرى في المجالات التي تولى مسئوليتها في الوزارة الانتقالية. فشعارات الحزب السياسية كانت أكبر من البرامج العملية التي تمخضت عنها. أيضا طرح الحزب لقضية التغيير الاجتماعي بصورة جادة، الشيء الذي يهدد مصالح قوى اجتماعية ذات نفوذ، انتفضت للدفاع عن مصالحها.فما أن زالت دهشة الأيام الأولى، حتى بدأت الاحزاب التقليدية تنظم نفسها لتعيد مكانتها، فكونوا الجبهة القومية في مواجهة جبهة الهيئات وجلب حزب الأمة الأنصار من الريف.
ويذكر احمد الامين عبد الرحمن في هذا الصدد وكان ممثلا لنقابة الزراعيين في جبهة الهيئات "بأن السبب في تصدع جبهة الهيئات يرجع الى سعي الحزب الشيوعي السيطرة على منبر الجبهة لتحقيق أغراضه، وغفل عن إبداء حسن النية لمجموعة قبة المهدي التي كانت ترى أنه يريد أن يستأثر بكل الثمار التي خلفها سقوط نظام نوفمبر،ولم يكن الاخوان المسلمون غائبين عن دار الاساتذة ولكنهم لم يقاطعوا قبة المهدي" .
انهزمت ثورة 21 أكتوبر 1964 وكان لها حداة وشعراء ساهموا في الخطاب الوطني والتعبير عن قيم هذه الثورة والتغيير المنشود. ومنهم على سبيل المثال لا الحصر محمد المكي إبراهيم، فضل الله محمد، هاشم صديق، محمد الفيتوري، محمد وردي، محمد الأمين وعبد الكريم الكابلي. وما جاء بعد اندلاع الثورة ونجاحها في الإطاحة بالحكم العسكري كان دون تطلعات الجماهير وما كتبه الشعراء وتغنى به المغنون. ولم يتجاوز عمر حكومات أكتوبر الانتقالية سبعة أشهر مما يجعل من العسير وجود انجازات كبيرة أو تغييرات جذرية. ولعل أكبر إنجاز لثورة وحكومة أكتوبر الانتقالية ، منح المرأة حقوقها السياسية وإصدار مجلس الوزراء بعض القرارات تمثلت في:إلغاء قانون الهيئة القضائية لسنة 1959م والعودة للعمل بنصوص دستور سنة 1956م الخاصة بالهيئة القضائية، وقد اعتمد دستور 1956 معدلاً لعام 1964. إلغاء قانون جامعة الخرطوم تعديل 1960م والعودة إلى قانون الجامعة الصادر عام 1956م. إطلاق سراح جميع المعتقلين والمسجونين السياسيين وإعادة الضباط المفصولين من القوات المسلحة. إلغاء المواد المقيدة للحريات من قانون العقوبات.إصدار الحكومة بعض القرارات لتدعيم الثورة مثل قانون الثراء الحرام لسنة 1964م وقانون العزل السياسي لسنة 1965م وتكوين لجنة للإصلاح الزراعي، وقرار بفصل القضاء عن الإدارة الأهلية، وتكوين لجنة للتحقيق عن الأسباب التي أدت إلى قيام انقلاب 17 نوفمبر1958م.
أيضا من أهم انجازات هذه الفترة المحاولات الجادة لحل مشكلة الجنوب حيث أصدر رئيس الوزراء في 19 نوفمبر 1964م بيانا عن الجنوب ناشد فيه المواطنين العمل على إقرار السلام والتفاوض ورفض العنف كوسيلة لحل المشكلة. وقد استجابت الأحزاب الجنوبية إلى دعوة الحكومة للسلام، وعقد مؤتمر المائدة المستديرة بالخرطوم حول مشكلة الجنوب في مارس 1965، رغم فشل هذا المؤتمر في نهاية المطاف في حل مشكلة الجنوب، وفشل الأحزاب السياسية التي تولت الحكم بعد إجراء الانتخابات في أبريل 1965 في تتبع مقررات المؤتمر وتنفيذها بالجدية المطلوبة. فقصر المدة التي قضتها حكومة اكتوبر الانتقالية والمضايقات التي تعرضت لها من قبل القوى التقليدية التي خافت على نفوذها، جعل الوضع يعود إلى المربع الأول أي الوضع السياسي الذي كان سائداً قبل وقوع الانقلاب العسكري.
وماذا بعد إجراء الانتخابات البرلمانية؟ أتت الانتخابات البرلمانية التي بدأت يوم 21 أبريل وأعلنت نتائجها في 6 مايو 1965 بالأحزاب التقليدية إلى الحكم مرة أخرى، وبنفس المناورات والمؤامرات الحزبية السابقة. وعاد الوضع السياسي للنمط الذي كان سائداً في 1956 - 1958. وقد اوضحت نتائج الانتخابات البرلمانية ان الاحزاب التقليدية حافظت على مناطق نفوذها السياسي. واستفاد حزب الأمة من مقاطعة حزب الشعب الديمقراطي- حليفه في انتخابات 1958 -لانتخابات عام 1965 وحصل على 92 دائرة ولم يحصل على أي دائرة من دوائر الخريجين. ولم تطل مقاطعة حزب الشعب الديمقراطي لللانتخابات فقد توحد في أواخر عام 1967 مع الحزب الوطني الاتحادي تحت مسمى الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي خاض انتخابات أبريل 1968 وفاز بها. وخسرها حزب الأمة الذي انقسم مسبقاً إلى جناحين (جناح الصادق وجناح الهادي).
. فاز الحزب الشيوعي في انتخابات أبريل 1965 بثماني دوائر من دوائر الخريجين بالإضافة إلى ثلاث دوائر مستقلين من مؤيدي الحزب الشيوعي. وحصلت جبهة الميثاق الإسلامي على مقعدين والحزب الوطني الاتحادي على مقعدين. وقد ظهرت دوائر الخريجين في دستور 1964 المعدل بفضل جهد القوى الحديثة التي تسعى إلى إعادة هيكلة الجهاز التشريعي وإفساح المجال للقوي النقابية والعمالية والتنظيمات الحديثة لتشارك في عملية صنع القرار السياسي. وكانت قد ألغيت في انتخابات مارس 1958 رغم وجودها في انتخابات الحكم الذاتي وتقرير المصير التي أجريت في نوفمبر 1953. وألغيت دوائر الخريجين مرة أخرى في انتخابات أبريل 1968.
بالرغم من حصول الحزب الشيوعي على أحد عشر مقعداً من دوائر الخريجين، إلا أنهم طردوا من الجمعية التأسيسية في نوفمبر 1965 للحد من نقوذ القوى الحديثة. فقد أقلق ذلك الانتصار القوى التقليدية. وقد أبانت حادثة طرد نواب الخريجين الشيوعيين من الجمعية تبرم الأحزاب التقليدية وجبهة الميثاق الإسلامي من الديمقراطية وكيف ضاقوا بها ذرعاً. كما أبانت تحدي السلطة التنفيذية للسلطة القضائية وعدم الامتثال لأحكامها، وقد كان قراراها بعد احتكام الحزب الشيوعي إليها عدم دستورية القرار وإرجاع النواب.
استمرت الحكومة الائتلافية التي جاءت بعد انتخابات أبريل 1965 م في الحكم من يونيو 1965 حتى 25 يوليو 1966م، عندما سحبت الثقة من حكومة محمد أحمد محجوب لإفساح المجال للصادق المهدي لرئاسة الوزراء وكان وقت إجراء الانتخابات دون السن القانونية لعضوية البرلمان. وعندما بلغها أخليت له دائرة من دوائر الأنصار كي يتمكن من دخول البرلمان. وشكلت حكومة برئاسة الصادق المهدي من الجناح المؤيد له في حزب الأمة والحزب الوطني الإتحادي. واستمر الصادق المهدي رئيسا للوزراء عشرة أشهر فقط (يوليو1966-مايو1967). وعاد المحجوب للوزارة مرة ثانية مما يبين عدم الاستقرار والاضطراب في الحكومة، فقد كانت الثالثة في غضون عامين فقط. وأعطى ذلك مبرراً كافياً لضرورة تشكيل وزارة قومية، لكنها قومية ليست بالمعنى المعروف للكلمة وإنما ليدخلها حزب الشعب الديمقراطي الذي كان مقاطعاً، وذلك حتى إجراء الانتخابات البرلمانية في أبريل 1968. وأتت الانتخابات البرلمانية التي أجريت في أبريل 1968 بحكومة ائتلافية أيضاً بين الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة (جناح الإمام الهادي). استمرت هذه الحكومة حتى وقوع الانقلاب العسكري الثاني في 25 مايو 1969 وانشغلت حتى سقوطها بمسألة وضع دستور دائم ومحاولة فرض دستور إسلامي، حالة وصفها خلف الله بابكر بقوله:
الناس في محن شتى وســـــــاستهم لا يـــــعلمون وهــــــذي أكبر المـــحـــــن
قد هام من هام بالدستور يحسبه من مطلب الناس ضاع الناس في الوطن
والناس لا تأكل الدستور لو خرجت تشكو من الجوع في سر وفي علـــــــن
يا آخر الزمن المنكود يا زمــــــــــن ماذا فعلت بنا يا آخـــــر الزمــــــــــــــــــــــــن
ولم تعر الحكومة انتباهاً لحل القضايا الملحة مثل مشكلات التهميش وإيجاد الحلول الناجعة للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية وفوق هذا وذاك حل مشكلة الجنوب بصورة ترضي الأطراف الجنوبية.
يبين ما ذكر في الفقرة السابقة حالة عدم الاستقرار السياسي الذي لم يسمح بأي مساحة لتغييرات جادة كما أرادت أكتوبر. ووصفت فترة الديمقراطية الثانية في السودان بأنها كانت واحدة من أسوأ مراحل الحياة السياسية السودانية. فقد عاشت الديمقراطية الثانية عمراً قصيراً تميز بالاستمرار في الاخفاقات وعدم التعلم من التاريخ. وشهدت تلك السنوات قدراً هائلاً من الانشقاقات غير المبررة والتي لا تستند على أي اختلافات مبدأئية. كما شهدت حالة استنفار وعدوانية ضد القوى الحديثة. وما حدث خلال فترة الديمقراطية الثانية التي عجزت عن حل أي من مشكلات السودان الملحة ربما ينفي وصف أكتوبر بأنها ثورة. فالثورة تحدث تغييراً اقتصادياً واجتماعياً ولا يكفي تغيير الوضع السياسي فقط لوصفها بالثورة. وربما يكفي وصفها بأنها انتفاضة أطاحت بنظام الحكم العسكري فقط.


المراجع:
- إبراهيم محمد حاج موسى، التجربة الديمقراطية وتطور نظم الحكم في السودان ،–دار المأمون للنشر – 1970م
- أحمد إبراهيم أبو شوك والفاتح عبد الله عبد السلام، الإنتخابات البرلمانية في السودان [1953م – 1986م مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي أم درمان –ط1 – 2008م .
- أحمد الأمين عبد الرحمن، أشواق بلآ مرفأ ،سيرة وذكريات، 2006، بدون معلومات ببلوغرافية
- أحمد بابكر محمد الخير عبد الكريم، أحداث 21 أكتوبر 1964 أسبابها وتأثيرها على الحياة السياسية حتى عام 1969، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة الخرطوم 2011.
- الحزب الشيوعي السوداني، ثورة شعب، ست سنوات من النضال ضد الحكم العسكري، بدون معلومات للنشر .
- جعفر كرار، نظرات في التجربة السياسية السودانية ، ط1 ، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2007م
- حيدر إبراهيم علي، الديمقراطية السودانية، المفهوم التاريخ الممارسة، الحضارة للنشر القاهرة 2013
- حيدر إبراهيم علي، الأحزاب في السودان. في الأحزاب السودانية واقع ومستقبل، إعداد وتقديم حيدر إبراهيم علي، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، 2001،
- حسن مكي محمد أحمد حركة الأخوان المسلمين في السودان 1944 – 1969 – معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية، جامعة الخرطوم، طبعة أولى 1983.
- رئاسة مجلس الوزراء [5] – 1/11/49 – الميثاق الوطني لحكومة أكتوبر الانتقالية دار الوثائق القومية – الخرطوم.
- محمد أحمد محجوب، الديمقراطية في الميزان، دار جامعة الخرطوم للنشر – ط3 – 1989م.
- محمد سعيد القدال، معالم في تاريخ الحزب الشيوعي،الطبعة الاولى،1999م.دار الفارابي،بيروت.
- محمد سعيد القدال،الانتماء والاغتراب ،دار الجيل بيروت 1992.
1- منصور خالد، النخبة السودانية وإدمان الفشل ، دار الأمين للنشر والتوزيع – القاهرة – ج2 – 1996م.
- منى محمد سعيد القدال، تاريخ الحركة السياسية السودانية 21 أكتوبر 1964 – 25 مايو 1969، رسالة ماجستير غير منشورة جامعة الخرطوم
- W J Berridge, Civil Uprisings in Modern Sudan The Khartoum Uprisings of 1964 an and 1985, London & NewYork: Bloomsbury Publishing 2015,