لم ينل فنان كبير مثل الكابلي اي اعتراف من الانظمة الحاكمة المتعاقبة رغم انه فوق كونه فنانا مبدع فهو مثقف غزير المعرفة خاصة بالتراث اللغوي السوداني للشمال النيلي على وجه التحديد ؛ عندما يحدثك الكابلي عن تلك المفردات القديمة التي تداولنها النسوة في اغاني الفروسية وغيرها وتناولتها قصائد الفخر والمدح تدرك تماما أن الكابلي فوق فنه الغنائي فهو باحث اكاديمي عميق . ولكنه للأسف وضع وكثف بؤرة اهتماماته على المكان الخطأ .. على السودان.. والسودان منذ الاستقلال وحتى اليوم لم تعترف اي من انظمته بمثل هذه البحوث بل ولا تعترف بالعلم على وجه الخصوص ناهيك عن أن تعترف بالفن والفن الشعبي تحديدا والفلوكلور.

لو كان الكابلي في مصر لدخل في قاموس تاريخ العالم ، ولتم تعيينه وزيرا للثقافة عبر كل الحكومات ولنحت له تمثال في منتصف ميدان التحرير ، ليس الكابلي فقط بل كثير من المبدعين يعانون من الاهمال والتجاهل لأنهم لا يمارسون السياسة ولا يحملون السلاح ، ولا يملكون المال.. العقلية الشعبية لا تعترف كثيرا بهؤلاء ومن هذه العقلية يأتي السياسيون عموما بذات ثقافة الرأسمالية السياسية... فالسياسيون في الواقع رأسماليون سياسيون..لا يهمهم فن ولا علم ولا وحتى الوطن ؛ بل أن كلمة وطن تصيبهن بالغثيان ، انهم تجار ، يعملون لمصالحهم الشخصية الأدبية والاقتصادية ؛ وهذا ما استطاعت الانقاذ أن تستغله جيدا فاصبحت تشتري السياسي بحسب حجمه ، ثم تلفظه بعد ان يتم استنزافه سريعا ، أدرك الاخوان المسلمون وهم على سدة الحكم أن السياسي السوداني به خاصيتان: انه انتهازي وجبان في نفس الوقت ، وعلى هذا الأساس تعاملت معهم فهي تغري انتهازيتهم بالمال والسلطة وترهبهم بالقوة والعنف .. حتى فقدت القوى السياسية مسماها كقوى وصارت عالة على الشعب وعلى نفسها وعلى النظام نفسه.
في مثل دولة كالسودان لا مكان للكابلي وخلافه ، ولو تخيلنا ان الكابلي نشأ في امريكا او هاجر الى امريكا منذ وقت طويل لكان الان يلقي محاضراته عن جذور الثقافة الأمريكية في جامعات هارفرد وييل وغيرها من الجامعات العريقة وربما ترشح لرئاسة الولايات المتحدة ونال المنصب بسهولة أو تم تعيينه سفيرا لامريكا .. مالذي استفاده الكابلي من دراسة تاريخ اللغة السودانية الشمال نيلية؟ لا شيء... مالذي استفاده من دراسة ثقافة وتاريخ السودان؟؟ لا شيء ، ان السودان دولة فاشلة وشعبها عقيم العقل وضعيف الوطنية .. وعاطل عن أن يفهم معنى بناء الدولة الحديثة ليستمتع هو وغيره بدولة ذات كينونة واعتبار في العالم.
ان الفنون والاداب جميعها منهارة في الدولة من سينما ومسرح وغناء وشعر ورواية وخلافه ...والعلوم أكثر دمارا من غيرها فلا ابحاث ولا معامل معتبرة بل ولا حتى جامعات داخلة في التصنيف العالمي فيمكن الافتخار بها واعتبارها صرحا منتجا للمعرفة ومساهما في تطور الثورة العلمية في العالم.
لقد تأخر الكابلي كثيرا في الهجرة.. بل فات عليه الاوان..لكن على كل حال سيستفيد الكابلي من اعانات الحكومة الامريكية لمن تجاوزوا الستين من العمر وسيعيش ما تبقى من سنوات عمره في راحة ودعة مودعا كل قراراته السابقة والخاطئة في البقاء في السودان واجهاد نفسه في ما لا طائل من ورائه .. ان السودان ليس وطنا للكابلي ..بل وطنا للرأسمالية السياسية واللصوص فقط.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.