بسم الله الرحمن الرحيم

تنشأ بين المرء والكتب علاقة حب تختلف عن تلك التي بين البشر,فالمحبوب فيها يعطي ولا يأخذ. ومن الكتب ما تدمن قراءته وتفزع إليه كلما تملكك الضيق والضجر,فتجد فيه الراحة والسكينة.

لدي كتاب استعرته من صديق لي عام 1964 ونحن طلاب في مدرسة الدويم الريفية الوسطي. كان الصديق في الكتاب من الزاهدين,وكنت فيه من الراغبين فأمتلكته ولم يفارقني طيلة هذه المدة.وقد تعجبون إن قلت لكم إنني لا أعرف له عنواناً,فأوله مفقود.
الكتاب عبارةً عن مذكرات لمعلمةً شابة تخرجت لتوها من معهد للمعلمين في روسيا في اربعينيات القرن الماضي,وعملت بعد تخرجها في مدرسة إبتدائية للصبيان.
كانت تلك الفترة في روسيا أكثر إطراباً وأقل إستقراراً بسبب الحرب العالمية. وقد كان لذلك إنعكاساته علي الناس والأطفال. وبالرغم من تلك الظروف الصعبة استطاعت هذه المعلمة الشابة أن تخلق جواً تربوياً غايةً في الروعة.
عندما قرأت الكتاب لعدة مرات,لم أكد أري أي مهنة في الوجود انفع للمجتمع من مهنة معلمي المدارس الإبتدائية الذين يشكلون حياة الأفراد.
جذبتني هذه المهنة وانا في تلك المرحلة من حياتي,وأمام عيني معهد بخت الرضا,ذلك الصرح الشامخ الذي كان يزخر بأنشطته التربوية ومعلميه الأفذاذ,ومدرستنا واحدة من مدارسه.
بلغ بي التأثر أن جئت يوماً لوالدي(رحمه الله) اخبره بأني قد عقدت العزم علي أن اصير معلماً في المدارس الأولية.
لم يستوعب والدي ما قلت,فقد كان يتوق لأن يري إبنه الوحيد خريجاً من إحدي كليات جامعة الخرطوم العريقة, تضمن له العيش الكريم والمكانة الإجتماعية المرموقة.
ولما أكثرت جداله وافق علي مضض شريطة أن اصير معلماً بعد تخرجي من الجامعة. لم يكن يدري أن ما جذبني لهذه المهنة ليس هو التدريس وحسب, وإنما قناعتي بأن تعليم وتربية الصغار في مراحل طفولتهم وبدايات تطورهم العقلي اهم من تدريس طلاب الجامعات والمدارس العليا.
ولما أستيأست من إقناعه تركت الأمر علي حب لازمني طيلة حياتي.
إن من الشخصيات العظيمة التي ادركت أهمية معلم المدرسة الإبتدائية, الدكتور أبوبكر زين العابدين عبدالكلام رئيس جمهورية الهند الأسبق, وهو رائد مشروع الصواريخ الهندي وعبقرية من عبقريات علوم الفضاء والطيران.
ذكر أن الفضل في ولوج الهند لعالم الصواريخ يرجع لواحد من معلميه في المدرسة الإبتدائية. كان كل التلاميذ يحبون ذلك المعلم ويتشوقون لدروسه. وفي يوم من الأيام, وهم في الصف الخامس, رسم ذلك المعلم في السبورة رسماً مفصلاً لطائر. وبدأ يشرح كيف يقلع الطائر وكيف يطير في الهواء مستخدماً جناحيه, وكيف يستخدم ذيله في الإلتفاف وكيف يهبط علي الأرض.
وعند نهاية الدرس سأل المعلم التلاميذ إن كانوا قد فهموا الشرح. فأجاب عبدالكلام بالنفي وتبعه في ذلك عدد من التلاميذ.
لم يحبط المعلم ولم يقابل ذلك النفي بعبوس بل طلب منهم أن يجتمعوا في الساعة الخامسة مساء عند ساحل البحر.
وصل التلاميذ إلي الساحل. كان منظر الساحل جميلاً والموج يتدافع وهو يلعق الرمال البيضاء برفق ثم يصطدم بالصخر محدثاً صوتاً وناشراً رزازاً منعشاً لطيفاً ...كانوا فرحين غاية الفرح.
طلب المعلم منهم أن يلاحظوا الطيور في رواحها وهي محلقة في تشكيلات منتظمة ومختلفة حسب كل نوع من الطيور. وأن يلاحظوا طيرانها وهبوطها وأن يسجلوا كل ذلك في كراساتهم. وفي اليوم التالي دار نقاش حول ما كتبوه ,,,لقد إستوعبوا الدرس إستيعاباً كاملاً.
وعند نهاية اليوم الدراسي ذهب عبدالكلام للمعلم وقال له (تملكتني رغبة في أن ادرس علوم الطيران...فبماذا تنصحني؟)
حثه المعلم علي أن يتفوق في مراحل تعليمه الي أن يتخرج من كلية للعلوم ثم يلتحق بعد ذلك بمعهد للتكنولوجيا.
أخذ عبدالكلام بهذه النصيحة الغالية وتخرج بعد دراسته الجامعية من (معهد مدراس للعلوم والتكنولوجيا) وواصل ابحاثه في علوم الطيران إلي أن صار إلي ما صار إليه بفضل معلم في المرحلة الإبتدائية.
ولد عبدالكلام عام 1930م, وهذا يعني انه كان في الفصل الدراسي الخامس عام 1942م عند تلقيه درس الطيور. ومن الصدف أن وجدت نفس الدرس في كتاب(التاريخ الطبيعي, المادة والطريقة) الذي وضعته بخت الرضا لتلاميذ السنة الثانية اولية عام 1944م. وهذا يعني أن تلاميذنا قد تلقوا نفس الدرس الذي تلقاه تلاميذ الهند في فترة واحدة تقريباً.
ويبقي السؤال : لماذا لم يوحِ هذا الدرس أو يترك أثراً في نفوس وعقول تلاميذنا كما تركه في نفوس وعقول تلاميذ الهند؟
قد يختلف الناس في الإجابة, ولكني أعتقد أن طريقتنا في تدريس العلوم لا تشرح للتلميذ الغاية من الدرس, ولا تفهمه أن العلوم ماهي إلا قدرة الله الكامنة في الكون, وأن الله قد أعطي الإنسان العقل ليكتشفها ويستفيد من تطبيقاتها قي حياته.
إن المعلم الحق هو القادر على إشعال العقول البضة و تهيئتها لحب البحث و تقديم الحلول العلمية من أجل تقدم البلاد و إزدهارها


حمد النيل عبد القادر حمد النيل

نائب امين عام وزارة النفط سابقاً


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.