تمهيد: إن قضايا الفلسفة الاجتماعية من أهم القضايا التي شغلت بال الإنسان منذ قديم الزمان، وحملت حيزاً كبيراً من تفكيره، تقريباً منذ نشوء المجتمعات وحصول التفاعل والتداخل بين أعضاء المجتمعات ظهر التفكير في تلك القضايا الأساسية، حتى قبل بداية الفلسفة (بشكلها المدرسي) في بلاد اليونان، ظهر التفكير في تلك القضايا، عند الآشوريين مثلاً و قدامى المصريين وكذلك في (تشريعات حامورابي) وما زال التفكير فيها يتشعب ويتعقد كلما تطورت المجتمعات وتعقد تركيبها. وكثيراً ما تقسم قضايا الفلسفة الاجتماعية إلى بيوتات وأقسام متعددة منها؛ قضية العدالة، وقضية الحرية، وقضية المساواة، والعقوبة، وحقوق المرأة، إلا وأن تلك البيوتات والأقسام ليست منفصلة عن بعضها، فالبحث عن قضية العدالة مثلاً لا يمكن أن يكون منفصلاً عن قضية المساواة أو العقوبة، وكذلك لا يمكننا أن نضع أي تصور للحرية بمعزل عن العقوبة مثلاً أو العدالة ... الخ. وفي هذه الدراسة سنحاول معرفة أهم التصورات والحلول التي وضعها المفكر السوداني محمود محمد طه لقضايا الفلسفة الاجتماعية، في محاولة منه للوصول إلى المجتمعات الصالحة والفاضلة، وفي محاولة منه لتبيان إفلاس النظم الاجتماعية المعاصرة له لكونها لم تستطع معالجة تلك القضايا، وفشلت بذلك في إقامة بذرة لمجتمعات صالحة، مستخدمين في ذلك المنهج النقدي.

1/ قضية العدالة: تعتبر هذه القضية من أهم القضايا الاجتماعية، ولقد تعددت وجهات النظر والتفكير حولها، وقد يكون مرد ذلك وفقاً للبيئة التي يعيشها الناس، ووفقاً كذلك لتطلعاتهم، وكذلك وفقاً لخلفياتهم الأيديولوجية والثقافية، فنجد على سبيل المثال العديد من وجهات النظر المختلفة حول العدالة في كتاب (الجمهورية) فنجد رأي سيمونيدس والمؤيد بواسطة بوليمارخوس (إن من العدل إعطاء كل ذي حق حقه ) وكذلك نجد رأي تراسيماخوس والقائل: (بأن العدالة هي تحقيق مصالح الأقوى ) ورأي بوليمارخوس نفسه (العدالة في مساعدة الأصدقاء والإضرار بالأعداء ) ثم يأتي رأي أفلاطون بعد تقسيمه للفضائل وطبقات المجتمع فيذهب إلى (العدل أن ينصرف المرء إلى شئونه دون أن يتدخل في شئون غيره )، كما نجد الإختلاف الواضح لمفهوم العدالة بين التصور اللبرالي- الذي يسند مفهوم العدالة على مفهوم الملكية الفردية والحقوق الطبيعية والتي تقوم (على أن حقوق المجتمع ككل لن تتحقق إلا من خلال تحقيق كل فرد لمصلحته الخاصة) وكذلك يستند على مفهوم العدالة وفقاً لمبدأ (الإستحقاق) - والتصور الإستراكي الذي يسند مفهوم العدالة على المساواة والملكية الجماعية وفقاً لمبدأ (الحاجة). لقد ناقش محمود مفهوم العدالة مستنداً على مفهوم المجتمع الصالح، وهو بالتقريب ما يعرف في الفلسفة الاجتماعية والسياسية "بالاشتراكية الديمقراطية"، (المجتمع الصالح هو المجتمع الذي يقوم على ثلاث مساويات:
المساواة الاقتصادية، وتسمى في المجتمع الحديث الاشتراكية، وتعني أن يكون الناس شركاء في خيرات الأرض، والمساواة السياسية، وتسمى في المجتمع الحديث الديمقراطية، وتعني أن يكون الناس شركاء تولي السلطة التي تقوم على تنفيذ مطالب حياتهم اليومية. ثم المساواة الاجتماعية، وهذه إلى حد ما، نتيجة للمساويتن السابقتين، ومظهرها الجلي محو الطبقات، وإسقاط الفوارق التي تقوم على اللون، أو العقيدة، أو العنصر أو الجنس، من رجل أو إمراة )، إن الأمر الذي يقوم به (الاشتراكيون الديمقراطيون) في العامة،
وقام به محمود هو تفكيك الرأسمالية كبنية ومنهج ونظام، وأخذ الجزء
الصالح منها وترك الطالح، وفعل نفس الشيء مع الاشتراكية، فالرأسمالية كنظام وبنية تقوم على ثلاثة نظم داخلية فيها - كلها معتمدة على الحرية الفردية، وأولوية الفرد على المجتمع- وهذه النظم هي:
أ/ النظام الاقتصادي: القائم على حرية الفرد في الاقتصاد؛ أي الاقتصاد الحر القائم على السوق الحرة المستندة على العرض والطلب والتنافس بين الأفراد الأحرار، ويكون ذلك من دون تدخل الدولة في الاقتصاد.
ب/ النظام السياسي: وهو قائم على مفهوم الديمقراطية، والتي تعني حكم النقاش، وحرية الفرد في أن يختار من يحكمه وكيف يُحكم، ومن يمثله في الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية... الخ.
ج/النظام الاجتماعي: وهو قائم كذلك على الحرية الإنسان في التملك (الملكية الفردية)، واختيار طريقة عيشه وحرية التعبير والإعتقاد، مع توضيح مفكري الرأسمالية الأساسيين للحدود والفواصل التي تقف فيها حرية الفرد مع حرية الأفراد الآخريين. وتتحقق العدالة عند أغلب مفكري الرأسمالية على مبدأ الاستحقاق وهو: ( استعداد دائم للفرد لأن يعطي كل ذي حق ما يستحقه طبقاً للقانون المدني ) لقد قام محمود بتفكيك هذا النظام، واستبعد منه النظام الاقتصادي والاجتماعي وأخذ بالنظام السياسي لللبرالية (الديمقراطية)، وربطه بالنظام الاشتراكي، ولكن ماهو النظام الاشتراكي؟ إن النظام الاشتراكي هو كذلك بنية تتكون من ثلاثة مستويات وأنظمة داخلية فيها، وهذا النظام يقوم على: أولوية المجتمع على الفرد ويستند على مفهوم المساواة وهي:
أ/ النظام الاقتصادي: وهو قائم على تحكم المجتمع في الاقتصاد، من حيث الانتاج ووسائله وكذلك السوق، ويقوم على المساواة الكاملة بين الناس في الاقتصاد، فلكل حسب ما يحتاجه، ويقوم السوق على التعاون والتفاهم، لا على المنافسة الحرة.
ب/ النظام السياسي: وهو قائم على اللاسلطوية، وعلى مفهوم اللادولة باعتبار أن الدولة أداة من أدوات الطبقة المهيمنة على الطبقات الأخرى، مع الملاحظة أن النظام السياسي لم يجد ذلك الإهتمام الكبير الذي وجده في النظام الرأسمالية، فأغلب الإهتمام في الاشتراكية كان في الجانب الاقتصادي والاجتماعي.
ج/ النظام الاجتماعي: يقوم على الملكية الجماعية، وإلغاء الملكية الفردية، وأن جميع المواهب الطبيعية حيازات مشتركة، وتعتبر الاشتراكية أن الملكية الفردية شر مطلق، وأنها أساس كل داء أصاب البشر، وأن كل التفاوتات الطبقية كان بسببها، على سبيل المثال هنالك حالة توماس مور التي تعبر عن حالة الرفض الشديد للملكية الفردية، وتتحقق العدالة وفقاً للمساواة التامة وزوال الطبقات والملكية الفردية، ويتم بعد ذلك استخدام مبدأ الحوجة، (من كل حسب قدرته إلى كلٍ حسب حوجته).
إن هذا الشرح لهذه النظم كان غرضنا منه، توضيح التركيبة الجديدة التي حاول تركيبها محمود (الاشتراكية الديمقراطية)، ولكن لماذا قام محمود بذلك؟ قد يبدو أن ضعف وعدم وضوح الاشتراكية في جانبها السياسي، وبالمقابل الوضوح الكامل للنظرية السياسية في الرأسمالية وسهولة التعامل معها وفوائدها العملية المباشرة، وكذلك الوضوح والجوانب المفيدة والخيرة في الاشتراكية من حيث نظامها الاقتصادي والاجتماعي، وعلى النقيض الجانب الاقتصادي في الرأسمالية والذي يعتبر على رأي الكثيرين- ومنهم محمود- على أنه أساس البلاء والداء... الخ، ولكن هذا الأمر قد لا يكون بهذه السهولة بل وحتى قد يكون مستحيلاً وذلك للآتي:-
1- تقوم الرأسمالية على الحرية وأولوية الفرد على المجتمع ولقد بُنِيت
(الديمقراطية) على هذا الأساس، أي أن الفرد الحر هو الذي يحدد من يحكمه وكيف يحكم، وهي متوافقة مع نظامها وقد لا تنجح مع أي شكل نظام آخر يقوم على أسس مفارقة لأسسها، وهو بالضبط ما قام به الاشتراكية الديمقراطية، إذ حاولت ربط الديمقراطية- بالاشتراكية والتي تقوم على المساواة وأولوية المجتمع على الفرد- وهي نظام مفارق لها وغير موافق لها، وبالتالي قد تبدو أن الديمقراطية غير متوافقة مع الاشتراكية، وذلك لأن حرية الفرد سوف تزول لا محالة تحت أولوية المجتمع والمساواة الاجتماعية.
2- لقد اعترض البعض على وجود الاشتراكية الديمقراطية، وذهبوا إلى استحالة وجودها (إن الاشتراكية الديمقراطية لم توجد، لأنها مستحيلة الوجود. ربما الأمر كذلك. فنحن لم نعد نملك إيماناً خالداً يقوم على قانون خالد لثورة اشتراكية وديمقراطية حتمية ).
3- كذلك قد يعترض البعض في ربط الاشتراكية بالديمقراطية اللبرالية، لكون ذلك يمثل خرقاً كبيراً للرأسمالية ، قد تظهر لنا الاعتراضات التي قدمها نوزيك تجاه رولز- (حاولوا ربط الليبرالية بأخلاق الواجب الكانطية، بدلاً من أخلاق اللذة والمنفعة)، فحين ذهب رولز إلى أن الحيازات الطبيعية للأفراد ملكية عامة للجماعة، رفض نوزيك هذا الإتجاه وكان يعتقد أن ذلك يناقض كل ما تذهب إليه ليبرالية الواجب، والتي تحاول المحافظة على الفرد .
4- كما أن هنالك اعتراض تقدمه المدارس الواقعية، لتحليلات العدالة في أن أي مفهوم أو تحليل للعدالة يجب دراسته من خلال السياق الاجتماعي الذي انبثق منه، وإلا كانت مجرد تفسيرات ميتافيزيقية لا يمكنها تغيير الواقع، وهذا بالضبط ما قدمه أمارتيا سن من تصنيفين للعدالة، فيما أسماه أولاً:
بالمؤسسية الفوقية و ثانياً: المؤسسية الماتحتية، وذهب إلى أن الأولى: لا تعنى بالمؤسسات الموجوده فعلاً وتذهب في وضع ما ينبغي أن يكون وخير من يمثلها مفكري العقد الاجتماعي، بينما تعنى الثانية: بالمجتمعات الموجودة فعلاً وتعنى بالواقع الاجتماعي والسلوك الفعلي وتبحث عن ماهو كائن، وذهب إلى أن خير من يمثلها آدم سميث، وجيرمي بنثام وجون ستيوارت مل وكارل ماركس.
ولكي يكون لنا مفهوم الاشتراكية الديمقراطية واضحا علينا عرض نص آخر ليقرب لنا فهم الاشتراكية الديمقراطية بشكل واضح، (وليكون مجتمعاً
كاملاً: يجب أن يقوم على ثلاث مساوايات: المساواة الاقتصادية، وهي الاشتراكية التي تتطور نحو الشيوعية، حيث تكون خيرات الأرض مشاعة بين الناس، والمساواة السياسية، وهي الديمقراطية النيابية التي تتطور نحو الديمقراطية المباشرة.. والمساواة الاجتماعية حيث يكون التزاوج ممكناً بين الرجال والنساء في جميع مستويات المجتمع )
إن حديث محمود عن (الديمقراطية المباشرة) يظهر لنا اعتراض لينين في الديمقراطية التمثيلية، وكذلك رد روزا لكسمبرج واعتراضها علي (الديمقراطية المباشرة)، .... يرد لينين مؤسسات الديمقراطية التمثيلية، والحريات السياسية، إلى منشئها البرجوازي، فالديمقراطية التمثيلية= الديمقراطية البرجوازية= الديكتاتورية البورجوازية، وهذه كلها يجب أن تدمر تدميراً كاملاً، وأن تستبدل بديمقراطية قاعدية مباشرة .... ولقد كان رد روزا لوكسمبرج ( والتي كانت مقتنعة بديمقراطية المجالس) فنجدها تنقد لينين نقداً جذرياً في اعتماده على الديمقراطية المباشرة والتي كانت سبب الاستبداد ( لا تتهم روزا لينين باهمال الديمقراطية القاعدية المباشرة، أو بعدم الثقة بها، بل باعتماده عليها دون سواها وبإعدامه للديمقراطية التمثيلية، حين ألغى الجمعية الوطنية التأسيسية، التي انتخبت في ظل حكومة بلشفية )، إن هذا النص قد يدخلنا في اعتراضات أخرى حول الديمقراطية المباشرة والتي يرجوها محمود ويضع تأسيسه للعدالة الاجتماعية عليها، إن الاعتراضات متمركزة حول الديمقراطية المباشرة لكونها سوف تقود إلى الديكتاتورية والاستبداد كما ظهر ذلك في حالة لينين، وخاصة إذا كان أصل تكوين الطبيعة البشرية الأنانية وحب المصلحة الشخصية وهذا الأمر لا يغفله محمود ويعاه جيداً في أن التكوينة الأساسية للبشر الأنانية، وهذه التركيبة ستقود إلى الاستبداد في حالة الديمقراطية المباشرة التي بلا رقيب.
2/ قضية الحرية: كثيراً ما يتم النظر إلى قضية الحرية من جانبين،
وهما: الحرية بالجانب الديني، والحرية بالجانب السياسي، ولقد تشعب البحث وتكثف في البحث عن الحرية في جانبها الديني، في العصور القديمة للفلسفة وإزداد في العصور الوسطى (المسيحية والإسلامية)، والحرية في هذا الجانب تبحث عن علاقة الإنسان بالإله (هل الإنسان مسير أم مخير)، ولكن مع ظهور الفلسفة الحديثة بداءَ الإهتمام بالجانب الآخر للحرية، أي الحرية بجانبها الاجتماعي و السياسي، ويمكن أن نتلمس ذلك الإهتمام في فلاسفة العقد الاجتماعي منذ تومس هوبز وجون لوك وهيوم واسبينوزا... الخ، وفي الفلاسفة المعاصرين أمثال ماركس إلى رولز ونوزيك....الخ
1- الحرية بجانبها الديني: يذهب محمود مفسراً الحرية بجانبها الديني، إلى أن الإنسان مخيراً، ويترتب العقاب تبعاً لذاك الإختيار، يقول:
(الإنسان متمتعاً بشيء من الإختيار، به يستحق العقاب، حين يخطيء، ويستأهل الثواب، حين يصيب )، إلا وأنه يعود في نص آخر بالقول: بالتسيير، ومستنداً على رؤى صوفية قائمة على المجاهدة ومصابرة النفس والاستقامة، ذاهباً إلى (والقرآن قد جعل وكده تركيز فهم التسيير في العقول، بالطائفة المستفيضه من آياته، فإذا استقرت مدركات العقول في طوايا الصدور، ظهر أن ليس في القرآن حرف لا يدعو إلى وحدة الفاعل.. فوحدة الفاعل هي أصل التوحيد، وقاعدته، وبتجويد وحدة الفاعل تتبع كل مستويات التوحيد الأخرى، وأمر التسيير هي وحدة الفاعل هذه. ) ولا نريد التفصيل أكثر في هذا الجانب لأن ما يهمنا هو الحرية من جانبها الاجتماعي والسياسي، وإن كان الجانب الديني يعتبراً مدخلاً لذاك الجانب؛ أي الاجتماعي والسياسي.
2- الحرية بجانبها الاجتماعي والسياسي: يذهب محمود إلى أن وجود الفرد
سابق لوجود المجتمع، ويفسر وجود الحرية في أن الفرد اضطر عن جزء من حريته من أجل العيش في المجتمع، يقول: (ولقد اضطر الإنسان من أجل العيش في المجتمع إلى التنازل عن قدر كبير من حريته )، وهي نفس فكرة العقد الاجتماعي التي ذهب إليها هوبز ولوك وروسو وحتى اسبينوزا وكانط... الخ، ولخص محمود فكرتها في (المجتمع) شركة، وكل مساهم فيها يتنازل من جزء من حريته لضمان بقاء الشركة، والفكرة الأساسية التي تهمنا في فكرة (المجتمع شركة)، الجانب التطوري الذي عرضه محمود لفكرة الحرية، فقديماً كان من الممكن أن يضحي الفرد بنفسه في سبيل الجماعة، من الممكن أن يرمي الفرد نفسه في البحر أو أن يزبح لإرضاء الآلهة ويكون الفرد في غاية الرضاء وفعله وفقاً لحريته، وذهب محمود إلى فكرة أنه كلما تطورت المجتمعات كلما أعطت الفرد حرية أكبر .
يتحدث محمود عن مستويين من الحرية الفردية، وهما الحرية الفردية المطلقة، والحرية الفردية المقيدة، وفي الأولى نراه يقول: (وأما الإسلام فهو يرى أن الأصل في الحرية الإطلاق، وأننا حين نتحدث عن الحرية، من حيث هي، وفي أي مستوى كانت، إنما نتحدث عن الإطلاق )، إن الحرية بهذا المعنى تتحدث عن عدم التقييد، عدم وضوع أي حدود يجب ألا يتخطاها الفرد، إذ تكون الأفعال مستندة على ذات الفرد غير آبهة بأي شيء خارجي، بمعنى حرية لا تحدها حدود ولا عراقيل في أي مستوى كان فيه الفرد، وبالتالي فليس هنالك أي قيود (تشريعات وقوانين) تمنع الفرد وتكبحه والتي توضع من قبل الآخريين، ولكن نجد أن محمود يتحدث كذلك عن مستوى آخر من الحرية، وهو الحرية المقيدة، الحرية التي تضع قيود على الفرد لكي لا يضر بالأفراد الآخريين، ونجد هذا النوع من الحرية كذلك في غير قليل من كتبه، فمثلاً نجده يقول: (إن الأصل في الإنسان، كل إنسان، أنه حر حتى يعجز عن حسن التصرف في حريته، فإذا عجز صودرت حريته بقانون دستوري.. وغرض القانون حين يصادر حرية العاجز، إنما هو تربيته ليكون كيساً، فطناً، قادراً على التصرف في حريته، في مستأنف أمره.. )، وهنا نجد أن محمود يذهب إلى أن هنالك قانون دستوري، يصادر حرية كل فرد عجز عن التصرف في حريته، وهنا يظهر مستوى آخر مخالف للأول الذي لا يدعم بقيود للحرية التي هي هنا (القانون الدستوري).
ويفسر محمود حالة الإنسان وطبيعة تكوينه في أنه أناني، وذهب إلى أن هنالك مستويين من الأنانية، مستوى الأنانية الجاهلة ومستوى الأنانية العاقلة، الأول: قد يرى مصلحته في إمور تخالف مصلحة الجماعة، وقد يضحي بمصلحة الجماعة ليحقق مصلحته، أما الثاني: فيرى مصلحته في الجماعة وإموره لا تستقيم إلا مع مصالح الآخريين، ويرى ( ما دمنا في منطقة الأنانية الجاهلة، فإن حريتنا لابد تقيد، لمصلحة مجتمعنا، ولمصلحتنا نحن أيضاً )
في معرض حديث محمود عن (الفرد والجماعة في الإسلام)، يذهب محمود إلى أن الإسلام استطاع أن يجعل تنظيم الجماعة وسيلة إلى الحرية، فشريعة الإسلام عنده تقع على مستويين: مستوى الجماعة ويعرف بتشريع المعاملات، وهو يهتم بتنسيق العلاقة بين الفرد والفرد في المجتمع، ومستوى الفرد فيعرف بتشريع العبادات، وهو يهتم بتنسيق العلاقة بين الفرد والرب . وبهذه التشاريع والقيود على الحرية، قد لا يفهم الكيفية التي تكون بها مطلقة، فالحرية المطلقة لا تحدها تشاريع ولا قوانين ولا حتى رؤى الآخرين. حتى إذا ذهب محمود إلى أن هنالك مستويين من الحرية، مستوى الحرية الفردية المطلقة وهي الأصل، والحرية الفردية المقيدة، تظهر عندما يعجز الفرد عن الالتزام بواجب الحرية، فمادام أن الأستاذ يذهب إلى أن هنالك قانون دستوري (معاملات وعبادات)، فإنه بالتالي يذهب إلى النتيجة المنطقية التي
تقول: مدام أن هنالك قيود وحدود للحرية، وضعت مسبقاً، حتى ولو كان من حيث المبدأ، فإن الحرية بالمعنى الإطلاقي لا وجود لها، وأن الوجود الحقيقي للحرية الفردية المقيدة.
3/ قضية العقوبة: إذا أردنا الحديث عن فكرة العقوبة عند محمود، فلا بد
لنا من توضيح مفهومي الشريعة والسنة، وذلك لوضع محمود لمستويات من العقوبة لا يمكن فهمها إلا بمعرفة هذه المفاهيم ومعرفة مفاهيم أخرى كذلك، استخدمها محمد استخداماً خاصاً.
1- الشريعة: لقد عرف محمود الشريعة عن طريق العروة الوثقى، فنجده يقول:
(العروة الوثقى هي الشريعة ) والعروة الوثقى هي ( العروة هي المقبض.. أو هي العقدة في طرف الحبل التي بها يستوثق القابض على الحبل من قبضة الحبل.. فالعروة الوثقى هي مقبض الحبل الوثيق.. والحبل هو الدين )، كما يذهب للتوافق بين الشريعة والدين وكون أي اختلاق بينهما، يرجع لاختلاف في المقدار لا النوع ، والشريعة هي القدر من الدين الذي يخاطب الناس- عامة
الناس- على قدر عقولهم .
2- السنة: يذهب محمود إلى أن السنة شريعة وزيادة، فيقول: ( السنة شريعة وزيادة.. فإذا كانت العروة الوثقى هي الشريعة، فإن السنة أرفع منها..
وإذا كان حبل الإسلام متنزلاً من الإطلاق إلى أرض الناس، حيث الشريعة- حيث مخاطبة الناس على قدر عقولهم- فإن السنة تقع فوق مستوى عامة الناس، فالسنة هي شريعة النبي الخاصة به.. )
يفسر محمود الحالة التي كانت قبل نشوء العقل البشري، بأنها متسمة بعنف الجماعة بالأفراد المنحرفين، إن الأفراد كانوا غلاظاً شداد صعبي المراس والترويض ، فكانت توقع عقوبة القتل على أدنى المخالفات، ولم تكن تقطع يد السارق بل تقطع رقبته، وتوصل محمو لاستنتاجات متعلقة بكون أن هذا العنف العنيف بالأفراد المنحرفين، دفعهم للسيطرة على شهوتهم، وأدى ذلك إلى بروز الأخلاق وبروز العقل .
ويحلل محمود حالة ظهور العقل بأنها كانت قديمة حتى قبل ظهور آدم النبي (بكون هنالك آوادم غيره قبله في الزمان)، (ولقد ظهر العقل البشري قبل آدم هذا بزمن طويل.. والعقل البشري هو الروح الإلهي الذي نفخه الله في البنية البشرية، فأصبحت، بفضله، مشدودة إلى الله، بعد أن كانت قبلاً، مشدودة إلى الأرض بحكم الجبلة )
ويذهب محمود لتفسير وضع العقوبة في حالة ما بعد ظهور العقل البشري، فنجده يقول: (بدخول العقل في المسرح نشأ قانون المعاوضه في الشريعة )، ونجد أن محمود يفرق بين المعاوضة في مستوى الحقيقة؛ ويرى أنه تسيير العوالم إلى الله عن طريق الجسد- عن طريق القهر، والمعاوضة في مستوى الشريعة؛ ومراد به تسيير البشر إلى الله عن طريق العقل- عن طريق الحرية
ويقسم محمود قانون المعاوضة في مستوى الشريعة إلى ثلاثة مستويات وهي :
1/ مستوى بدرجة التناصف- العدل، (وجزاء سيئة سيئة مثلها) (العين بالعين، والسن بالسن) 2/ مستوى الإحسان بترك المسيء ( فمن عفا) 3/ مستوى المرحمة بالمسيء والتعطف عليه والمحبة له (وأصلح)، وهو أعلى مستويات قانون المعاوضة في الشريعة.
يربط محمود بين الحرية والعقوبة (العقوبة هي ثمن الحرية، لأن الحرية مسئولية، والمسئولية إلتزام شخصي في تحمل نتيجة العمل ) ، وتحدث عن سوء استخدام الفرد لحريته تجاه الجماعة، وكذلك تجاه نفسه- حالة ضرر الإنسان لنفسه(الإنتحار مثلاً) من غير أن يصل ذلك الضرر للجماعة - وقد رجع في هذا الأمر لتقسيمه للقوانين- والذي عرضناه سابقاً- 1- قانون المعاوضة في الشريعة و2- قانون المعاوضة في الحقيقة، ففي حالة الفرد الذي يسيء استخدام حريته ويوقع ضرر بالجماعة، يعاقب وفقاً للقانون الأول: فالفرد الذي لم يستطع ضبط شهوته لأمر ما سواء أكان ضعف إرادته أم جهله إلى آخر ذلك، قد يسيء التصرف في حريته ويعتدي على حق من حقوق الجماعة، تصادر حريته وفق قانون المعاوضة في الشريعة ، وآيته في كتاب الله (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، فمن تصدق به فهو كفارة له، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)، أما في حالة الفرد الذي يسيء استخدام حريته ويوقع الاضرار بنفسه يعاقب وفق القانون الثاني:( وإن كان سوء تصرفه إنما يقع وباله على نفسه وحدها، دون غيرها من الأنفس صودرت حريته وفق قانون المعاوضة في الحقيقة، وآيتاه من كتاب الله قوله تبارك وتعالى: ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره • ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)
إن الفكرة المهمة والأساسية تتعلقق بوضع العقوبة في الإسلام، وهي الفكرة التي ركز عليها محمود كثيراً، أي وضع العقوبة في الإسلام فنجد محمود يذهب إلى ( ونحن عندنا في الإسلام أنو الحدود، هي أوائل التشريعات، على إطلاقها- الحدود الواردة في الإسلام- مثل الحفاظ على الزوجة، والحفاظ على الملك )، ونجد أن محمود يفرق بين تشاريع الحدود التي ذهب في أنها أربعة ( الزنا والقذف والسرقة وقطع الطريق)، وتشاريع القصاص، وذهب إلى أن تشاريع القصاص (المعاوضة) في غاية الانضباط، وأن تشاريع الحدود في نهاية الانضباط، وأن الحاكم من الممكن أن لا يجازي و يعفوا في أمر القصاص؛ إذا كان المجني عليه عفا، ولكن الحاكم لا يمكنه أن يعفو في مسألة الحدود لأنها حق الله .
إن الأمر الأخير الذي يجب توضيحه في قضية العقوبة، أن هنالك نظريات ظهرت حول هذه القضية، وبخاصة في إطار الفكر الغربي الحديث والمعاصر، ومن هذه النظريات، النظرية الجزائية وتقول: بأنه يجب أن يعاني المجني من الجزاء بمثل ما فعل من أضرار ومن أبرز ممثلي هذه النظرية كانط وهيجل، والنظرية النفعية وتقول: بأنه يجب أن تكون هنالك منفعة حقيقية من العقوبة، وألا نعتمد الجزاءات الصارمة في حق الجناة، يجب زجرهم ومنعهم من هذه الجرائم لصدهم من خرق القوانين الاجتماعية، ويذهبون إلى أن العقوبات القاسية لا يمكن تبريرها، وكل ما يجب هو سجن الجناة أو نفيهم لمنعهم من القيام بتلك الجرائم، ومن أبرز ممثلي هذه النظرية بنثام و ج.س.مل، وهنالك النظرية العلاجية: والتي تعتقد أن الجناة في الأصل غير طبيعيين أو مريضين أي غير سويين، إذ كيف لشخص سوي أن يقوم بخرق القوانين الاجتماعية والأخلاقية، فيجب علاجهم بدلاً من تعريضهم لعقوبات رادعة وجزاءات قاسية، فهم بالأصل غير طبيعين.
إن الأمر الملاحظ في تحليلات وتفسيرات محمود للعقوبة، أنه اتخذ الجانب الجزائي للعقوبة، ولكنه ربط الجزاء بالتطور، أي أن مستوى العقوبة
(الجزائي) نفسه في تطور دائم، منذ قبل نشوء العقل واتصاف الأفراد بالعنف العنيف وأن العقوبة مساوية لذلك العنف العنيف، ثم ظهور العقل وظهور الشريعة، وظهور قانون المعاوضة، إلى أن تطور الأمر إلى ظهور الحدود...
،مع اعتقاد محمود أن العقوبة ليست أصل في الدين بل هي لازمة مرحلية( فالعقاب ليس أصل في الدين، وإنما هو لأزمة مرحلية، تصحب النشأة القاصرة، وتحفزها في مراقي التقدم، حتى تتعلم ما يغنيها عن الحاجة إلى العقاب، فيوضع عنها أصره، وتبرز نفس إلى مقام عزها)، إن تحليل هذا النص قد يوصلنا إلى استنتاج حقيقة في أن هنالك مرحلة قد تنتفي فيها العقوبات وتزول، عندما يتقدم الأفراد ويتطوروا، مع أن هذا الأمر قد يكون غير ممكن خاصة إذا ما عرفنا التكوينة البشرية وبالطبع محمود نفسه انتبه لهذا الأمر(النفس الأنانية)، مع أن هذا الأمر لم يظهر في التاريخ كله وهذا التحليل قد يدخلنا في خضم المجتمعات المثالية وغير الواقعية.
4/ قضية حقوق المرأة: إن الحديث عن حقوق المرأة، يرجعنا إلى الحديث عن مفاهيم أساسية بنى عليها محمود حقوق المرأة، ومن هذه المفاهيم السلم السباعي الذي اتخذه محمود للوصول للإسلام الجديد، وذلك لأن قضية حقوق المرأة تمظهرت في مستويات تطورية، إلى أن تصل للمرأة في الرسالة الثانية
من الإسلام. لقد ذهب محمود إلى أن (الإسلام فكر يرتقي فيه السالك على
درجات سلم سباعي، أولها الإسلام، وثانيها الأيمان، وثالثها الإحسان، ورابعها علم اليقين، وخامسها علم عين اليقين، وسادسها علم حق اليقين، وسابعها الإسلام من جديد ) ويذهب محمود إلى موضحاً ذلك في أن: الإسلام جاء على مرحلتين هما: مرحلة العقيدة ودرجاتها ثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان، وهذه المرحلة مرحلة الأمة المسلمة، أمة الرسالة الأولى، ومرحلة الحقيقة أو العلم ودرجاتها ثلاث: علم اليقين وعلم عين اليقين وعلم حق اليقين، وبعد ذلك هنالك آخر درجة من مراحل تطور السلم وهي الإسلام، وهذه المرحلة هي مرحلة الأمة المسلمة، أمة الرسالة الثانية، وهي لم تجيء بعد، وإنما جاء طلائعها فرادى علي مدى التاريخ البشري وهم الأنبياء، وفي مقدمتهم النبي، الذي بشر بهذه الأمة، كما جاء برسالتها، مجملة في القرآن، مفصلة في السنة ، كما يذهب إلى أن هنالك آيات الأصول وهي الآيات المكية ولم يستجب لها الجاهليون لأنها أكبر من مستواهم، فنزلت آيات الفروع وهي
الآيات المكية لتناسبهم وتناسب الوقت . يفسر محمود حالة المرأة قبل
ظهور الإسلام (برسالتيه)، بربطه بين الحروب وحالة المرأة في تلك المجتمعات القديمة- وبخاصة المرأة المسبية- ووضعها كما يبدو له كان غريباً، مخالف لحالة الرقيق الذي يعامل بأنه مملوك، ولكن كانت المرأة تعامل من حيث أنها مملوكة و محبوبة معاً، وكانت تعامل المرأة معاملة القاصر، المتهم، ولا يكاد يختلف حظ المرأة من بلد، إلا اختلافاً طفيفاً ، و يحاول أن يسقط هذه الحالة على معاملة الجاهلية، إذ كانت المرأة تدفن حية خيفة من ضيق الرزق أو ضنك العيش أو خوفاً من العار، وذهب إلى أن الإسلام(برسالته الأولى) ورث هذه الأوضاع، وحسم المشتط منها حسماً، ولكنها لم يتخلص منها كلها، لأن حكمة التشريع تحتاج إلى التدريج، ولم يعطي لها حقها كاملاً في المساواة، ولكن هذه المرحلة كانت مرحلة انتقالية سوف تعقبها مرحلة ثانية (الرسالة الثانية)، ويذهب محمود إلى أن هذه الشريعة عادلة وحكيمة إذا اعتبر حكم الوقت، وحصلت المرأة على بعض الحقوق
منها:
1- شاركت المرأة في الميراث- ولكن لها النصف من الرجل.
2- وأدخلت في عدالة الشهادة- ولكن شهادتها النصف من الرجل.
3- وسمح للتعدد إلى أربع.
وتعتبر هذه الفترة مدخل لمرحلة جديدة هي مرحلة الإنسان، وفي المرحلة الجديدة تعامل فيها المرأة في المجتمع كإنسان لا كأنثى، ويذهب محمود إلى أن ذلك هو عزمها المدخر لها في أصول الدين، أي (الرسالة الثانية)، وذهب محمود لضرورة تطوير الشريعة السلفية، ويرجع ذلك لكونها مرحلية، فالتغيرات التي حصلت في الحياة المعاصرة، من حيث تعليم الفتاة في أعلى المراتب، جعل هنالك تناقضاً واضحاً في الشريعة السلفية، وبذلك لا بد لها أن تتطور وتتفتق وترتفع من فروع القرآن إلى أصوله، وهي مرحلة جديد (مرحلة الرسالة
الثانية) وفي هذه المرحلة:
أ/ لا تحتاج المرأة لحماية، إذ تصبح المرأة مستغنية عن حماية الرجل، ولا تحتاج لتتنزل عن قسط كبير من حريتها في سبيل حمايتها، لأن حمايتها ستحال على القانون.
ب/ تحصل المرأة على حقها الكامل في التعليم (أصبح عندنا من "المعروف" أن نعلم الفتاة في أساليب العلوم الغربية، وإلى أعلى المراحل )، وأن نعدها الإعداد العقلي والخلقي والنفسي والجسدي الجيد، ج/ من حق المرأة أن تعمل خارج المنزل، إذا كانت تستطيع التوفيق بين العمل وإدارة المنزل.
د/ المساواة التامة بين الرجل والمرأة، ولكنها ليست مساواة على قوة الاحتمال وشدة الاسر، بل مساواة في القيمة، ومعنى ذلك أن المرأة، في نفسها، كإنسان، وفي المجتمع كمواطنة، ذات قيمة مساوية لقيمة الرجل في نفسه، وفي المجتمع، كمواطن، هذه المساواة تقوم وإن وقع الاختلاف في الخصائص العضوية، وفي بنية الرجال والنساء .
ه/ الانفاق على الزوجة هو سبب قوامة الرجل على المرأة، و إن قوامة الرجال على النساء لا تنتهي أسبابها إلا بمجيء عهد الديمقراطية والاشتراكية، حيث تحال الوصاية على القانون الدستوري، وتحال النفقة على الكفالة الاجتماعية،... يومئذ لا تكون المرأة محتاجة لحماية الرجل، ولا لو صايته، ولا لنفقته .
5/ القوانين والتشاريع الاجتماعية: إن المقصود بالقوانين والتشاريع الاجتماعية، هي الأدوات والضوابط التي تنظم الحركة الاجتماعية، وبمعنى أدق ضبط حركة الأفرد في المجتمع، إن هذه القوانين والتشاريع قد يكون مصدرها إلاهي، وقد يكون مصدرها وضعي.
و لقد تحدث محمود في هذه القوانين والتشاريع في إطار ما يسمى (الرسالة الثانية من الإسلام)، الذي يعتقد في أنه الأصل الغايب، وسوف يتم إعادته مرة أخرى، ولكن على يد من سوف يتم إعادته؟ هذا هو السؤال الجوهري والذي يجيب عنه محمود بكل قوة بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء! قالوا من الغرباء يا رسول الله! قال الذين يحيون سنتي بعد اندثارها )، ويفسر محمود حالة الغرابة هذه لخروجهم على ما يألف عليه الناس، إن مفهوم الغرباء مفهوم صوفي المنشأ، يتمثل في ابتعاد المتصوف عن الحياة العامة، لغرابته هو عن الناس، وغرابة الناس عليه، لكونه يتخذ شكلاً ونمطاً من السلوك مخالف لما هو عليه الجماعة وفي الغالب فهو يهرب من الجماعة ويتخذ الخلوى سبيل له، وبالتالي فهو لا يمكنه أن يضبط حركة المجتمع بقوانينه وتشاريعه التي قد تكون غريبة عليه لإختلاف نماذج عيشهم عنه، وكذلك لا يمكنه أن يضبطه المجتمع بقوانينه، وبالتالي فهو يتخذ الهروب سبيلاً، إن قصة حي بن يقظان لابن طفيل قد تكون أعظم تمثيل لهذه الحالة، خاصة الجزء الآخير من القصة والمتعلق بأبسال وسلامان وهما الفتيان الذين نشأ في الجزيرة القريبة من جزيرة حي بن يقظان، والحالة التعبيرية للغريب نجدها عند أبسال (فتعلق أبسال بطلب العزلة ورجع القول فيها لما كان من طباعه من دوام الفكرة وملازمة العبرة الغوص على المعاني. وأكثر ما كان يتأتي له أمله من ذلك الانفراد )، فكان هروب أبسال من تلك الجزيرة واللجوء إلى الجزيرة التي يعيش فيها حي ليعتزل الناس ويعبد الله ويقدسه ...الخ، بعد أن باع كل أملاكه واشترى مركباً ووزع باقي ما عنده على المساكين، ويحكي ابن طفيل كيف وصل أبسال إلى تلك الجزيرة وكيف قابل حي بن يقظان (الذي اعتقد فيه أنه أيضاً من الصالحين الهاربين من الجماعة)، وكيف تواصلا بعد ذلك وعلم بعضهما الآخر، وعرف كلاً منهما أحوال الآخر، إن الجزء المهم في القصة لنا هو مقابلة حي للجماعة التي كان يعيش فيها أبسال، وذلك عندما أخبره أبسال بحالهم و بنقص الفطرة والإعراض عن أمر الله، فطمع حي بأن تكون نجاتهم على يديه، وكذلك طمع أبسال بأن يهدي الله على يديه طائفة من المريدين، فأصبحوا يبحثون عن حيلة توصلهم للجزيرة التي يسكن فيها الناس، فكانا يلتزمان ساحل البحر ليل نهار ولا يفارقاه ويدعيا الله ليوصلهما لتلك الجزيرة، المهم لقد وصلت إلى جزيرتهم سفينة، وكان فيها أصحاب أبسال وهم أقرب إلى الفهم والكمال من بقية الناس ومنهم سلامان صاحب أبسال، وعرفهم أبسال بحي بن يقظان، (فشرع حي بن يقظان في تعليمهم وبث أسرار الحكمة إليهم فما هو إلا أن ترقى عن الظاهر قليلاً وأخذ في وصف ما سبق إلى فهمهم خلافه، فجعلوا ينقبضون عنه و تشمئز نفوسهم مما يأتي به ويسخطونه في قلوبهم ) وبعد مجادلتهم ليلاً ونهاراً اكتشف حي بن يقظان صعوبة إصلاحهم وأن كل فريق بما لديهم فرحون، فانصرف حي إلى سلامان وأصحابه فاعتذر عما تكلم معهم به، وأوصاهم بملازمة ما هم عليه من التزام حدود الشرع والأعمال الظاهرة وقلة الخوض فيما لا يعنيهم والإيمان بالمتشابهات ... فودعاهم وانفصلا عنهم وتلطفا في العودة إلى جزيرتهما، وعبدا الله بتلك الجزئرة حتى أتاهما اليقين .
إن القيمة التعليمية لهذه القصة، في أن الغرباء لا يمكنهم العيش في المجتمع ومواءمة سننه، فالغريب وبغربته عن المجتمع يعبر عن حالة الرفض المجتمعية له، وكذلك رفضه هو وامتعاصه عن حالة المجتمع، إن هذا الأمر قد ينسحب على مفهوم الغرباء الذين يحيون سنة الرسول صلى الله عليه وسلم (الرسالة الثانية)، وبالتالي فقد تكون كل قوانينهم وتشريعاتهم (التشريعات الدستورية على مستوى القضايا الاجتماعية) مخالفة للجماعة، وبالتالي قد تعبر الجماعة عن حالة الرفض المطلق له، مما يضطر الغريب إلى الهرب من المجتمع وابتغاء العزلة، فالغريب لا يمكنه ضبط حركة المجتمع لأنه يعبر عن حالة غريبة عن المجتمع، وقد لا يمكنه اكتشاف حركة المجتمع الحقيقية لأنه غريب عنها فكيف يعرفها ليضبطها حتى ناهيك عن أن يغيرها.

- المراجع باللغة العربية:
1/ ابن سينا وابن طفيل والسهروردي، حي بن يقظان، تحقيق وتعليق، أحمد
أمين،ط4 القاهرة، دار المعارف، 2008.
2/ إسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم: حسن حنفي،
مراجعة: فؤاد زكريا، ط1، دار التنوير للطباعة والنشر،2005.
3/ أفلاطون، جمهورية أفلاطون، ترجمة ودراسة: فؤاد زكريا، ط1، الإسكندرية- مصر، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر،2004.
4/أمارتيا سن، فكرة العدالة، ترجمة: مازن جندلي، ط1، بيروت-لبنان، الدار العربية للعلوم ناشرون، 2010.
5/ محمود محمد طه، الإسلام وإنسانية القرن العشرين، ط1، 1973.
6/ محمود محمد طه، الثورة الثقافية، ط1، 1972.
7/محمود محمد طه، الدين والتنمية الاجتماعية، ط1، 1974.
8/محمود محمد طه، الرسالة الثانية من الإسلام، ط4 ،1969.
9/محمود محمد طه، نحو مشروع مستقبلي للإسلام، ،ط2، الدار البيضاء- المغرب، المركز الثقافي العربي،2007.
10/ نيكولاس بولانتزاس، نظرية الدولة، ترجمة: ميشيل كيلو، ط2، بيروت-لبنان، دار التنوير للطباعة، 2010.
- المراجع باللغة الإنجليزية:

Robert Nozick , Anarchy, State, and Utopia, Oxford, UK, Blackwell, 1974.