بســـــــم الله الرحمـــــــــــن الرحيـــــــــــــــــــم
تنظيمات الهوس الديني
ونموذج الأخوان المسلمين

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
لقد ظللنا نحن الجمهوريين نحذر على مر السنين، الشعب السوداني، ومن ورائه كافة المسلمين، من خطل وخطر تنظيم الأخوان المسلمين خاصة، وحركات الهوس الديني عامة، على تعدد أسمائها وتشكيلاتها، ولكن تحذيرنا، ولله الحكمة البالغة، قد وقع على آذان صماء.
ولقد أخرجنا من أجل هذا التحذير العديد من الكتيبات، منها على سبيل المثال، ثلاثة بعنوان" هؤلاء هم الأخوان المسلمين" ورابع تحت عنوان "مفارقة الاخوان المسلمين للشريعة والدين" وبالإضافة إلى كتاب "زعيم جبهة الميثاق الإسلامي في ميزان 1) الثقافة الغربية 2) الإسلام".
قلنا، يومها، في كتابنا "الهوس الديني يثير الفتنة ليصل إلى السلطة" الذي صدرت طبعته الأولى في مايو1983، أي قبل أربعة وثلاثين عاما، ما يلي:
"وليس هناك من خطر أكبر من خطر الهوس الديني الذي يلقي بأبناء البلد الواحد في أتون القطيعة، والحرب، ثم يخلف من آثار الموجدة، والنقمة ما يصعب تجاوزه حتى مع مرور الأيام.. ولا تزال أحداث مصر، ولبنان، وإيران ماثلة، ضاغطة على الواقع بكل آثارها.. ثم إن أي تفريط في أية ظاهرة مؤدية إلى خطر الفتنة الدينية إنما يعادل، تماما، التفريط في الوحدة الوطنية، والأمن القومي للبلاد بأسرها".
أليس هذا التوصيف الدقيق هو ما يحكيه واقع الحال اليوم في السودان، وسوريا، والعراق، واليمن، وليبيا، ولبنان، ومصر، وفلسطين، والصومال، ونيجيريا، وإيران، وباكستان، وافغانستان، وكازاخستان، والشيشان، حيث نمت وترعرعت تلك التنظيمات الإسلامية المتهوسة متمثلة في داعش، وبوكوحرام، والقاعدة، والنصرة، وجماعة أبو سياف في الفلبين، وجيش التحرير، وحزب التحرير، وجماعة أنصار الشريعة، وأنصار بيت المقدس، وأنصار الله، وحزب الله، إلى آخر هذه المسميات الدينية التي تحكي الدين بلا دين؟
ولقد قلنا يومها أيضاً، ونقول اليوم، أن هذه التنظيمات المتهوسة المتعددة الأسماء إنما هي مسخ، معدل تعديلا طفيفا، من تنظيم الأخوان المسلمين، ولقد خرجت، السنية منها، بصفة خاصة، من تحت عباءته بسبب الصراع على مواقع القيادة، والغنائم المادية. ولقد اتخذ بعضهم الاختلافات الطفيفة بينهم، كسبب ظاهر، ليخفي، السبب الحقيقي وراءه ألا وهو الصراع على المقاعد الأمامية لتلك التنظيمات.
وأبرز الاختلافات الظاهرة، هو الخلاف حول الإعلان عن الأهداف، كما تفعل داعش، والقاعدة، وجبهة النصرة وبوكوحرام، في مقابل الإخفاء والعمل بفقه الضرورة، والتقية، وتفعيل حديث "الحرب خدعة" كما تفعل جماعة الأخوان المسلمين في مصر والسودان وفلسطين وتركيا.

الاستعلاء الفارغ وادعاء الفضيلة
قامت حركة الأخوان المسلمين على الكذب، والتدليس، وخداع الجماهير وادعاء التدين، والتعالي الكاذب حتى لقد قال شيخهم البنا في كتاب "مجموعة رسائل حسن البنا":
"نحن أيها الناس، ولا فخر، أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم، وحملة رايته من بعده، ورافعوا لوائه كما رفعوه، وناشروا لوائه كما نشروه، وحافظوا قرآنه كما حفظوه، والمبشرون بدعوته كما بشروا، ورحمة الله للعالمين (ولتعلمّن نبأه بعد حين) ...أيها الأخوان المسلمون: هذه منزلتكم، فلا تصّغروا من أنفسكم، فتقيسوا أنفسكم بغيركم!!"
فالأخوان المسلمون يستبطنون أن كل الناس، باستثناء عضويتهم (أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم)، هم المشركون، وإن صلوا وإن صاموا، كما أخبرهم قديما كبير فلاسفتهم سيد قطب حيث قال: "فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد وجور الأديـان ونكفت عن لا إله إلا الله، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن (لا إله إلا الله) دون أن يُـدرك مدلولها، ودون أن يعي هذا المدلول وهو يرددها، ودون أن يرفض شرعية الحاكمية التي يدعيها العباد لأنفسهم ..."
ويواصل سيد قطب ليقول: "والذين يظنون انفسهم في (دين الله) لأنهم يقولون بأفواههم (نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) ويدينون لله فعلاً في شؤون الطهارة والشعائر والزواج والطلاق والميراث... بينما هم يدينون فيما وراء هذا الركن الضيق لغير الله، ويخضعون لشرائع لم يأذن بها الله - وكثرتها مما يخالف مخالفة صريحة شريعة الله - ثم هم يبذلون أرواحهم وأموالهم وأعراضهم وأخلاقهم - أرادوا أم لم يريدوا - ليحققوا ما تطلبه منهم الأصنام الجديدة، فإذا تعارض دين أو خلق أو عرض مع مطالب هذه الأصنام، نبذت أوامر الله فيها ونفذت مطالب هذه الاصنام .. الذين يظنون أنفسهم مسلمين وفي (دين الله) وهذا حالهم.. عليهم أن يستفيقوا لما هم فيه من الشرك العظيم.. “.

انعدام المذهبية والمرجعية الأخلاقية
ولقد قلنا فيما مضى، ونقول اليوم، أن ليس لتنظيم الأخوان المسلمين، ولا لهذه التنظيمات المتسمية باسم الدين، المتفرعة منه، فكرة مبوبة ومحددة عن بعث الإسلام، فهم لا يطرحون فكرة مفصله تعالج قضايا النفس البشرية المركبة والمعقدة، وقضايا الاقتصاد والسياسة والاجتماع، وإنما هم دعوات جوفاء فارغة من أي محتوى ظلت تردد الشعارات مثل "الإسلام هو الحل" و"نحكم التنزيل" و"هي لله لا للسلطة ولا للجاه" كما أسلفنا..
وفيما يخص تنظيم الأخوان المسلمين، التنظيم الأم لهذه التفريعات، قال هنداوي دوير، أحد قادة تنظيم الأخوان المسلمين المصري، متحدثا عن مؤسس حركة الأخوان المسلمين في مصر، حسن البنا، ما يلي:
"فكان رأيه أن محاولة صياغة رأي الأخوان في القضايا التفصيلية، وكيفية تطبيق الشريعة الإسلامية على حياة المجتمع المعاصر هي محاولة، ضررها أكثر من نفعها، فلذا كانت صياغة مثل هذه قادرة على مواجهة الخصوم السياسيين الذين أخذوا على الأخوان دائما أنهم يطرحون شعارات عامة ولا يقدمون حلولا تفصيلية للمشاكل، فإنها تفتح الباب في نفس الوقت لشقاق كبير بين المسلمين أنفسهم لتعدّد المذاهب والاجتهادات" ((الأخوان المسلمون)) لريتشارد ب متشيل.
كما عبر سيد قطب، أشهر منظري حركة الأخوان المسلمين، عن هذا الفراغ بعبارته التالية:
"إن الجاهلية التي حولنا، كما أنها تضغط على أعصاب بعض المخلصين من أصحاب الدعوة الإسلامية فتجعلهم يتعجلون خطوات المنهج الإسلامي، هي كذلك تتعمد أحياناً أن تحرجهم. فتسألهم: أين تفصيلات نظامكم الذي تدعون إليه؟ وماذا أعددتم لتنفيذه من بحوث ودراسات ومن فقه مقنن على الأصول الحديثة! كأن الذي ينقص الناس في هذا الزمان لإقامة شريعة الإسلام في الأرض هو مجرد الأحكام الفقهية والبحوث الفقهية الأسلامية. وكأنما هم مستسلمون لحاكمية الله راضون بأن تحكمهم شريعته، ولكنهم لا يجدون من (المجتهدين) فقها مقنعا بالطريقة الحديثة!.. وهي سخرية هازلة يجب أن يرتفع عليها كل ذي قلب يحس لهذا الدين بحرمة" (معالم في الطريق) صفحة 58 – طبعة دار دمشق..
ولقد جاء هذا المعنى أيضا على لسان الدكتور بهاء الدين حنفي أحد قادة الأخوان المسلمين المعاصرين ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية في السودان، سابقا، في حوار أجراه معه مالك طه ونشر في جريدة الرأي العام بتاريخ 17 يوليو 2011 و24 يوليو 2011. قال دكتور بهاء الدين: "أفتكر أن الترابي رفع شعارات إسلامية كثيرة براقة، الا أنه لم يقدم أفعالاً حقيقية ملموسة تنعكس في برامج ومشاريع. الكل يعرف أني أفنيت جزءاً كبيراً من شبابي في البحث والتنقيب عن آراء وأفكار وخطب وكتابات الدكتور الترابي" وأردف قائلا "ولا أرى بصراحة شديدة جداً، فروقات جوهرية بيننا والأحزاب الأخرى. يمكن نحن أقوى وهم الأضعف من ناحية تنظيمية وادارية". وواصل دكتور بهاء الدين قائلا: "أيه الفرق بين المؤتمر الوطني، والاتحادي الديمقراطي، والمؤتمر الشعبي وأذهب أكثر من ذلك وأقول حتى الحزب الشيوعي؟ (أنا ما شايف فرق)". وخلاصة أقوال دكتور بهاء الدين حنفي في نظري أنها كلها أحزاب بلا مذهبية.
على خلفية هذا الفراغ المذهبي وهذه الدعوة الجوفاء كما جاء على لسان العديد من قادتها ومنظريها قامت حركة الأخوان المسلمين في السودان بانقلابها العسكري في يونيو 1989. جاءت حركة الأخوان المسلمين للحكم، وهي قد كانت قبل الانقلاب ممثلة داخل البرلمان بثالث أكبر كتلة من النواب، لتقضي على النظام الديمقراطي وتحل البرلمان المنتخب وتعيس في الأرض فسادا.

الكذب وتحري الكذب عند الأخوان المسلمين
ولن ينسى الشعب السوداني مقولة الدكتور الترابي، زعيم الأخوان المسلمين، ومخطط انقلابهم العسكري في 1989، وهي مقولة قد سارت بها الركبان في السودان، حين قال كدليل على الكذب وتحري الكذب، ما معناه: "أرسلت البشير إلى القصر رئيسا وذهبت أنا إلى السجن حبيسا"!!! هذا ولقد ظل الترابي في السجن يوالي الكذب، ويتظاهر على قادة الأحزاب المسجونين معه، على أنه سجين بينما هو يعمل في نفس الوقت جاسوساً عليهم.. ولا يستطيع المرء أن يذكّر القراء بحديث (من غشنا ليس منا) لأن الترابي وقبيله لا يعتقدون أن قادة الأحزاب منهم، أي أنهم ليسوا مسلمين، بل يعتبرونهم أعداء لا يستحقون غير الحرب كما أرشدهم زعيمهم الفكري حسن البنا حينما قال "فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير في الطريق لاستعادة حكم الإسلام ومجد الإسلام سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة معها"، والحرب، كما هو معلوم، خدعة.
كما أن الشعب لن ينسى مقولة البشير التي كان يرددها، بمناسبة، وبغير مناسبة، في أول أيام انقلابه العسكري: "نحن لسنا بأخوان مسلمين، فالأخوان قد أفسدوا الحياة السياسية، مثلهم مثل الأحزاب الأخرى". والبشير كما يعلم الجميع اعتاد أن يقول متسائلاً أمام الجماهير التي تحتشد للسماع إليه: "هل عهدتم على كذباً"؟!!! أوليس البشير هو القائل (في تصريحات لافتة وغير مسبوقة لصحيفة الاتحاد الإماراتية، "أن التنظيم الدولي لجماعة الأخوان يهدد استقرار الدول العربية"...)؟!!! أليس السودان دولة عربية عند البشير؟!!
وفي مصر أيضا شهد الشعب المصري ومن ورائه العالم أجمع كيف بدأ تنظيم الأخوان المسلمين ممارسة الخديعة على الشعب منذ الأيام الأولي لثورة الشعب المصري على نظام حسني مبارك في 2011. فقد كانوا في أيام الثورة الأولى يتفاوضون مع رئيس جهاز الاستخبارات المصري، اللواء عمر سليمان، شارحين له أن غرض وجودهم في الشارع إنما هو حماية الممتلكات العامة من التخريب، وهم بهذا يريدون الظهور للسلطة بأنهم ليسوا ضدها ولا يسعون لإسقاطها، ولا يشاركون الثوار أهدافهم، وفي نفس الوقت يوحون للثوار أنهم معهم في الميدان.
ثم بعد أن انتصرت الثورة استدعوا قادتهم مثل القرضاوي للحديث للشعب المصري في ميدان التحرير، بغرض الاستحواذ على الثورة ومكتسباتها، تماما كما فعل الترابي في أوائل أيام ثورة الشعب السوداني في أبريل 1985، وحرموا قواد الثورة الحقيقيين من الشباب من التحدث في ذلك المنبر.
وعندما بدأ الاستعداد للانتخابات للرئاسة المصرية أعلن تنظيم الأخوان المسلمين المصري أنهم لن يرشحوا أحدا للرئاسة، ولكنهم بدلا من واحد رشحوا للرئاسة أثنين من قادتهم. وقالوا أيضا أنهم لا يسعون للسيطرة على مجلس الشعب فانتهوا إلى السيطرة عليه باستعمال كل أساليب الخداع والتدليس.
الجدير بالذكر أن محاولات التخفي وفقه التقية التي درج عليها تنظيم الأخوان المسلمين، لم تعجب العديد من قيادات الإخوان وقواعدهم، ولقد عبر عن ذلك الدكتور أيمن الظواهري، القائد الحالي لتنظيم القاعدة، وأعتبرها تخليا عن المبادئ التي رسخها سيد قطب. وكتب في ذلك كتابا أسماه "الحصاد المر" استشهد فيه بمواقف تنظيم الأخوان المسلمين المفارقة للشريعة ولتعاليم سيد قطب على مر السنين.

إنسجام فكر الأخوان المسلمين مع الفكر الوهابي والجماعات المتطرفة
خرج أيمن الظواهري على تنظيم الأخوان المسلمين، ولتطابق الفكر الوهابي مع فكر الأخوان المسلمين، لم ير الدكتور أيمن الظواهري، بعد إثبات مفارقة تنظيم الأخوان المسلمين لتعاليم مؤسسي الحركة، وعلى الشريعة الإسلامية، لم ير الظواهري بعد خروجه، أي إشكال مفهومي في الانضمام لتنظيم القاعدة والعمل تحت قيادة أسامة بن لادن "الوهابي"، ثم مبايعة الملا عمر، زعيم طالبان الأفغانية، والتي تنتمي للفكر "الوهابي" أيضا، أميراً للمؤمنين!!
و كدليل على انسجام الفهم الوهابي مع الفهم الإخواني نذكر تبني وطباعة وتوزيع وزارة المعارف السعودية (الوهابية) لكتب الإخوان المسلمين بخاصة كتاب سيد قطب "معالم في الطريق". وتبني وتوزيع الأخوان المسلمين لكتب الوهابية التي تطبع بسخاء منقطع النظير في المملكة العربية السعودية. كيف لا وقد كان القيادي في التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، كمال الهلباوي، في الفترة من 1982- 1987، رئيساً للجنة مستشاري بناء المناهج المدرسية، في وزارة المعارف السعودية.
ومعروف أن حركة الوهابية قامت منذ نشأتها الأولى على العنف والوصاية وموالاة الملوك.. ولم تسلم من عنف وتطرف منتسبيها قباب الأولياء وقبور الصالحين بل ولا حتى آثار التاريخ.. ولقد اعتمدت الجماعات الوهابية في تمويل حركتها وبناء مساجدها على هبات ملوك السعودية لقاء موالاتهم والدفاع عنهم، كما اعتمدت حركة الاخوان المسلمين في السودان في تمويلها لأنشطتها على البنوك السعودية (الإسلامية)، وذلك قبل أن تستلم السلطة وتستغلها في إثراء قادتها وتنظيماتها.. أما إذا رجعت لبقية حركات الهوس الديني التي غطت الكرة الأرضية، ونمت كما ينمو الدِّر، فستجد أن غالبية قادتها وقواعدها من خريجي المعاهد والجامعات السعودية الوهابية التي صرفت البلايين على نشر الفكر الوهابي في العالم ومن ثمّ تأهيل أعضاء وقيادات هذه التنظيمات، ثم تشييد المراكز والمساجد والمعاهد لها. وليست تجربة طالبان أفغانستان وطالبان باكستان ببعيدة عن الأذهان. فلقد تولت المساجد في السعودية الدعوة المنتظمة لانضمام الشباب في الخليج وفي غيره من أنحاء الأرض إلى عملية الجهاد أيام الحرب ضد الاتحاد السوفيتي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وتنسيق السفر والإقامة في ارض الجهاد في أفغانستان وباكستان.
ولم تفق السعودية من غفلتها تلك حتى عاد أولئك الذين تدربوا على القتال في أفغانستان إلى موطنهم في السعودية، وشرعوا في قتال النظام الملكي السعودي نفسه، مما قاد إلى نزع الجنسية من مؤسس تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، وإعلان تنظيمي القاعدة والأخوان المسلمين تنظيمين إرهابيين إلى جانب تنظيمات أخرى تنتهج، للعجب، نفس المذهب الوهابي الذي ترعاه المملكة السعودية. ولقد أنفقت السعودية الأموال ثم كانت عليها حسرة كما أصبح واضحا للعيان.

المملكة السعودية الوهابية وجماعة الأخوان
وأخيراً، تعارضت المصالح، فقامت المملكة السعودية باستصدار الفتاوي من علمائها (علماء السلطان) الذين وصفوا هذه التنظيمات، التي رعتها المملكة، ومولتها، طوال حياتها، بأنها تنظيمات إرهابية خارجة على تعاليم الإسلام. وسحبت كتب الأخوان المسلمين، أمثال حسن البنا، وسيد قطب، والقرضاوي، والمودودي من المكتبات المدرسية والتجارية، بعد أن كانت تتولى طباعتها وتوزيعها.
قالت وكالة رويتز في 8 مارس 2014: "الرياض (رويتز): أعلنت السعودية الإخوان المسلمين جماعة إرهابية ........... وقالت وزارة الداخلية السعودية في بيان نشر في وسائل الإعلام الرسمية إن المملكة أعلنت أيضا جماعتي جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) اللتين تقاتلان في سوريا للإطاحة بالرئيس بشار الأسد جماعتين إرهابيتين"
كما أوردت قناة العربية المحسوبة على السعودية في 1 ديسمبر 2015 خبر سحب كتب الأخوان المسلمين من المكتبات السعودية حيث جاء:
"ذكرت وسائل إعلام سعودية أن وزارة التعليم السعودية أصدرت تعميماً على جميع الإدارات التعليمية التابعة لها بسحب نحو 80 كتاباً من مكتبات ومراكز مصادر التعلم في المدارس لعدد من المؤلفين، مثل سيد قطب وحسن البنا ويوسف القرضاوي..
وشدد التعميم على ضرورة تسليم تلك الكتب إلى مكاتب التعليم في موعد أقصاه أسبوعان، ومنع إدراج أي محتوى مقروء داخل المكتبات عدا تلك الواردة من الوزارة، بحسب وسائل الإعلام..
كما تضمّن التعميم أسماء الكتب المراد سحبها، من بينها كتاب "الله في العقيدة الإسلامية"، و"الوصايا العشر" لحسن البنا، وكتاب "الحلال والحرام" ليوسف القرضاوي، وكتاب "شبهات حول الإسلام"، و"المستقبل لهذا الدين"، و"معالم في الطريق" لسيد قطب..
كذلك شمل العديد من مؤلفات أبو الأعلى المودودي، ومالك بن نبي، وعبدالقادر عودة، ومصطفى السباعي، وأنور الجندي، وحسن الترابي.".
ولقد يرى القارئ مدى التخبط الذي تعيشه السعودية التي ما فتأت تحارب الأفكار بمصادرة الكتب، جاهلة أم متجاهلة لحقيقة أن الوصول إلى هذه الكتب قد أصبح أمرا ميسورا بوسائل التواصل المختلفة بصورة لا تخطر على أذهان مشايخها شبه الأميين.
هذا ولا يخفى على المتابع السياسي تخبط المملكة السعودية التي تحارب الآن في اليمن وفي سوريا وهي من حيث لا تدري تمكن لنفس جماعة الأخوان المسلمين التي تحاربها. فعندما تحارب السعودية جماعتي الحوثي وعلى عبد الله صالح تنسى أنها في نفس الوقت تهيئ أرض اليمن لتنظمي القاعدة والأخوان المسلمين. وأنها عندما تقوم بمساندة وتسليح من تمت تسميتهم "المسلمين المعتدلين" في سوريا، إنما تسلح جماعة الأخوان المسلمين، الذين تدخل رئيس تركيا أردغان أيضا لدعمهم بالأسلحة والجنود.

العنف والجهاد المزيف عند الاخوان المسلمين
لقد قامت حركة الأخوان السملين على العنف والدعوة للجهاد لتحطيم "الجاهلية"، منذ يومها الأول، تماما كما سطر لها في مؤلفات مؤسسيها في مصر.. والأخوان المسلمون يعنون بالجاهليين، والجهلاء، كما أسلفنا، كل من يقف في طريق دعوتهم الفارغة المحتوى، التي اعتمدت ولا زالت تعتمد على الشعارات الفارغة مثل "الإسلام هو الحل"، "وهي لله لا للسلطة ولا للجاه"، والتي تتمسح بالإسلام وتعبث بعواطف البسطاء من محبي الدين.
جاءت دعوة الأخوان المسلمين للجهاد في كتبهم المختلفة وبخاصة كتاب "معالم في الطريق"، لسيد قطب والذي قامت بطباعته وتوزيعه، في مرحلة من المراحل، وزارة المعارف السعودية (الوهابية):
يقول سيد قطب:
"ذلك أنهم يعتبرون كل نص منها كما لو كان نصًا نهائيًا، يمثل القواعد النهائية في هذا الدين، ويقولون - وهم مهزومون روحيًا وعقليًا تحت ضغط الواقع اليائس لذراري المسلمين الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان: أن الإسلام لا يجاهد إلا للدفاع! ويحسبون أنهم يسدون إلى هذا الدين جميلا ًبتخليه عن منهجه وهو إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعًا، وتعبيد الناس لله وحده، وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد! لا بقهرهم على اعتناق عقيدته، ولكن بالتخلية بينهم وبين هذه العقيدة.. بعد تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة، أو قهرها حتى تدفع الجزية وتعلن استسلامها والتخلية بين جماهيرها وهذه العقيدة، تعتنقها أو لا تعتنقها بكامل حريتها" إلى أن يقول:
"والذي يدرك طبيعة هذا الدين - على النحو المتقدم - يدرك معها حتمية الانطلاق الحركي للإسلام في صورة الجهاد بالسيف - إلى جانب الجهاد بالبيان - ويدرك أن ذلك لم يكن حركة دفاعية - بالمعنى الضيق الذي يفهم اليوم من اصطلاح "الحرب الدفاعية" كما يريد المنهزمون أمام ضغط الواقع الحاضر وأمام هجوم المستشرقين الماكر أن يصوروا حركة الجهاد في الإسلام - إنما كان حركة اندفاع وانطلاق لتحرير الإنسان".
ولقد استعان الأخوان المسلمون في السودان بكل آية، وكل حديث، وتفسير، في شأن الجهاد من أجل تبرير قتال إخواننا في جنوب السودان، وحركوا آلياتهم الإعلامية وأخرجوا البرامج التلفزيونية مثل "ساحات الفداء" لبث الأفهام المغلوطة للإسلام، والاستدلال بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية في غير زمانها ومكانها.. وقاموا بنشر الأكاذيب، وادعوا أن الملائكة تقاتل معهم وإلى جانبهم، وأن السماء تنزل المطر على مجاهديهم لسقياهم، وأن القردة تتقدم فيالقهم لتفديهم بتفجير الألغام الأرضية التي يزرعها العدو في طرقهم، وأن ريح المسك تفوح من أجساد موتاهم، إلى آخر تلك الأكاذيب والترهات التي انتهت إلى هزيمتهم أمام جيوش الحركة الشعبية التي وصموها بالكفر، ليجيء قائد تلك الجيوش "الكافرة"، سلفاكير مارديت، ليكون، وهو المسيحي المقاتل للمسلمين بزعمهم، ليكون النائب الأول لرئيس الجمهورية "الإسلامية"!
وبالإضافة إلى الجنوب، أشعل الأخوان المسلمون الحروب الجهادية في غرب السودان، في دارفور وكردفان، بالإضافة إلى جنوب النيل الأزرق. وهي حروب أهدرت فيها أرواح آلاف الأبرياء غير أن النظام اعترف منها بعشرة آلاف فقط. كما أعترف البشير نفسه بأنهم قتلوا الأبرياء لأتفه الأسباب حيث قال في حديث مصور منشور في الإنترنت: "فكيف ربنا يستجيب دعانا ونحن، وأقول نحن يا جماعة، ونحن دا من الرئيس عمر البشير مروراً بالتيجاني لحد ما نصل لآخر واحد شايل بندقية، كلنا.. وكل واحد عايز أنو ربنا يستجيب دعاه ويتقبل عمله، كيف يمكن يكون دا؟.. كيف دا ونحن بنقتل وبنسفك دماء المسلمين لأتفه الأسباب.. أنا بقول لأتفه الأسباب، ما في حدث كبير في دارفور، لما جينا شفنا البداية لقيناه والله العظيم ما بستحق يذبح ليه خروف خلي يذبح بني آدم. كيف نحن استحلينا دماء المسلمين ونحن نعلم تماماً أن زوال الكعبة أهون عند الله من قتل نفس مؤمنة.. ونعلم أنو قاتل النفس المؤمنة، أنا غايتو قدر ما قلبت، ما بعرف أنا ما عالم، لكن في علماء قاعدين هنا، في شيوخ وفي حفظة، في بتاعين حديث، أنا لقيت أنو أي خطأ عندو كفارة في الدنيا إلا قتل النفس المؤمنة"..
وأعتدى الأخوان المسلمون على المسيحيين في الخرطوم، وعلى كنائسهم، واستولوا على النادي الكاثوليكي حيث أقاموا فيه رئاسة المؤتمر الوطني "حزب جماعة الأخوان المسلمين"..
ولقد رأي السودانيون، ومن رائهم كل العالم، ما قاله قائدهم الترابي في استباحتهم للدماء في محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك، والتوصية بقتل الناجين الذين قاموا بمحاولة الاغتيال من (المجاهدين) الذين أرسلوهم لتنفيذ العملية الجهادية.
كما رأى السودانيون، وعاشوا، القتل والاغتيال وتجارب بيوت التعذيب الممنهج على يد الأخوان المسلمين، فيما أشتهر في السودان "ببيوت الأشباح" والتي وصفها القيادي الأخ المسلم المحبوب عبد السلام في كتابه: "الحركة الإسلامية – دائرة الضوء – خيوط الظلام" حيث قال مشيرا لحركة الأخوان المسلمين:
"قامت بتأسيس مراكز اعتقال خاصة فيما عرف لاحقاً ب (بيوت الأشباح)، تمددت فيها الاعتقالات عشوائية واسعة تأخذ الناس بأدنى شبهة بلا تحقيق أو محاكمة، ولكن بتعذيب وإهانة لكرامة الإنسان لا يقرها مطلقاً الإسلام. ورغم أن عناصر الأجهزة لم يعدموا من يفتي لهم بجواز التعذيب في الإسلام في مأساة فكرية تضاف للمأساة الأخلاقية" إلى أن قال المحبوب: "زاول التعذيب في بيوت الأشباح عناصر من الاستخبارات العسكرية، شاركتهم عناصر من أبناء الحركة الإسلامية وعضويتها، وجرت بعض مشاهده أمام عيون الكبار من العسكريين والملتزمين وقادة أجهزة الحركة الخاصة ......." وتابع المحبوب ليقول: "وإلى تلك الجماعة وتلك الروح تعزى المجزرة المتعجلة التي ارتكبتها قيادة الثورة وقيادة الحركة ممثلة في النائب العام في (28) من ضباط القوات المسلحة – رحمهم الله – وأضعاف العدد من ضباط الصف، بعد محاولة انقلابية فاشلة...."

الوصاية الجاهلة عند الأخوان المسلمين
وكما قامت دعوة الأخوان المسلمين على العنف وتبرير القتل والتعذيب، قامت أيضا على الوصاية والهيمنة، التي سميت، الوصاية النبيلة، على البشرية جمعاء. قال شيخهم حسن البنا في "مجموعة رسائل حسن البنا": "ومعنى هذا أن القرآن الكريم يقيم المسلمين أوصياء على البشرية القاصرة، ويعطيهم حق الهيمنة والسيادة على الدنيا لخدمة هذه الوصاية النبيلة.. وإذن فذلك شأننا لا من شأن الغرب ولمدنية السلام لا لمدنية المادة"
بناء على ذلك الفهم القاصر، المضلل، والمتعالي، القائم على الجهل بحقائق الدين، وحقائق الحياة المعاصرة، قامت حركة الأخوان المسلمين في مصر، والسودان، وغيرهما من بلاد الله، بتنفيذ العمليات الجهادية واغتيالات الخصوم الذين يقفون في سبيلها. وأقاموا تنظيما سريا، للقيام بتلك الأفعال الخائنة. ففي مصر، مثلا، اغتالوا القاضي أحمد بك الخازندار في عام 1948، كما اغتالوا رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي باشا.. وأدخلوا العنف باسم الجهاد في العمل السياسي في مصر، لينتشر بعد ذلك في كل بقاع الأرض، وعندما أشتد عليهم الخناق لجأوا للحيل والتخفي وفقه التقية. وخرج حسن البنا تحت ضغط الحكومة المصرية عليه ليقول إن الذين قاموا بالاغتيالات والتفجيرات ليسوا أخوانا وليسوا مسلمين.
ولعل أبرز صور وصاية الأخوان المسلمين هي التي قامت ضد النساء في بلادنا.. فقد فرضت حكومة الأخوان المسلمين على النساء ارتداء ما سمى بالحجاب الإسلامي واعطت منتسبيها سلطة توقيفهن في الشارع العام وجلدهن.. و لقد تم جلد ما يزيد على الأربعين ألف فتاة في ذروة فورة الهوس الديني تلك.. كما تم اصطياد الشبان وتلاميذ المدارس للزج بهم في أتون حرب الجنوب من غير رغبتهم أو رغبة ذويهم ومن حاول منهم الهرب من معسكرات التدريب تم اصطياده وقتله بدم بارد.. كما تم إذلال العاملين في الخدمة المدنية من غير الاخوان المسلمين بالزج بهم أيضا في معسكرات الدفاع الشعبي للتدريب القسري المهين وتمت إحالة ما لا يقل عن عشرة ألف منهم للصالح العام..

الفساد والفوضى في دولة الأخوان المسلمين
قال الأخوان المسلمون يوم إنقلابهم على النظام الديمقراطي في السودان في عام 1989 أن سبب قيامهم بالإنقلاب ما يلي:
1- تهاون الأحزاب السياسية السودانية في موضوع الدفاع عن وحدة السودان حيث جاء في بيان البشير الأول:

"مواطني الأوفياء.. إن عداوة القائمين على الأمر في البلاد في الفترة المنصرمة ضد القوات المسلحة جعلتهم عن قصد يهملون اعدادها لكي تقوم بواجبها في حماية البلاد، ظلت قواتكم المسلحة تقدم أرتالا من الشهداء كل يوم دون أن تجد من هؤلاء المسئولين الاهتمام بالاحتياجات أو حتى الدعم المعنوي لتضحياتها مما أدى الى فقدان العديد من المواقع والأرواح حتى أضحت البلاد عرضة للاختراقات والانفلات من اطرافها العزيزة هذا في الوقت الذي نشهد فيه اهتماما ملحوظا بالمليشيات الحزبية."

2- فشل الحكومة الديمقراطية الاقتصادي الذي أدى إلى ارتفاع سعر الجنيه السوداني بإزاء الدولار الأمريكي حيث بلغ يومها 12 جنيها للدولار.. فخشي البشير ومن ورائه الأخوان المسلمين من أن يصل سعر الدولار إلى 20 جنيها فتصير فضيحة عالمية..

قال البشير في بيانه الأول: "لقد تدهور الوضع الاقتصادي بصورة مزرية وفشلت كل السياسات الرعناء في ايقاف هذا التدهور ناهيك عن تحقيق أي قدر من التنمية، فازدادت حدة التضخم وارتفعت الأسعار بصورة لم يسبق لها مثيل واستحال على المواطنين الحصول على ضرورياتهم اما لانعدامها أو لارتفاع أسعارها مما جعل كثيرا من أبناء الوطن يعيشون على حافة المجاعة، وقد أدى هذا التدهور الاقتصادي إلى خراب المؤسسات العامة وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية وتعطل الإنتاج.. وبعد أن كنا نطمح أن نكون بلادا سلة غذاء العالم أصبحنا أمة متسولة وتستجدي غذائها وضرورياتها من خارج الحدود وانشغل المسئولين بجمع المال الحرام حتى عم الفساد كل مرافق الدولة وكل هذا مع استشراء الفساد والتهريب والسوق الأسود مما جعل الطبقات الاجتماعية من الطفيليين تزداد ثراء يوما بعد يوم بسبب فساد المسئولين وتهاونهم في ضبط الحياة والنظام."
أنظر إلى هذا التوصيف لحال السودان الاقتصادي تحت حكم الأحزاب، كما ورد في خطاب رئيس انقلاب الإنقاذ، وقارنه بسودان اليوم المحاصر اقتصاديا، والمثقل بالديون التي بلغت ما يقارب الخمسين مليارا من الدولارات الأمريكية.. سودان اليوم الذي بلغ سعر الدولار فيه في السوق السوداء أكثر من 24000 جنيهاً، وخسر فيه خيرة أبنائه وبناته من أهل الخبرة والدراية لبلدان المهجر، بحثا عن عيش كريم، أو خوفا من عنف واضطهاد، ليحل محلهم أنصاف المتعلمين، العاطلين عن القيم الرفيعة، وخريجي الجامعات السعودية الغير معتمدة، وغير المعترف بها، أمثال عصام البشير، ومحمد عبد الكريم، وعبد الحي يوسف، ويوسف الكودة وغيرهم من المتلهفين للثراء من أموال الشعب، من أهل الولاء لجماعة الأخوان المسلمين المفلسة. وهل هناك انهيار في الخدمات والتعليمية والصحية والإنتاج أكثر مما هو واقع اليوم.
وزعم قادة الانقلاب أنهم وبعد توفير الرخاء الاقتصادي واستتباب الأمن، سيعيدون الأخلاق الإسلامية للمجتمع السوداني، ويجعلون من الشعب السوداني نموذجاً لمشروع حضاري ينشروه في العالم أجمع.. ومن أجل هذا قاموا بوعيد أمريكا والاتحاد السوفيتي، القوتين الأعظم، إن هما وقفتا في وجه هذا النظام الحضاري الجديد.. ووعدوهم بالويل والثبور وعظائم الأمور وأنذروهم أن عذابهم قد دنا إلى آخر ما عرفة الشعب السوداني يومها من خطرفات وهوس.
تحدث البشير قائد الانقلاب، رئيس الجمهورية، لاحقا، في بيانه المشهور عن عزلة السودان التي تسببت فيها الأحزاب التي أنقلب عليها، وهو الذي أيد غزو صدام حسين للكويت فانتهي بمقاطعة دول الخليج له وحصاره. وهو الذي سعى لاغتيال الرئيس المصري السابق، حسني مبارك، في أثيوبيا فانتهي بتوتير علاقات السودان مع مصر وأثيوبيا معا مما أدى لاحتلال حلايب وشلاتين في الشمال، والفشقة وما جاورها في الشرق، إلى يومنا هذا., وهو الذي دعا كل التنظيمات الإرهابية الإسلامية على وجه الأرض إلى الخرطوم وقدم لها التسهيلات في الاستثمار وغسيل الأموال فانتهى به ذلك الصنيع إلى مقاطعة أمريكا وكندا والدول الاوربية له.. وأحتضن كل الجماعات المقاتلة في دول الجوار فأنتهى إلى عداوة كينيا ويوغندا وتشاد.. واستمر بعضهم في النظر إليه بعين الريبة حتى بعد مصالحته.. ولم يبق من مساند للسودان الإسلامي السني تحت حكم الأخوان المسلمين غير روسيا والصين الشيوعيتين وإيران الشيعية..
فالبشير، المشير الذي لم يحارب طيلة عمله العسكري غير أبناء جلدته، مطلوب الآن للمحكمة الجنائية الدولية في جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، مارسها ضد شعبه في غرب السودان، وجنوب النيل الأزرق، مما أنتهي إلى غياب السودان على مستوي رئاسة الجمهورية من المحافل الدولية، خاصة المتواجدة منها في أمريكا وكندا وأستراليا ونيوزيلاندا وأوروبا الغربية، فأصبح بذلك حبيسا داخل السودان ما عدا بعض الزيارات الخارجية المحدودة التي غالبا ما يقطعها ويعود منها خائفا من الاعتقال.
هل أحتاج هنا أن أذكر أن الجيش الأمريكي الذي يمتلك الأقمار الصناعية والسفن حاملات الطائرات التي تعمل بالطاقة النووية، وأحدث الطائرات المقاتلة والسفن الحربية والسيارات المعدة لكل أنواع الطبوغرافيا والمعدة بكل أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة ليس به مشير واحد، بينما أنعم البشير على نفسه برتبة المشير، بعد أن أتخم الجيش بالفرقاء واللواءات والعمداء، الذين أثقلت مرتباتهم وامتيازاتهم، سواء في الخدمة أو بعد التقاعد، كاهل دافع الجمارك والضرائب السوداني المغلوب على أمره.
ومن أبلغ الأوصاف لنظام الأخوان المسلمين المتهالك في السودان هو قول زعيم الأخوان يسن عمر الإمام حيث قال:
"والحركة الإسلامية دخلت السلطة وخرجت مضعضعة وفيها فساد شديد وفيها ظلم وأدت مفاهيم معاكسة للقيم التي تحملها للناس، وزارني بعض الأخوان بالمنزل وكان من ضمنهم حسن الترابي وقلت لهم بأنني أخجل أن أحدث الناس عن الإسلام في المسجد الذي يجاورني بسبب الظلم والفساد الذي أراه وقلت لهم بأنني لا أستطيع أن أقول لأحفادي انضموا للأخوان المسلمين لأنهم يرون الظلم الواقع على أهلهم “فلذلك الواحد بيخجل يدعو زول للإسلام في السودان، أنا غايتو بخجل"
والتجارة الآن امتلكتها الحكومة عبر شركاتها الخاصة واليوم الذي تنهار فيه الحكومة ستنكشف عورات كثيرة. أعتقد أن تجربة السودان جعلت المواطن العادي لديه ظن سيئ في شعار الإسلام ولا عشم له حوله، والمعاملة سيئة حتى مع أخوان الحركة الإسلامية بإذلالهم وسجنهم وقتلهم مما جعل بعضهم يذهب لدارفور ليقاتل ضد الحكومة.
وإستمر يسن عمر الإمام ليقول: -"السودان (شلت عليه الفاتحة) .. بكل أمانة بعتبر السودان مات.. فلا حدود جغرافية كما كانت ولا نسيجه الإجتماعي كما كان.. فإثيوبيا ذهبت بالفشقة ومصر بحلايب وحتى مياه النيل المصريون لا يرضون بنسبة السودان فيها ولا أن يسقى منها مشروع سندس الزراعي. السودان تناقص من أطرافه فولاية الجزيرة بدأ أهلها ينتظمون فى كيان ويطالبون بحقوقهم، وأنظر لما يحدث في شمال السودان وفى جنوبه وغربه."

هذا ولقد أوردنا من قبل فساد هذا التنظيم الذي يضحي بعضويته من المجاهدين حين ذكرنا أن الترابي قد قال إن التنظيم ناقش تصفية الناجين العائدين بعد محاولة اغتيال حسني مبارك. ونضيف هنا حديث كمال عمر القيادي في تنظيم الترابي (المؤتمر الشعبي) حيث قال: "كل ملفات الكبار سلمني لها الترابي.. من قتل ومن خان ومن سرق". (حوار مع جريدة المجهر السياسي)..
فليعلم الناس إذن، أن قادة هذا التنظيم يقتلون، ويسرقون، ويخونون، وأن هذا الرجل القانوني (كمال عمر عبد السلام) يعلم كل أولئك القتلة، والخائنين، والسارقين، ويتستر عليهم، تماما كما فعل كبيرهم الترابي من قبله.. هذا بالطبع قليل من كثير مما دعا القيادي على الحاج إلى كتمانه حيث قالها لزملائه في سياق آخر "خلوها مستورة"... وهي مقولة يعمل بها التنظيم في التستر على الفساد الذي يقوم بتوثيقه المراجع العام كل نهاية سنة مالية وهو فساد طال ديوان الزكاة، وهيئة الحج والعمرة، وغيرهما من المؤسسات الحكومية التي أدخلت مصطلح "تجنيب الدخل" لكيلا يتم تسجيله في اورنيك 15 للإيرادات المالية الحكومية فلا يستطيع بذلك حتى المراجع العام الاطلاع عليه. بل أكثر من ذلك حينما يكتشف المراجع العام أي فساد مالي لقادة التنظيم في الإيرادات المتحصلة بأورنيك 15 يقوم التنظيم بتبرئتهم مستعملاُ فقه (التحلل). فأنت إذن يمكنك أن تسرق المال العام، فإذا لم تكتشف كان وبها، وإذا تم اكتشافك فيمكنك استعمال فقه التحلل للخروج من المأزق.
فهل رأى الناس مثل هذه الأخلاق التي يرفع دعاتها أنفسهم نموذجا لمشروع إسلامي حضاري؟! هؤلاء الإسلاميون الذين يجدون المخرج، بهذه الأساليب الملتوية، لسارقي المال العام، يضيقون على بائعات الشاي ويجلدون النساء بدعوى مفارقة الشريعة الإسلامية. هذا ويمكن الاستفاضة في الاستدلال على فساد تنظيم الأخوان المسلمين الذي ملأ أرض السودان بما قاله دكتور الطيب زين العابدين، ودكتور التجاني عبد القادر، والأستاذ عثمان ميرغني، ودكتور حسن مكي، ودكتور محمد محي الدين الجميعابي، ودكتور عبد الوهاب الأفندي، وقياديو حركة "سائحون"، وأمثالهم من العالمين ببواطن هذا التنظيم الأخطبوطي العجيب.

خاتمة المطاف الرضوخ للشيطان الأكبر، أمريكا
وأخيرا، بعد كل التهريج والضجيج الذي قامت به حكومة الأخوان المسلمين بالدعوة ضد الولايات المتحدة، ووصفها بالشيطان الأكبر، وتوعدها بالويل والثبور وعظائم الأمور، وتصويرها بأنها سبب كل المشاكل التي حلت بالسودان، سعت حكومة النفاق سراً وعلنا لإرضاء الولايات المتحدة الأمريكية بكل سبيل.
فخرجت الاستخبارات الأمريكية تمتدح حكومة الخرطوم على تعاونها في الحرب على الإرهاب.. ولكن ماذا يعني هذا؟!! فبعد أن ادعت حكومة الأخوان المسلمين بأنها عاصمة الخلافة الإسلامية وراعية البعث الحضاري، جذبت إليها كل متهوس ومدعي للتدين وأعطتهم ميادين التدريب، وهيأت لهم سبل الاستثمار وغسيل الأموال، ولكن يبدو الآن أن الثمن الذي ستدفعه هذه التنظيمات المتهوسة مقابل تلك التسهيلات سيكون باهظاً.. فلقد ساومت حكومة الأخوان المسلمين امريكا على أسامة بن لادن ورغبت في تسليمه لها. كما ساومت على كارلوس وسلمته للحكومة الفرنسية. ولا نعلم الآن كم سلمت من قوائم "المجاهدين" ومعلوماتهم حتى رضيت عنها الاستخبارات الإسرائيلية، والاستخبارات الأمريكية، لتحسبها متعاونة في الحرب على الإرهاب.
خلاصة القول إن حكومة الإنقاذ قد انتهت إلى خطب ود أمريكا، ولم تعد تتحدث بتلك اللغة الغوغائية التي عهدناها فيها مثل "أمريكا تحت جزمتي" وغيرها، وأصبحت تبشر الشعب السوداني بقرب حل مشاكلة الاقتصادية والسياسية، وذلك لأن أمريكا قد أصبحت راضية عنها، وهي على وشك أن ترفعها من قائمة الدول الراعية للإرهاب.. ماذا جد يا ترى من أمر أمريكا؟ هل أسلمت أمريكا حتى ترضى عنها حكومة الإنقاذ؟ أم كفرت حكومة الإنقاذ بقيمها وعقيدتها فرضيت عنها أمريكا؟ وأين تلك الآية التي كانوا يتلونها في مساجدهم لدعم صحة موقفهم من مقاطعة الغرب لهم: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ......"؟!!!