مع وصول الامور إلى مراحل غير مسبوقة، فإن الحركة الاسلامية تعلم أن الذين يتربصون بها يتحينون الفرص للنيل منها و محاسبتها على سلوكياتها الاقصائية و القضاء عليها و مسحها تماما من الوجود
و هى تعانى مواجهات من كل النواحى داخليا و خارجيا لن تقدر علي التصدى لها اطلاقا فى المدى البعيد
لهذا فقد تتراجع تكتيكيا، مجبرة وليس اختيارا
و عندما تشتد عليها المواجهة الجماهيرية وتحاصرها نتيجة الانهيار الاقتصادى, الفساد و السقوط الاخلاقى الذى كشف زيف دعواها وهدد وجودها فسوف تلجأ الى أسلوب التقية
وتدبر انقلابا على السلطة يحمل فى ثناياه و رحمه بذورا و جينات تلقحت من صلب الاخوان المسلمين
فما تقيأ به البشير فى لقائه مع الرئيس الروسى يطلب فيه الحماية
و ما صرح به انه لن تحل الحركة الاسلامية الا بانقلاب و هو جزئ منها يشير الى ذلك
و يؤكد مهادنته و تودده الى الحركة الام
فهى لم تقطع معه شعرة معاوية, بل صبرت على خصومة سياسية فجرها فى البدء فى المنشية اواخر القرن الماضى , تحولت إلى مماحكات لم تصل الى صراع دموى داخل القصر, و تحملت منه ما تحملت من تقلباته في المواقف فى سبيل الحفاظ على السلطة
لهذا فخروجه على الملأ انه لا يمكن حلها يوضح خطأ من يفرق بين الحركة الاسلامية و بين جماعة تنظيم الاخوان المسلمين
فالحركة التى دربت إرهابيين و ضربت استقرار جيرانها وأشقائها في مصر و ليبيا و تشاد و تقاربت مع ايران و مدت حماس بالمال و السلاح و ساندت صدام حسين فى غزوه للكويت و حاولت أغتيال الرئيس المصرى حسنى مبارك على الأراضي الاثيوبية فى 27/06/1995 و اوت بن لادن هى نفس الجماعة و لن تتغير.
بعد حل المجلس التشريعى فى الجزيرة واعلان حالة الطوارئ ساد الصمت فى الدوائر السياسة
و لا أحد استطاع أو يريد مواجهة مشكلة دستورية حتى الان
و الذين رفعوا ايديهم استسلاما أمام القرار بحل المجلس التشريعى المنتخب و أبقاء الوالى المعين ثم هيئوا الآخرين للاستسلام أيضا وقبول الأمر الواقع يعلمون تماما ما يتم الاعداد له
و ما يتم الاعداد له ليس أعجوبة في عالم السياسة و الانقلابات فى السودان
فمن لا مقدرة ولا طاقة له على مواجهه الامور فلا بد له مرغما من التعاطي معها
لذلك لم يجد أعضاء المجلس التشريعى المتضررين من القرار إلا أن ينصاعوا و يفقدوا المنافع التى كانت ميسرة لهم مقابل مشاركاتهم الصورية
فالبشير رفض أن تتحول السلطة التشريعية فى الجزيرة الى منصة تنطلق منها جماعات تخلص منها فى السابق لتنتهز المواقف و تسجل نقاط تفتح شهيتها لخلافته
و ما نعنى هنا صراع طريدى القصر د. نافع و على عثمان
و الحيرة فى اروقة المؤتمر الوطنى يقابلها صمت من القوى السياسية التى ارتضت المشاركة فى الحكومة
و للأسف فالامر واضح و لا يحتمل التأويل
فالمجلس التشريعى استسلم كما استسلم قبله الآخرون خوفا من عداوة فاجرة معلوم نهاياتها
و قرارالرئيس جاء نتيجة تراكمات طويلة من الصراع الداخلى بين اعضاء الحركة الاسلامية الام (الاخوان المسلمين), استحال البحث عن حلول توفيقية لمشكلة دستورية تسد الابواب للقوى التى فقدت مواضع قدميها فى القصر لتعود و تتسلق من جديدد عبر نوافذ المجلس التشريعى فى الجزيرة
فالقرار الجمهورى المصحوب باعلان الطوارئ رسالة واضحة ومباشرة وصريحة وتحذيراً شديد اللهجة للذين يخططون لمرحلة ما بعد البشير ولقوى المعارضة الضعيفة أصلا مفادها إذا واصلت مشروعها فإن القادم أيضا هو نسخة من الماضى .
فالذى دار فى المجلس التشريعى فى الجزيرة كان اللحظة الفارقة لإعلان استراتيجية بدأ التحضير لها قبل فترة وتحديداً منذ تولي د. على الحاج أمانة المؤتمر الشعبى و دخول ابراهيم السنوسى القصر.
و تجدر الإشارة هنا إلى أن سياسة البشير الاستباقية لجز الرؤوس لا تزال تنطلق من ذات الثوابت التي ابتدعها فى صراعه مع الراحل د. الترابى, مع تغيير الأدوات التي تفرضها ظروف المرحلة التي لا تسمح له بالاكتفاء بردود الفعل الناعم أو انتظار النتائج
المرحلة الجديدة تقتضى إبتداع استراتيجية فضح و محاصرة الذين يمدون الرقاب ليقتربوا الى حدود ما حدث فى المفاصلة فى عام 1999.
الحركة الاسلامية تحاول الان إعادة توزيع الادوار لاستنهاض مشروعها فى السلطة بتعديل الدستور لاعادة ترشيح البشيرلدورة رئاسية جديدة رغم الانكار و الظهور بموقف المعارض
فعندما يحس البشير بأنه المستهدف شخصيا فلا أحد يتوقع منه البقاء على مقاعد المتفرجين حاملا اكليل من الورود لاعدائه, و ما فعله بالمجلس التشريعى فى الجزيرة خير دليل
والذين يرون سياسته و تدخله بحل المجلس التشريعى غير ذلك فعليهم اعادة النظر
الحركة الاسلامية تقود مواجهة ضد المشروع العلمانى باعتباره الخطر الأكبر عليها يستدعى فبركة انقلاب جديد يدعى الوطنية واللأ أيديلوجية تمهد له بعمليات غسيل المخ و شحن العقول لولاية جديدة تسير على قدمي و ساقى الحركة الاسلامية
فعلى القارئ الربط بين ما صرح به الامين العام للمؤتمر الشعبى بقدرته على القيام بانقلاب و ما قاله البشير بأن حل الحركة الاسلامية لن يتم الا بانقلاب.
و كلاهما يشيران الى انقلاب أخوانى قادم