في مسرحية رائعة بعنوان (لكل حقيقته) قدمتها اذاعة البرنامج الثقافي المصري ، ومثلتها صوتيا نخبة من كبار الممثلين ؛ قام برانديللو بطرح تساؤل الفلسفة التاريخي ، سؤال الحقيقة . ما هي الحقيقة ، واستطاع بيرانديللو ببراعة أن يطرح السؤال بحبكة بارعة ، نقلت التساؤل من نخبويته الى نطاق جماهيري عام . في المسرحية ينتقل بونزا وزوجته وحماته الى بلدة جديدة ليعمل في وظيفة حكومية ، يقوم بونزا بوضع حماته في شقة وحدها ، والسكن وزوجته في شقة في بناية مختلفة ، وهو يغلق على زوجته بالمفتاح ، ويمنع أي شخص من مقابلتها أو التحدث اليها ، ويسلط أهل البلدة السنتهم على بونزا وحماته فرولا وزوجته ، وهم يطرحون تساؤلاتهم الفضولية عن سبب منع بونزا لحماته من الحديث الى زوجته اي ابنتها... تتصاعد وتيرة النميمة من أهالي البلدة فيقوم جار بونزا ورئيسه في العمل بارسال زوجته وابنته لزيارة حماة بونزا فيرفض هذا الاخير الزيارة مما يغضب رئيسه فيشكوه الى المدير الأعلى ، واثر ضغط من المدير الأعلى يسمح بونزا لحماته بزيارة الاسرة ترضية لها وهناك تسأل زوجة وابنة الرئيس وباقي نساء البلدة فرولا عن الأسرار التي يخفيها بونزا ، وتأتي الاجابة الصادمة حينما تدعي فرولا بأن بونزا مجنون حيث يعتقد أن زوجته ابنة فرولا قد ماتت قبل سنوات وان الزوجة التي معه هي زوجة ثانية لا علاقة لها بحماته ، وعندما ترحل فرولا يدخل بونزا ويخبرهم ان فرولا مجنونة حيث تعتقد ان زوجته الحالية هي ابنتها التي ماتت قبل اربع سنوات ، وهكذا لا يعرف أهل البلدة من سيصدقوا ، مما يضطرهم للجوء الى المدير الأعلى الذي يفرض على بونزا فك سجن زوجته واحضارها لتحدد ايهما هو المجنون... تأتي الزوجة بالفعل ، وتخبر الجميع بطريقة آلية روبوتية ، بأنها ابنة فرولا ، تصمت قليلا ثم تخبرهم بأنها في نفس الوقت زوجة بونزا الثانية ، ثم تغادر المكان تاركة الجميع في صدمة بالغة بسبب عدم وصولهم الى نتيجة حاسمة.. 

إن المسرحية تبعث إلى الوجود ذلك التساؤل الأزلي الذي لم يتوقف أثره على جانبه الفلسفه فقط بل أثر كثيرا على العلوم الانسانية المختلفة كسؤال التاريخ والسؤال السوسيولوجي والسياسي على سبيل المثال. من الذي يحدد حقيقة التاريخ وحقيقة الخبر السياسي ، كيف نستطيع أن نصل الى حقيقة أن صدام حسين بطل أم دكتاتور ، وكيف نستطيع أن نعرف ما اذا كان محمد علي باشا طاغية أم مستنير ، وكيف نعرف حقيقة اسباب انهزام جيوش وانتصار أخرى ، وكيف نعرف الحقائق الاجتماعية التي تسبق انهيار حضارات كاملة ....الخ ، هذه الحقيقة الضائعة بين أصحابها وابطالها وشخصياتها ، ولها أنصارها واعداؤها ، وأخيرا السؤال الحتمي اذا ما كانت هناك حقيقة أساسا أم لا . إن المسرحية استطاعت بنجاح باهر تسليط الضوء على هذا الجدل التاريخي ، بفكرة بسيطة وحبكة متقنة ، وتساؤلات ابطال المسرحية العميقة .
مسرحية لكل حقيقته للكاتب المسرحي الآيطالي الكبير لويجي بيراندللو تستحق الاستماع لها من خلال اذاعة البرنامج الثقافي المصري . عبر قناة الإذاعة على اليوتيوب.

https://m.youtube.com/watch?v=PsefL7s_wuo

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.