ربما يرى البعض أن فكرة العودة الى الجذور وتفشي القبلية والعنصرية هي انبثاقات ناتجة عن الدكتاتوريات ، فلو وضعنا نظامنا الحاكم في السودان كنموذج فلا يسعنا إلا القول بأن توسع الكثيرين في اثبات جذورهم ونفي الآخر ما هو الا انعكاس لحالة الاحتكار للسلطة والثروة من قبل مجموعة اثنية معينة ، هذا هو الخط السائد منذ ما لا يقل عن الثلاثين عاما ، ونتج عن ذلك تفكك سريع لفكرة الأمة وانهيار الأحزاب السياسية الكبرى ووهن الثقة العامة في المنظومات والمؤسسات السياسية ، وبالتأكيد العنف عبر حمل السلاح والتكتلات القبلية ، والمحاصصات الاثنية كعلاج لأزمة حادة واجهت النظام .

ولكن يمكننا اليوم القول بأن علينا أن نعلن موت المبادئ .. بدلا عن موت الانسان من أجل المبادئ وهكذا يحيا الجميع .
هل هذه نزعة براغماتية وضعية مطلقة؟ أعتقد ذلك..أعتقد أن العالم كله يتجه الى ما بعد الأخلاق رويدا رويدا ، ففكرة خضوع الفرد لنسق يسجن فيه السلوك والتفكير يطلق عليه أخلاق ، قد صار أمرا غير مقبول. هناك دعائم تسند رأيي هذا ؛ كطغيان الرأسمالية والفردانية ، وتشيوء الإنسان ، مع اطار تكنولوجي معزز للعولمة والتوسع في علاقات تبادل المنافع واقتناص الفرص التي تمنحها اتجاهات التحرر الاقتصادي للقفز على الطبقة التي ينتمي لها الفرد. وكل هذا يمكن احاطته بمقولات ما بعد الحداثة ، أو فلنسم ذلك بما شئنا من أسماء..غير أن الخصيصة المميزة لعصرنا هذا هو تجاوز الأخلاق (كفكرة غامضة) وتجاوز المبادئ (كموجه للنشاط المادي والذهني للأفراد) . إن ما يحدث الآن من مقاومة للسلطة في كل العالم ، واقصد بها السلطة التي تحتكر العنف وتحتكر إدارة الموارد لأي اقليم وتحتكر رسم سلوك الافراد عبر احتكار سن القانون ، هي اكتشاف الانسان لخدعة بعض السرديات القديمة كالقومية والوطنية والشيوعية بل وحتى الليبرالية التي يستفيد الفرد منها أقصى فائدة والتي قتلت نفسها كفلسفة وابقت على روحها فقط.
ما بعد الأخلاق وما بعد المبادئ لا تعني أن البشرية تتجه نحو الفوضى بل تعني أن البشرية ستستبدل القانون بالأخلاق والمبادئ ، والقانون سيستند الى تشاركية البشر لنزع فتيل الصراعات ؛ لاحظ ذلك في النداءات السياسية التي باتت تستخدم مصطلحات مثل (المواطنة ، دولة القانون والمؤسسات، التعددية ، الاعتراف بالآخر...الخ) هذه المصطلحات تزيح (بخبث وخفية) أي خطاب أخلاقي ومبادئي لتكسب وتستقطب القبول العام ، فالمواطنة على سبيل المثال تمثل قمة التأسيس التشاركي على القانون ، ومن ثم تجاوز أي خطاب أخلاقي مثالي يتحدث عن التعايش ومحبة الآخر ، هنا تختفي القيم والأحكام الأخلاقية ، ويحل الرسم القانوني محلها ، أي تلك العلاقة شديدة الرسمية والتي تقر بحقوق وواجبات متساوية بين المواطنين . والاعتراف بالآخر هو نفسه طلب للاعتراف بالذات ، وهذا اسلوب لتبادل الاعتراف بالوجود بدون أي استجداء للتعاطف بل أقرب الى ما يكون الى هدنة بين قوتين متعادلتين تنحيان الى تقليل الأضرار من صراعهما. قد يتساءل البعض عن الردة إلى الجذور ؛ أليست نقلا للمطالبات للحقوق من الخاص للعام ، أليست هدما لما نقول من حيث كونها تغليب الفائدة الجماعية على الفائدة الفردية؟ وما أؤكده هنا أن هذا غير صحيح ، فحتى الخطاب القبلي هو خطاب ينزع الى استنفار قوى كل فرد داخل الجماعة من أجل تحقيق مصلحة لكل فرد ولكن عبر مطالبة جماعية تستفيد من قوة الجماعة ، فالأساس هو الاستنفار الفردي ، فخلافا للمؤسسات الحزبية ، والتي تتمتع بذاتية وشخصية معنوبة مستقلة عن خطابات اعضائها وخطاب آيدولوجي عام يتجاوزها هي نفسها إلى أمة أو قومية أو شعب فإن الخطاب الإثني هو خطاب أولا مغلق على هذه الاثنية ، وهو خطاب منفعي وليس آيدولوجي ، وهو خطاب يعتمد على القوة الجماعية المادية والعددية وليس على القوة الفكرية ، وهو خطاب يتعلق بمصلحة افراد المنظومة ولا يعنى كثيرا بمن هم خارج هذه المنظومة ، وهو يخوض صراعه علنا وبدون مواربة خلافا للصراع الذي تديره المؤسسات الحزبية كلعبة سياسية محضة وأخيرا فلا يشترط الاستناد إلى أي موقف أخلاقي للمطالبة بحقوق هذه الاثنيات بل يكفي الاطار الحقوقي المجرد ، خلافا للمؤسسات الحزبية التي غالبا ما تهتم بطرح أخلاقي ديماغوغي لاستثارة عاطفة الجماهير.
ما بعد الأخلاق وما بعد المبادئ حقيقة لا يمكن انكارها لمجتمعاتنا الحديثة حيث العقلنة والفردانية تسيطران او ستسيطران على السلوك والمزاج الانساني ، ومن ثم سينتهي ذلك الجدال حول قيم الخير والشر والحب والكراهية ...الخ لتحل محله قيمة واحدة هي الأنا تحت حماية القانون.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.