ورد ذكر كتير من الأقوام والحضارات البائدة في كتب كتيرة وأهمها القرآن الكريم .. فمنهم مثلاً لا حصراً العرب البائدة من أقوام عاد وثمود .. فكانت الحكمة الإلهية من ترك أطلالهم عقب إبادتهم بالتمام والكمال أن يكونوا عبرة وعظة لكل زي لب ولكل من ألقي السمع وهو شهيد.

وفي زماننا الذي يوصف بالأغبر في أحسن الأحوال .. ويوصف بزمان الآهة في أشعار حملت ما حملت من غرابة إلا أنها كانت تقدم أبسط العبارات التصويرية للغتنا وثقافتنا السودانية. في زماننا الذي تنكر لنا وأعرض مجافياً تجلت ظاهرة إندثار الأطلال. فلعمرى إن الناظر إلى قوائم الرحلات الجوية في كل مطارات الدنيا ليخالجه الشعور بحقيقة إندثار سودانير حاملةً معها إسم السودان أرضاً وشعباً إلي طائلة النسيان. فلا يستطيع الناظر أن ينشد شعراً أو أن يبكي قهراً علي أطلالها .. فلعله الرحول الطويل والصبر الجميل .. وقد خالني أن الناظر إلي ذات القوائم التي رصدت رحلات جوية تقصد كل فج عميق
ومن بينها العاصمة الحضارية التي كانت تعرف بملتقي النيلين أو الخرطوم .. خالني أن الناظر يري كل الدول مباهية بأعلامها وشعارات خطوطها الجوية الوطنية .. يراهم في حركة دؤوبة لكي تحط طائراتهم في كل بقاع الكرة الأرضية .. طائرات تحمل كل الألوان والأجناس من بني البشر ولا تميز بين تباين ألسنتهم أو معتقداتهم .. فتجد المسافرين متقاربين في مصفوفة فريدة تشابه إنتظام الذين آمنوا بسيدنا نوح عليه السلام داخل السفينة التي كانت منجاتهم ومهلكة كل من عتي وكفر .. طائرات تهمس مايكرفونات مقصوراتها بلغات الدول التي تمتلكها .. فهل تستثمر الدول في مجال الطيران للكسب فقط؟ أو أن للخطوط الوطنية لأي دولة ما معني ومغزىً آخر؟
وإن مما يعجز الخيال أن كل مطارات العالم بخلاف مطار عاصمتنا الحضارية تذخر بخيرات البلاد وتقدم كل سبل الراحة في حنكة تسويقية ليس للكسب فقط ولكن للمباهاة أيضاً بتقديم نموذج للحفاوة والمقدرة معاً .. فالمطار الخواء كمثل مطار الخرطوم الدولي ينبأ كل الزوار بأشياء لا تشبه وطناً بقامة السودان وأهله الذين أثنت عليهم حتي حجارة الأرض .. مطار يخبر عن فقر وجهل وإنعدام تام للمقدرة المالية والنفسية وفقدان الجدارة بإستقبال الماشية ناهيك بالإنسان ... مطار تمثل الألبان المجففة النسبة الأكبر في سوقه الحر منافياً كل الإحصائيات عن ثرواتنا الحيوانية وأخص هنا الأبقار .. والدهشة كل الدهشة عندما تري العمارات السوامق والسيارات الفاخرة علي حواف شارع المطار .. تبدو مبعثرة ويتبعثر معها ذهن الرائى، فيدرك من أول وهلة أن السودان بلد الكسب للذات لا العمل لرفعة البلاد جمعاء .. والله إن صالة مطار الخرطوم الدولي لا يرتضيها أي رجل سوداني مقتدر لإستقبال ضيوفه .. وإنها لتثير كل نعرات النفس وحميتها عندما يطالع بنو السودان نظرات الغرابة والإستنكار في وجوه الزوار .. حقاً أن القصيدة التي نظمها إسماعيل حسن متباهياً بالسودان وكرم أهله وغداقة خيراته أصبحت مجافية للواقع ووجب إدراجها في إرشيف الإرث التليد .. فلا طيراً أقيم صلبه ولا عزيزاً دام عزه ... وسنظل نردد ... بلادي أهلاً يا بلادي .. ألف تحية ليك من الفؤاد ... وأخيراً لا توجد أطلال أو منحوتات تدل علي ما كان يسمي بالناقل الوطني 'سودانير' ... فهل لنا من خبراء في علم الآثار وجوقة من خباء درء الكوارث لسطر واقع مرير بات ضبابي الملامح؟ وكان ليسعدنا لو أن إبادة سودانير تبقي أطلالاً نستهل بها ونهلهل بها أبيات لا يسمعها إلا من تحت الثري ..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.