مرت علينا هذه الأيام نفحات وعبق مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم والذى كانت إشراقات مولده نوراً ورحمة للعالمين حيث جاء بخاتمة الرسالات السماوية رسالة الإسلام .
ونحن فى هذه الذكرى العطرة لا نريد أن ننحو منحى الكثيرين فى أخذ سيرته والتأمل فى صفاته وأوصافه والتغنى بسيرته ومسيرته فقط بل سنذهب أبعد من ذلك حيث سنبحث فى الحقيقة المحمدية والنور المحمدى بداية الوجود والسبب فى كل موجود.
منذ أن رأته ام معبد وأخذت توصفه لنا أوصافاً دقيقة سار بها الركبان وتغنى بها شعراء المدح النبوى وأصبحت ام معبد مرجع مهم جداً للباحثين عن شمائله وأوصافه وللمحبين لسماع تلك الأوصاف بتكرار غير ممل فقد أضحت هذه الأوصاف تكشف عن بهاء غير طبيعى لسيد الخلق . يقول الحسين بن منصور الحلاج فى ذلك
(ﺳﺮﺍﺝ ﻣﻦ ﻧﻮﺭ ﺍﻟﻐﻴﺐ ﺑﺪﺍ ﻭﻋﺎﺩ , ﻭﺟﺎﻭﺯ ﺍﻟﺴﺮﺍﺝ ﻭﺳﺎﺩ , ﻗﻤﺮ ﺗﺠﻠﻰ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﻗﻤﺎﺭ , ﻛﻮﻛﺐ ﺑﺮﺟﻪ ﻓﻲ ﻓﻠﻚ ﺍﻷﺳﺮﺍﺭ , ﺳﻤﺎﻩ ﺍﻟﺤﻖ ﺃﻣﻴﺎًﻟﺠﻤﻊ ﻫﻤﺘﻪ ﻭﺣﺮﻣﻴﺎً ﻟﻌﻈﻢ ﻧﻌﻤﺘﻪ ﻭ ﻣﻜﻴﺎً ﻟﺘﻤﻜﻴﻨﻪ ﻋﻨﺪ ﻗﺮﺑﺘﻪ ﺷﺮﺡ ﺻﺪﺭﻩ , ﻭﺭﻓﻊ ﻗﺪﺭﻩ , ﻭﺃﻭﺟﺐ ﺃﻣﺮﻩ , ﻓﺄﻇﻬﺮ ﺑﺪﺭﻩ ﻃﻠﻊ ﺑﺪﺭﻩ ﻣﻦ ﻏﻤﺎﻣﺔ ﺍﻟﻴﻤﺎﻣﺔ ﻭﺃﺷﺮﻗﺖ ﺷﻤﺴﻪ ﻣﻦ ﻧﺎﺣﻴﺔ ﺗﻬﺎﻣﺔ ﻭﺃﺿﺎﺀ ﺳﺮﺍﺟﻪ ﻣﻦ ﻣﻌﺪﻥ ﺍﻟﻜﺮﺍﻣﺔ ﻣﺎ ﺃﺧﺒﺮ ﺇﻻ ﻋﻦ ﺑﺼﻴﺮﺗﻪ ﻭﻻ ﺃﻣﺮ ﺑﺴﻨﺘﻪ ﺇﻻ ﻋﻦ ﺣﺴﻦ ﺳﻴﺮﺗﻪ , ﺣﻀﺮ ﻓﺄﺣﻀﺮ ﻭﺃﺑﺼﺮ ﻓﺄﺧﺒﺮ ﻭﺃﻧﺬﺭ ﻓﺤﺬﺭ
ﻣﺎ ﺃﺑﺼﺮﻩ ﺃﺣﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺳﻮﻯ ﺍﻟﺼﺪّﻳﻖ ﻷﻧﻪ ﻭﺍﻓﻘﻪ ﺛﻢ ﺭﺍﻓﻘﻪ ﻟﺌﻼ ﻳﺒﻘﻰ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﻓﺮﻳﻖ ﻣﺎ ﻋﺮﻓﻪ ﻋﺎﺭﻑ ﺇﻻ ﺟﻬﻞ ﻭﺻﻔﻪ .
ﺃﻧﻮﺍﺭ ﺍﻟﻨﺒﻮﺓ ﻣﻦ ﻧﻮﺭﻩ ﺑﺮﺯﺕ ﻭﺃﻧﻮﺍﺭﻫﻢ ﻣﻦ ﻧﻮﺭﻩ ﻇﻬﺮﺕ ﻭﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﺍﻷﻧﻮﺍﺭ ﻧﻮﺭ ﺃﻧﻮﺭ ﻭﻻ ﺃﻃﻬﺮ ﻭﺃﻗﺪﻡ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺪﻡ ﺳﻮﻯ ﻧﻮﺭ ﺻﺎﺣﺐ ﺍﻟﻜﺮﻡ .
ﻫﻤﺘﻪ ﺳﺒﻘﺖ ﺍﻟﻬﻤﻢ ﻭﺟﻮﺩﻩ ﺳﺒﻖ ﺍﻟﻌﺪﻡ ﻭﺃﺳﻤﻪ ﺳﺒﻖ ﺍﻟﻘﻠﻢ ﻷﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﻗﺒﻞ ﺍﻷﻣﻢ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻵﻓﺎﻕ ﻭﺭﺍﺀ ﺍﻵﻓﺎﻕ ﻭﺩﻭﻥ ﺍﻵﻓﺎﻕ , ﺃﻃﺮﻑ ﻭﺃﺷﺮﻑ ﻭﺃﻋﺮﻑ ﻭﺃﻧﺼﻒ ﻭﺃﺭﺃﻑ ﻭﺃﺧﻮﻑ ﻭﺃﻋﻄﻒ , ﻣﻦ ﺻﺎﺣﺐ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ ,
ﻫﻮﺳﻴﺪ ﺍﻟﺒﺮﻳّﺔ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺳﻤﻪ ﺃﺣﻤﺪ , ﻭﻧﻌﺘﻪ ﺃﻭﺣﺪ ﻭﺃﻣرﻩ ﺃﻭﻛﺪ , ﻭﺫﺍﺗﻪ ﺃﻭﺟﺪ ﻭﺻﻔﺘﻪ ﺃﻣﺠﺪ ﻭﻫﻤﺘﻪ ﺃﻓﺮﺩ )
فى هذا القول إشارات متعددة لآيات كثيرة كلها تشير الى الذات المحمدية وسنحاول أن نميط عنها اللثام واحدة واحدة .
أما قوله طس فهو اشارة الى قوله تعالى (طس والكتاب المبين ) فهى كغيرها من الحروف المتقطعة التى تدل على اسم النبى محمد صلى الله عليه وسلم مثل قوله تعالى ( يس والقرءان الحكيم ) وقوله (طه ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى ) فالحلاج يشرح معناها ويوضح أنها تخص الذات المحمدية أو الحقيقة المحمدية أو النور المحمدى وهو أن النور المحمدى هو السابق فى الخلق ومنه خلق الكون وفى حديث جابر إشارة واضحة حيث سأل جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول خلق الله فقال عليه أفضل الصلاة والسلام ( نور نبيك يا جابر ) ومن هذا الحديث فهم الصوفية أن نور النبى صلى الله عليه وسلم هو بداية الخلق ومنه خلق الكون وأيضاً هناك حديث آخر فى نفس المعنى قال صلى الله عليه وسلم ( كنت نبياً وآدم بين الماء والطين ) وفى رواية ( كنت نبياً وآدم مجندل فى طينته ) وفى هذا المعنى يقول ابن عربى – (إعلم أيدك الله أنه لما خلق الله الأرواح المحصورة المدبرة للأجسام بالزمان عند وجود حركة الفلك لتعيين المدة المعلومة عند الله وكان عند أول خلق الزمان بحركته خلق الروح المدبرة روح محمد صلى الله عليه وسلم ثم صدرت الأرواح عند الحركات فكان لها أى لروح محمد وجود فى عالم الغيب دون عالم الشهادة وأعلمه الله بنبوته وبشره بها وآدم لم يكن إلا كما قال (بين الماء والطين ) وانتهى الزمان بالإسم الباطن فى حق محمد صلى الله عليه وسلم الى وجود جسمه وإرتباط الروح به فعند ذلك إنتقل حكم الزمان فى جريانه الى الظاهر فظهر محمد صلى الله عليه وسلم بذاته جسماً وروحاً فكان الحكم له باطناً أولاً فى جميع ما ظهر من الشرائع على أيدى الأنبياء والرسل سلام الله عليهم أجمعين ثم صار الحكم له ظاهراً فنسخ كل شرع أبرزه الإسم الباطن بحكم الإسم الظاهر لبيان إختلاف حكم الإسمين وإن كان المشرع واحد وهو صاحب الشرع , فإنه صلى الله عليه وسلم قال ((كنت نبياً )) ولم يقل كنت إنساناً أو موجوداً وآدم بين الماء والطين وليست النبوة إلا بالشرع المقرر عليه من عند الله فأخبر أنه صاحب النبوة قبل وجود الأنبياء الذين هم نوابه فى هذه الدنيا ) – الفتوحات المكية – فكل الأنبياء صلوات الله عليهم مستمدين من نوره من قبس مشكاته ولذلك لم تكن لنبى أو رسول شريعة عامة كما كانت له صلى الله عليه وسلم عامة لكل الخلق إنسهم وجنهم لأن نوره أتم وأشمل وهذا حجة على المجسمة الذين يرون أن الله قد يجعل رسالة الإسلام الى أى أحد غير محمد وهم يستدلون بقوله تعالى (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلىّ ) أى قصدهم ان الله يمكن أن يوجه رسالته الى أى بشر يختاره وهذا الكلام صحيح من وجه وباطل من وجه, فصحيح من حيث أن لله الأمر من قبل ومن بعد فمشيئته فوق كل مشيئة, وأما بطلانه من حيث حديثه صلى الله عليه وسلم أنه كان نبياً وآدم بين الماء والطين فانقضى الأمر من هذا الوجه ونفذ حكمه وحكمته تعالى قال تعالى ( يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39).
وأما قوله سراج من نور الغيب فهنا إشارة إلى قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46) وقد قال الله عن الشمس ( وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13 ) وقوله تعالى (﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً﴾ وقال فى القمر ( تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا (61 ) فانظر إلى عظمة الوصف الربانى لنبيه محمد حيث أخذ إسم الموصوف (السراج ) من الشمس وأخذ صفة (الإنارة) من القمر وترك صفة الشمس وهى الوهج الحارق وترك إسم القمر لأنه مجرد كوكب عاكس للضوء فكان صلى الله عليه وسلم سراجاً منيراً لكونه يضئ من ذاته وليس عاكساً للضوء وكذا ضوءه منيراً وليس وهاجاً حارقاً ولذلك كان سراج من نور الغيب وأما قوله – بدأ وعاد – فإشارة إلى قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (85) وإشارة إلى قوله تعالى أيضاً ( وتقلبك فى الساجدين ) .حيث كان نبيا فى الازل والباطن كما فى قول ابن عربى وعاد فى الظاهر فى عالم الأجسام.
وأما قوله سماه الحق امياً فإشارة إلى قوله تعالى ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157).
أما قوله – شرح صدره ورفع قدره – فإشارة إلى قوله تعالى ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)
أما قوله – وأوجب أمره – فإشارة إلى قوله تعالى (﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59 ﴾.) وقوله تعالى (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)
وأما قوله أضاء - سراجه من معدن الكرامة – فإشارة إلى قوله تعالى ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ( 15 ) ) فاذا نظرت الى الآيات ( طه* ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى ) وقوله ( يس والقرءان الحكيم ) وقوله ( طس تلك أيات القرءان وكتاب مبين *) سورة النمل وقوله ( ص والقرءان ذى الذكر ) سورة ص وقوله ( حم * والكتاب المبين *إنا جعلناه قرءاناً عربياً لعلكم تعقلون *) سورة الزخرف وقوله ( حم * والكتاب المبين * ) سورة الدخان وقوله ( حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم *)سورة الجاثية وقوله ( حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم *) سورة الاحقاف وقوله ( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2 ) سورة ق فكلها تشير الى علاقة النبى الأعظم صلوات ربى وسلامه عليه بالكتاب المبين الذى هو القرءان الحكيم ولذلك أشار إليه رب العزة ووصفه بالنور فى قوله ( لقد جاءكم من الله نور وكتب مبين ) فالنور هو النبى والكتاب هو القرءان فاقترنت أسماءه المختلفة عليه أفضل صلوات الله مع التسليم بالقرءان الكريم |(طه – يس – طس –حم – ق- ص) ولهذا أخذ الحلاج إسم طس إسم للنبى صلى الله عليه وسلم فأفهم وصدق وأعتبر .
وأما قوله – من معدن الكرامة – فإشارة إلى قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10
) صدق الله العظيم, فإنما هنا تدل على التوكيد فيا لها من كرامة وأى كرامة ويا لها من إشارة عظيمة من هذا العارف فان الله قد كرم نبيه حيث جعله مكانه فى المبايعة ولم يضع كأنما بل قال إنما يبايعون الله فيا له من تعظيم وقدر عظيم ورفعة ما بعدها رفعة .
كذلك فانه صلى الله عليه وسلم لم ولن يسب احد بعلم او معرفة كما فى حالة سيدنا موسى مع الخضر او فى حالة سيدنا سليمان مع اصف عندما طلب منه ان ياتيه بعرش بلقيس ولذلك قال ابا يزيد البسطامى (خضنا بحورا وقف الانبياء بسواحلها ) وهنا رضى الله عنه يقصد الكرامة وليس المقام فان الخضر عبداً من عباد الله واختلف فى نبوته بينما موسى نبياً مرسل فكان علم الخضر أكبر من علم موسى رغم أن موسى عليه السلام أعلى منه فى المقام وفى الدرجات وهناك قصة اخرى مثيلة لهذه القصة وهى فى قوله تعالى (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40 ) سورة النمل
فان سليمان عليه السلام نبياً فى قومه ومع ذلك طلب من أحد أتباعه وهو آصف أن يأتى له بعرش بلقيس ووصفه المولى تعالى بأنه عنده علم من الكتاب فلم يستطع سليمان أن يأتى بالعرش رغم ما أتاه الله من الملك والعزة وهذا دليل على أن العبد يمكن أن يصطفيه الله ويأتى بخوارق يعجز عنها الأنبياء رغم علو مقامهم عنه إلا فى حالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه اوتى كل شئ من كل شئ واصطفاه الله على العالمين فى كل شئ فلا يتجاوزه عبد مقرب فى مقام ولا علم ولا كرامة قال صلى الله عليه وسلم (إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا ) وأيضاً قال ( أنا أعرفكم بالله ) وقال تعالى ( وقل ربى زدنى علما ) وقال صلى الله عليه وسلم (أتاني الليلة ربي تبارك وتعالى في أحسن صورة فقال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت لا فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السموات وما في الأرض فقال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم في الكفارات والدرجات والكفارات: المكث في المساجد بعد الصلوات والمشي على الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في المكاره قال: صدقت يا محمد! ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه وقال: يا محمد إذا صليت فقل اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وتتوب علي وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون والدرجات: إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام. ) وقال أيضاً عليه أفضل صلوات الله عن ربه ( ضرب بيده بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثدي فعلمت علم الأولين والآخرين ) وقال صلى الله عليه وسلم (ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه) والقرءان فيه علم الأولين والآخرين قال تعالى (وما فرطنا فى الكتاب من شئ) فاذا كان هذا القرءان فما بالك بمثله معه ؟!.وقال صلى الله عليه وسلم (انا مدينة العلم وعلى بابها ) وقال صلى الله عليه وسلم (اوتيت جوامع الكلم ) وقد فسرها ابن عربى أن جوامع الكلم هو العلم الإحاطى والنور الإلهى. فهو النور الأقدس والسر الأنفس
وأما الأدلة من القرءان فكثيرة لا تحصى وسنتناولها فى مناسبات متفرقة فى هذه المخطوطة منها قوله تعالى (وإنك لعلى خلق عظيم ) والخلق هو رأس كل معرفة وقال تعالى (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك مالم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً) وقوله تعالى ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلى وحي يوحى) وقوله تعالى (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه و من خلفه رصدا) .فهو صلى الله عليه وسلم إمام المتقين وإمام العارفين وإمام الأنبياء وسيد الخلق قال عليه الصلاة والسلام (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) .ومناقبه صلى الله عليه وسلم لا تحصى وقد نتعرض لها من حين لآخر .

فأبا يزيد حتى يزيل هذا اللبس قال أيضاً ( غصت فى بحر المعارف حتى بلغت بحر محمد صلى الله عليه وسلم فرأيت بينى وبينه ألف مقام لو إقتربت من واحد لإحترقت ) قال أيضاً فى نفس المعنى ( عرج بروحى فخرقت الملكوت فما مررت بروح نبى إلا سلمت عليه وأقرأتها السلام إلا روح محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كان حول روحه ألف حجاب من نور كادت أن تحرقنى من أول لمحة ).
اذا فإن كلام أبا يزيد عاليه لا حرج فيه خاصة وإن القرءان تكلم عنه وقد أبنا ذلك رغم إن حجة الإسلام الإمام الغزالى أول كلام أبا يزيد الى معنى أن أبا يزيد يقصد أن الأنبياء وصلوا الى الساحل الآخر فبذلك يكونون قد سبقوا أبا يزيد فى العلم والمعرفة , وربما أراد حجة الإسلام أن يفسر الكلام على حسب عقول الناس فيتقبلونه ولا يتهمون أبا يزيد ولكن اذا نظرت الى قول أبا يزيد ( اذا أعطاك مناجاة موسى وروحانية عيسى وخلة إبراهيم فاطلب ما وراء ذلك فإن عنده فوق ذلك أضعافاً مضاعفة فإن سكنت الى ذلك حجبك به وهذا بلاء مثلهم ومن هو فى مثل حالهم لأنهم الأمثل فالأمثل) فبذلك يصبح ما ذهبنا اليه فى تحليل كلامه وإستدلالنا بالآيات هو عين الحقيقة .
يقول ابن عربى :
- كذلك لتعلم أيضاً أن هذه الحقيقة الكلية لا تتصف بالتقدم على العالم ولا العالم يتصف بالتأخر عنها لكنها أصل الموجودات عموماً وهى أصل الجوهر وفلك الحياة والحق المخلوق به وغير ذلك وهى الفلك المحيط المعقول فإن قلت أنها العالم صدقت أو أنها الحق أو ليست الحق صدقت تقبل هذا كله تتعدد بتعدد أشخاص العالم وتتنزه بتنزيه الحق –
قسم ابن عربى الوجود الى أربعة أقسام وجود مطلق وهو وجود الذات الإلهية الذى لا يعرف بزمان ولا مكان ووجود الحقيقة الكلية أو العقل الاول وهو النور المحمدى حيث كان أول الموجودات منه خلق الوجود كله , ثم الوجود الثالث وهو العالم أو الكون , الوجود الرابع وهو الإنسان فى صورته الآدمية أو الجسمانية .انظر الى قوله رضى الله عنه : - إعلموا أن المعلومات أربعة , الحق تعالى وهو الموصوف بالوجود المطلق لأنه سبحانه ليس معلولاً لشئ ولا علة لشئ بل هو خالق العلل وموجود بذاته من ذاته والعلم به تعالى عبارة عن العلم بوجوده ووجوده ليس غير ذاته مع أنه سبحانه غير معلوم الذات ولكن يعلم بما ينسب إليه من الصفات أعنى صفات المعانى وهى صفات الكمال وأما العلم بحقيقة الذات فممنوع إذ حقيقة الذات لا تعلم بدليل ولا ببرهان عقلى ولا يأخذها حد فإنه سبحانه لا يشبهه شئ ولا يشبه شيئاً فمعرفتك به تعالى هى أنه (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) و (يحذركم الله نفسه ) وقد ورد المنع فى الشرع فى التفكر فى ذات الله – انتهى
ثم وصف الوجود الثانى فقال : - وهناك معلوم ثان وهو الحقيقة الكلية التى هى للحق وللعالم لا تتصف بالوجود ولا بالعدم ولا بالحدوث ولا بالقدم .... الى أن قال : فلم يكن أقرب إليه تعالى قبولاً فى ذلك الهباء إلا حقيقة محمد صلى الله عليه وسلم المسماة بالعقل فكان سيد العالم بأسره وأول ظاهر فى الوجود فكان وجوده من ذلك النور الإلهى –
وقال أيضاً – وهناك معلوم ثالث وهو العالم كله الأملاك والأفلاك وما تحويه من العوالم , الهواء والأرض وما فيهما من العالم , وهو الملك الأكبر . وهناك معلوم رابع وهو الإنسان الخليفة الذى جعله الله فى هذا العالم المقهور تحت تسخيره قال تعالى (وسخر لكم مافى السموات ومافى الأرض جميعاً منه ) – الفتوحات المكية
بعد أن قسم ابن عربى الوجود الى هذه الأربعة أقسام فقد تحدث كثيراً عن الحقيقة الكلية أو العقل الأول كما يسميه وهو نور سيد البشرية محمد صلى لله عليه وسلم وأشار إليه فى كثير من المواضع فى سفره الخالد (الفتوحات المكية ) ويرى ابن عربى أنه صلى الله عليه وسلم أصل الموجودات فقد قال صلى الله عليه وسلم (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين ) وأيضاً فى حديث جابر حيث ورد : عن جابر بن عبد الله بلفظ قال : قلت يا رسول الله بأبى أنت وامى أخبرنى عن أول شئ خلقه الله قبل الأشياء قال (يا جابر إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك ) .
ويرى ابن عربى إن من هذه الحقيقة المحمدية ومن هذا النور الأزلى خلق الله الكون بما يحويه من سموات وأرض وما بينهما وخلق من طينة الأرض آدم عليه السلام فكان صلى الله عليه وسلم هو حقيقة الوجود ومن هنا جاء المفهوم المبدئى لنظرية وحدة الوجود عند ابن عربى والتى غلط فى فهمها كثير من الناس حتى من أنصار ابن عربى وظن بعضهم أن ابن عربى يقصد أن الله هو هذا الكون كله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
ولنختم مقالتنا هذه بذكر فضل الصلاة عليه ففى قصة ابى عبد الله الجزولى خير شاهد حيث ذكر انه كان يريد الوضوء للصلاة من بئر على الطريق فلم يستطع ان يخرج الماء من البئر ليتوضأ وفى تلك الاثناء فاذا به يسمع صت ضحكات فنظر فاذا هى صبية تقف على تلة فسألها ما الذى يضحكها فقالت : أنت الذى يثنى الناس عليك بالخير ولا تستطيع ان تخرج الماء من البئر ؟! ثم تفلت فى البئر فاذا الماء يفيض الى اعلا البئر فتوضأ الامام ابو عبد الله الجزولى ثم قال للصبية : أقسمت عليك بم نلت هذه الدرجة ؟ فقالت : بكثرة الصلاة على من اذا مشى فى البر الأقفر تعلقت الوحوش باذياله صلى الله عليه وعلى آله .
فأقسم الامام الجزولى أن يؤلف كتاب فى الصلاة على النبى فكان كتاب (دلائل الخيرات ) وهو أروع كتاب فى صيغ الصلاة على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم .
حماد صالح

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.