كتبت قبل سنتين بأن المقاومة الرومانسية للنظام عبر الاعتصامات لن تجدي فتيلا ، وبالفعل فشلت الاعتصامات المتتالية وصارت مجرد ابواق فيسبوكية لا قيمة لها.. الآن يعود التساؤل الذي يثير الجدل بين فريقين حول اسقاط الانظمة الدكتاتورية ،،فالبعض يرى حمل السلاح والبعض الآخر يرى خوض الانتخابات...قال المطالبون بحمل السلاح أن فكرة استخدام ادوات ديموقراطية في ظل نظام يتسلط على كل ادوات ومفاتح الدولة لتغيير ذات هذا النظام مجرد أحلام رومانسية غير منطقية وغير واقعية. ويرى الطرف الآخر أن الحرب مكلفة ولا تؤتي أكلها.

في الواقع كلا من الطرفين اصاب كبد الحقيقة ، فحمل السلاح ضد نظام يملك قدرة تعزيز قوته عبر استنزاف اموال المواطنين وموارد الدولة بشكل مستمر سيؤدي الى فشل ذريع. ونحن نشاهد بشكل واضح الان فشل اغلب عمليات التمرد ضد الانظمة في العالم. مالك عقار مثلا اعترف بقانون النظام والدستور الذي خطته بدرية سليمان بيدها واعترف بمفوضيات النظام ولجانه واعترف بهزيمته وعاد يجر أذيال الخيبة معلنا رغبته في خوض الانتخابات.. مافعله عقار ليس صوابا ولكنه ليس خطأ بل هو تقدير موقف خاصة اذا كان عقار صاحب مصلحة شخصية وليس صاحب مبادئ فقراره هذا صحيح تمام...اما ان كان صاحب قضية ومبدأ فقراره خاطئ تماما.. وهكذا يكون عقار قد اعترف أيضا بأنه صاحب مصلحة شخصية ليس الا ...
وعودا على بدء فإن اسقاط الانظمة لا يتم لا باستخدام ما يطرحه النظام نفسه من آليات وهمية لتغييره (انتخابات) ولا يتم بمجرد حمل السلاح.. تغيير الانظمة يحتاج أولا وقبل كل شيء الى قناعة أو مبدأ مفاده وجوهره هو أن اسقاط النظام ضرورة قصوى. أي أن يكون اسقاط النظام نقطة لا جدال فيها. ويحتاج اسقاط النظام الى التخلي عن أي مصالح شخصية ، كما يحتاج اسقاط النظام الى شجاعة ورغبة في التضحية.
آذا لم تتوفر هذه الشروط فإن اسقاط النظام يكون مجرد ادعاء زائف يستخدم لاستقطاب الجماهير لتعزيز قدرات المعارض التفاوضية مع النظام ومن ثم تحقيق الكثير من مصالحه الشخصية وهذا ما رأيناه من رموز الأحزاب السياسية المختلفة والحركات الحاملة للسلاح. ولقد لعب النظام على هذا الوتر جيدا وتجاوبت القوى السياسية مع اللعبة..
هذا ما كشف لنا عن زيغ الادعاءات الديموقراطية والتحررية لدى هذه القوى وان كنا ندرك من قبل -كشعب ومواطنين- ذلك الا أن هذا كان دليلا أخيرا وحاسما على شخصية المعارضة.
نعود الى كيفية اسقاط نظام جبان، وأقول جبان لأن أي دكتاتور يستخدم أقصى أنواع ودرجات العنف هو في الواقع جبان جدا..فليس اسوأ من لكمة الجبان شيء ، والأنظمة الدكتاتورية الجبانة تخاف من نسمة هواء يمكن أن تهدد استقرار ريشة عروشهم ، النظام الجبان يستخدم كل انواع الأسلحة المحظورة وغير المحظورة لابادة الشعوب ، لقد قال حميدتي مثلا في لقائه التلفزبوني أنه لن يتردد في ابادة كل دارفور من أجل تحقيق استقرار أمني للنظام ، وهذا خطاب يظهر كمية هائلة من الجبن والخوف من سقوط النظام عبر ابادة شعوب كاملة. لقد قال البشير بأنه جاء بالسلاح ومن يريد السلطة فعليه استخدام السلاح ، وهذا خطاب جبان أيضا ، لأن السلاح آلة قتل والشعب أغلبه أعزل ؛ وبالتالي أنت تستأسد على الشعب الاعزل ببندقية او مسدس..كما يؤكد ذلك قناعة البشير بأمكانية ابادة الشعب بالكامل بالسلاح اذا لزم الأمر حماية لسلطته.
وفي الوقت الذي يمارس فيه النظام ضرب جبال النوبة على وجه الخصوص ودارفور والنيل الأزرق وسكانها مجرد مواطنين عزل تحت مظلة رحمته المفقودة...نجده خائفا رعديدا أمام من يحتلون أراض الدولة من الدول الأخرى ، إن الأنظمة الجبانة واضحة المعالم ... والأنظمة الجبانة أكثر دموية وعنفا ويمكنها أن تزهق دماء الملايين من الشعب الأعزل من أجل البقاء في السلطة وأن تبيع لمن يدفع كبيع سيادة الدولة لقواعد عسكرية أجنبية او ارسال مرتزقة لدول أخرى ... هذه هي الأنظمة الجبانة.
كيف يتم اسقاط الأنظمة الجبانة؟
الأنظمة الجبانة ورغم الهيلمانة المحاطة بها هي في الواقع الأنظمة الأكثر هشاشة ، لأنها تعتمد على سيطرة الرجل الواحد ، فآن مات أو قتل تزعزعت أركان النظام ، وهي هشة لأنها تخالف القانون والدستور لكي تتمكن من الحركة ومن ثم فإنها لا تستطيع تحمل المؤسسية ، لذلك تنهار في ظلها كل مؤسسات الدولة وتصبح الدساتير والقوانين مجرد حبر على ورق. مما يخلق فوضى عارمة في الدولة ، وتؤدي الفوضى الى تعارض مصالح أفراد النظام ومن ثم احتداد صراعهم الداخلي لبناء مراكز قوى تؤثر على قرار القيادة العليا مما يعني انشقاقات متواصلة وانحيازات متواصلة من القيادة لأحد الأطراف ، والتخلي بالكامل عن أي مبادئ او شعارات كانت مرفوعة في السابق تحت أقل ضغط يوجه للقيادة ، مما يجعل القرار السيادي متقلبا فاقدا للاستقرار ، ومتخبطا ومن ثم غير متوقع.
نعم الأنظمة الجبانة هشة جدا ، ولكنها قوية ضد الشعب ،؛قاهرة وقامعة ودموية ، ولا تتهاون معه أو تحاول التفاوض معه ، بل تزيد من تشددها ، ونتيجة لانهيار المؤسسات وارتفاع حالة التذمر الجماهيري فإن هذه الأنظمة ترفع من مستوى القمع الشعبي لأن تلك هي الوسيلة الوحيدة لمنع انفلات الشعب من قبضتها. ويتحول النظام الجبان الى كومة من الأكاذيب المعلنة والمفضوحة عند اي مسؤول.
إذا كانت الانظمة الجبانة هشة ومع ذلك دموية ، فلا سبيل لاسقاطها لا عبر الانتخابات ولا عبر العمل المسلح بل عبر الارهاب ..
، والارهاب هنا هو حرب من نوع مختلف تهدف الى اثارة الخوف داخل قيادة الرجل الواحد هبوطا الى صفوف القيادات الأدنى عبر استنزاف قواهم العصبية والنفسية ، فعمليات الاغتيال تحقق أثرا ضخما جدا في نفوس قيادات أي نظام جبان ، بل وتزعزع ثقتهم في الأستار الأمنية الحديدية التي يحيطون بها أنفسهم ، مما يدفعهم الى بناء المزيد من الاستار والحصون منعزلين عن الشعب (المنطقة الخضراء نموذجا).. ولا تكلف المقاومة من أجل الحرية أو المعارضة الارهابية تكاليف باهظة كحمل السلاح المباشر ، فلا كلفة لها سوى قنابل صغيرة موجهة عن بعد ، وسيارات مفخخة ، وبنادق آلية لقنص أي قيادي ، بل أن هذه المقاومة الارهابية تقلل من الضحايا المدنيين ، وترهق النظام ، وتكشف حقيقة ضعفه لدى الشعوب التي كانت خائفة منه، وأيضا تسهل للشعب الخروج تحت حماية السلاح ، وتجعل القائمين على أمن النظام يفكرون الف مرة قبل مقاومة الجماهير أو محاولة قتلهم كما حدث في سبتمبر.
مع ذلك فإن المقاومة الإرهابية ليست بالسهولة المعروضة ، فهي تحتاج الى تنظيم عالي الدقة وعمل استخباراتي دؤوب وهادئ ، وملاذات آمنة مضمونة .
إن المقاومة الارهابية هي الآلية الوحيدة لاسقاط أي نظام جبان ، تخلخل اركانه..ترهق قياداته تستنزفه أمنيا ، وتجعل خياراته محدودة وترغمه على التفاوض وتقديم تنازلات جيدة .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.