ان منظومة الدولة الانقاذية لا تكترث لفناء روح من يعلن الحرب عليها , عداء هلال لاخوة الامس لم يكن خافياً على احد , ظهر ذلك من خلال خطبه التي بثتها الوسائط الاعلامية و الاذاعات , كان لاذعاً في نقده لمؤسسة الرئاسة الممثلة في نائب الرئيس , طيلة الفترة التي قضاها في منفاه الاختياري بدامرته في مستريحة , لم يتوقف يوماً عن رشق شركائه السابقين باقذع العبارات والاوصاف , وعندما بدأت مداهمته في مقر اقامته رشحت انباء عن مقتله هو ونجليه , لكن سرعان ما كشف صباح اليوم التالي عن مشهد نزول هلال من طائرة الحكومة مصفداً بالاغلال في مطار الخرطوم , لقد حرص نظام الانقاذ على احضاره حياً سالماً غير مصاب , لم ينل المرحوم داؤود يحي بولاد هذه المعاملة , ولم يجدها الشهيد الزبيدي ايضاً, هذا السلوك المهادن من النظام مع رئيس مجلس الصحوة الثوري , يجب ان لا يهمله المراقبون و المحللون للشأن السوداني , لان ما وراء الاكمة ما ورائها.

ذهبت بعض الاراء الى ان الشيخ هلال كان قد توصل سلفاً الى توافقات مع النظام , عبر سلسلة من زيارات وفود التفاوض و الاجاويد له , وعملية مداهمته و القبض عليه لم تكن سوى سيناريو صاغه واخرجه جهاز امن ومخابرات النظام , لتبييض وجه الحكومة الذي اسود جراء ذلك السيل الجارف من الشتائم التي كالها الشيخ هلال لرمزية سيادة الدولة , المتمثلة في نائب الرئيس حسبو , السيناريو الذي دفع ثمنه حميدتي , بفقدانه لساعده الايمن وصهره العميد الركن عبد الرحيم , فالتراجيديا التي حدثت في ذلك اليوم تؤكد جانب كبير من صحة هذا الزعم , وذلك من خلال ما طفح من معلومات عبر البرنامج الذي قدمه الاعلامي الطاهر التوم , في قناة سودانية اربعة وعشرين , والذي استضيف فيه حميدتي على الهواء من داخل دار عزاء ساعده الايمن , حيث بدت ولاول مرة علامة الحزن و الكآبة , على جه وزير دفاع النظام الحقيقي الفريق محمد حمدان دقلو , لقد عانى النظام كثيراً في الايقاع بين حميدتي وهلال في معركة حقيقية تكسر القلوب , حتى تحقق الهدف المنشود وهو ضرورة ايجاد عداء مستحكم بين اثنين يمتلكان كل تراسنة النظام العسكرية من جنود وسلاح وآليات , وقد حصل النظام على ما خطط له , وهو رسم صورة شيطانية لكل طرف عن الطرف الآخر , حتى ينام من يستظلون بقصر غردون في مأمن من بطش وحدة صف ابناء العمومة , كما ان احتفاظ النظام بهلال حياً فيه إشارة لمحمد حمدان بأنه لن يكون بعيداً عن شر الشيطان.
هنالك تحليل آخر لسيناريو مستريحة وخروج زعيم المحاميد من غير أذى من تلك العجاجة , يقول هذا التحليل ان ارهاصات المحكمة الجنائية الدولية لم تبارح مخيلة المتهمين من قبلها , الذين صدرت بحقهم مذكرات اعتقال سارية النفاذ الى حين كتابة هذه الاسطر , و اولئك الذين وردت اسماؤهم في تلك القائمة التي تم تداولها على نطاق واسع بين نشطاء الاسافير قبل اعوام مضت , لا سيما وان اسم هلال قد ورد بتلك القائمة , فالناظر الى الذين وجهت اليهم اصابع الاتهام من الانقاذيين بارتكاب جرائم حرب و جرائم الابادة الجماعية وجرائم ضد الانسانية , يجدهم يرتبطون بعلاقة مشوبة بالحذر و الخوف مع بعضهم البعض , وذلك تحسباً لشهادة الملك التي يمكن ان يتكفل بالادلاء بها احد هؤلاء الواردة اسمائهم في قائمة المطلوبين , و بذلك يتم تميهد وتعبيد الطريق الى استصدرا مزيد من مذكرات الاعتقال من محكمة الجنايات الدولية , ربما هذا الواقع المنذر بالخطر هو الذي أدّى الى حرص هؤلاء المطلوبين دولياً , في ان يكون الخلاف بينهم ذو سقف محدد , وان يكون هنالك خطاً احمراً يفصل بينهم وبين لاهاي على خطواتهم الا تتعداه , و كأني اراهم قد أقسموا على ان يموتوا جميعاً ميتة واحدة , داخل اوكارهم اذا كان لابد مما ليس منه بد , و ان لا يكون لاحدهم حق يمتاز به على الآخر في استشناق اكسيجين الحياة.
عندما القت اجراءات محكمة الجنايات الدولية بظلالها على المشهد السياسي في السودان , منذ ذلك اليوم ازدادت وتيرة التشبث بالسلطة من قبل الانقاذيين , تلك الاجراءات التي وضعت قيود مكبلة لرموز السلطة الانقاذية , مما جعلهم يرهنون كل محاولات الاصلاح و التحول الديمقراطي وقضايا السلام , بمصائرهم الذاتية و مستقبلهم الشخصي , فبعض المراقبون يرون ان اكبر معيق للخروج السلسل للشعب السوداني من عنق زجاجة الانقاذ , هو هذه المحمكة الجنائية وممارستها لمهنتها و مهنيتها تجاه ساسة ما زالوا يجلسون على كرسي الحكم , مما حدى بهؤلاء الساسة ان يرددوا المقولة الشعبية (كيف لمن بيده القلم ان يكتب على نفسه شقي) , فالتنازل عن السلطة بالنسبة للانقاذيين بعد ان اصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رؤوس كبيرة منهم , يعني الاعتقال و التقدم بقدمين ثابتتين نحو دهاليز لاهاي , ليس هذا وحسب , بل اضحى الانفراج في العلاقات السودانية الامريكية , وانفاذ خطوات الرفع الكامل للعقوبات الاقتصادية الامريكية عن السودان رهيناً بهذه الظلال الساقطة من صفق شجيرة محكمة الجنايات الدولية على ارض الواقع السوداني.
فهل دخل موسى هلال بهذه السيناريوهات الى جوقته , تطبيقاً للمثل القائل (عيال ام قطية دنقرهم واحد) و(العرجا لمراحها), ام انه سيصمد امام رفقاء الامس و يتحمل اذاهم في سبيل ابقاء جذوة الفكر الصحوي متقدة , املاً في اضفاء نوع من الولاء الوجداني تجاه مجتمع دارفور العريض , ذلك المجتمع المتسامح بطبعه , و الذي لم يعرف خبث الساسة وتآمرهم , الا بعد ان اندلعت هذه الحرب اللعينة في ربوع ارضه , فقذفت راجمات الكاتيوشا قراه واحيائه , وهو ينظر الى بؤر انبعاث النار والدخان , متسائلاً في براءة معهودة , ما الذي جناه حتى يكون هدفاً تنتاشه سهام مركزية الدولة من الخرطوم ..!!!

اسماعيل عبد الله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.