الإسلام في أساسه دين وعقيدة:
الإسلام في أساسه وأصله دين، وعقيدة، و رسالة تدعو إلى التسليم لله، و التوحيد عبودية و ربوبية، وتربط من بعد بين جماعة المسلمين وربّهم، متى ما تعاونوا على البر والتقوى، شأنهم في ذلك شأن كل مجموعة متجانسة تتعايش في محيط جغرافي وزماني واحد، وتنهل من ذات المصدر الثقافي والمعرفي. ومن الطبيعي، إذا صَدقت العقيدة وخلصتْ وصَفَتْ، أن ينداح نتاج ذلك في حياة الإنسان من حوله، وفقا لقواعد التدافع الطبيعي السلمي الرضائي بين الأفراد والمجتمعات.

انتهاء الدولة الدينية بانقطاع الوحي:
في البداية كان القائد الفعلي للمجتمع المسلم هو الرسول النبي محمد، صلى الله عليه وسلم (ص)، وبعد وفاته بدأت أول دولة مسلمة لا يقودها نبيٌّ أو رسول يدعمُه وحيٌ مباشر من السماء، وكانت هذه الدولة الوليدة بقيادة أبي بكر الصديق، بعد انقطاع الوحي بوفاة الرسول الكريم (ص). في زمن الرسول الخاتم (ص) وتحت قيادته كانت الدولة "دينية"، يتنزل على قائدها الوحي من حين لآخر، يضيف إلى تشريعها، ويعدل فيه، بما يحدد الطريق و يوجه المسار، بينما يضمن الرسول (ص) استمرارية الدولة، قيادةً وتشريعاً، فيما بين فترات نزول الوحي، من خلال رابط الطاعة الواجبة بين القائد و أفراد الأمة الوليدة، بتوجيه من الوحي نفسه، المتمثل في كلام الله المباشر في القرآن الكريم، وتوجيهات الرسول (ص). أما في زمن أبي بكر الصديق، فقد انقطع الوحي، وتحولت الدولة إلى دولة غير دينية، برغم اهتدائها بقيم الدين وتعاليمه، من خلال التزام أفرادها بهذه القيم وتلك التعاليم. فقائد الدولة أبوبكر لم يكن بنفسه مصدراً تشريعياً، بل يعتمد على النقل من القرآن والسنة، يهتدي بهما ويهدي الأمة.

عناصر الدولة المسلمة منذ عهد أبي بكر هي عناصر الدولة اليوم:
ومهما كان الارتباط بقيم الدين وتعاليمه أقوى في فجر الإسلام وصدر دولته، مقارنة بحال المسلمين اليوم، إلا أن الشبه الهيكلي والفكري بين الدولة المسلمة اليوم، ودولة الاسلام الأولى (غير الدينية) بقيادة أبي بكر، يظل في أساسه وأصله النظري الإسلامي كما هو، ذات الدولة. ويتمثل هذا الشبه في عدة أوجه منها مثلا اختيار قائد الأمة ورأسها، فقد مارس المسلمون نهجا شوريا في اختيار أبي بكر، مهما كان ذلك النهج بدائيا في نظر أي مراقب معاصر لطرق اختيار الرؤساء اليوم. إلا أنه في زمانه كان نهجا معقولا، سواء من حيث المقبولية و تحقيق التراضي، وفقا لعرف أهل زمانه، أو من حيث النتيجة العملية، إذ أن ذلك النهج الأول، بجانب القبول والتراضي بين الأغلبية، كان مفضيا إلى الاستقرار والسلم المجتمعي، وهي ذات النتيجة التي يُفترضُ أن تنتهي إليها المناهج الحديثة وعلى رأسها الانتخاب الديمقراطي، حيث تجتمع الأغلبية على خيارات معينة، تفضي إليها الانتخابات الحرة النزيهة، و تقبل بها الأقلية، التزاما بالقانون المنظم لمنهج الاختيار والانتخاب ونتائجه، بما يؤدي إلى التراضي العام، و من ثمّ السلم والاستقرار.

الجدل حول الدولة الدينية جدل وهمي:
وفقا للتحليل المتقدم فإن الجدل حول قبول أو رفض الدولة الدينية، يضحي جدلا بغير محلٍّ أو موضوع، بل يقوده التوهّم دون الحقيقة. ذلك لأن الدولة الدينية في الإسلام قد انتهت بوفاة الرسول الكريم (ص)، دون انتهاء دعوة الإسلام ولا قيمه أو تعاليمه. فالدولة الدينية في تقديرنا، لا تكون كذلك (أي دينية)، إلا بوجود رابط توجيهي (وهو الوحي) يكون متصلا بين الله والحاكم، وهو ما انتهى بوفاة الرسول الخاتم، الذي ترك للأمة، برغم ذلك، قدراً من التعاليم والقيم التي يجب على المسلم الاهتداء بها في تسيير شئون حياته كلها، وفي تكييف وعيه وتفاعله مع الكون من حوله.

العبرة بقيم الإسلام وتعاليمه، لا بأي (صفة) تصطبغ بها الدولة أو يتمسى بها الفرد:
لا يهتم الإسلام بالأسماء إلا بمقدار دلالتها على معان وقيم بعينها، وليست الأسماء إلا وسيلة من وسائل التعبير والتدليل، فهي ليست غاية ترتجى في حد ذاتها. وبهذا المعنى فلا يهم أن تتسمى دولةٌ ما بالاسلام أو لا تتسمّى به، حتى وإن دان غالبُ أهلها بدين الإسلام مصدرا للقيم والتعاليم، أو التزموا به عقيدة ودينا. الذي يهم في رسالة الإسلام هو المعنى، مثل معاني الحرية والعدالة والخير والإحسان والمساواة و الصبر والكرم والتكافل، وغير ذلك مما يتصف به الفرد، أو تتصف به الجماعة، أو نظام الحكم.

ليس ضروريا أن يكون الإسلام المصدر الرئيس للتشريع:
وبتطوير هذه الفكرة، فلا يهم أيضا النصُّ على كون الإسلام هو المصدر الرئيس للتشريع في الدولة، ما دام القانون الأساسي، أو الدستور، لا ينص على منع الإسلام من كونه ذلك المصدر، أو ينص على كونه مصدراً من جملة المصادر المعرفية الأخرى المرتضاة في الدولة المعنية. وترتكز هذه الفكرة على النتاج الحتمي للاهتداء بقيمة الحرية في الإسلام. فإذا كان الفرد حراً فلابد أن يكون جميع أفراد الدولة أحراراً، وينتج عن ذلك حرية في اختيار القواعد التي تحكم الحياة العامة، مثل أحكام الدستور وأحكام القوانين. بل إن الإسلام يمنح الحرية في ما هو أخطر من الدساتير والقوانين، كما هي الحال في حرية العقيدة و حرية الدين نفسه، وهذا أبلغ خطراً من حرية اختيار القانون، لأن القانون لا يمس الضمير بالتشكيل والتوجيه، وإنما يكتفي بالأفعال الظاهرة للمكلف، دون قلبه أو عقيدته.

النتيجة:
وفقا لهذا التصور المتقدم (نهج الإسلام المعاصر)، فإن الإنسان المسلم يصطفّ مع غيره من بني البشر في ذات المضمار السياسي أو النظام الحاكم، في أي مجتمع سياسي، بناء على ذات الأسس المتبعة في التنافس على السلطة وتداولها، لا يتميز على الآخرين في ميدان العمل العام إلا بمقدار مقبولية المعاني التي يدفع بها في سوح التنافس المختلفة و جاذبيتها للناخب، بما ينتج عنه اختيارٌ شعبي يمنح تلك القيم مشروعية سياسية عامة.
ويقال عن العلمانية ما قيل هنا عن الإسلام في هذا الصدد. فالعلمانية لأغراض هذا الطرح إما أن تكون علمانية حوَّاء (Inclusive)، لا ترفض الإسلام أو أي فكر آخر رفضاً مبدئياً تعسفياً مسبقاً، أو أن تكون علمانية إقصائية (Exclusive)، تشترط للتعايش السياسي أن يتم أولا إقصاء الدين من الحياة العامة بصورة تعسفية، بدلا من إتاحة التنافس العادل معه على حد سواء. وفي حالة العلمانية الاقصائية فلا مجال للحديث عن أي دور للإسلام في الحياة العامة، إذ ينتهي هذا الطرح ويعقم تماما. أما في حال العلمانية الحوّاء، فيكون الإسلام، وتكون العلمانية الحواء هذه، وغيرهما من الأفكار والمصادر المعرفية، ضمن الخيارات التي يتنافس عليها وحولها الناس في مختلف الميادين العامة، بعدالة وحرية ومساواة.
وحتى تتضح الصورة أكثر، فإن للمسلم، كما لغيره، مطلق الحرية في تقديم القيم التي يختارها للتنافس بها ضمن جملة القيم المطروحة في الساحة العامة. وتقتضي شروطُ الاستقرار التواضعَ على خيارات الإغلبية، سواء كانت هذه الخيارات متوافقة مع خيارات الإنسان المسلم أو لم تكن، إذ العبرة بمقدار شعبية هذه الخيارات أو تلك. وكلما كان حجم الأغلبية أكبر كلما كان مقدار الاستقرار أكبر، حيث يتناسب الاستقرار طردياً مع حجم الرضا الشعبي للجماهير، وهو رضا لا يمكن رصده إلا من خلال نظام انتخابي أو استفتائي حر ونزيه، ومتى ما تحقق ذلك فسوف يؤدي إلى استقرار الجماعات واستقرار الدول، فتفرغ من بعد لمهام التطوير و النماء والنهضة.

أحمد كمال الدين


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.