كما قلنا من قبل ان نظام الانقاذ سوف يسقط بعامل التفتت الداخلي , و الفشل الذريع في التلكوء وعدم الاستجابة لمتطلبات المواطن الغلبان , والان بدأت بوادر هذا التآكل و الانهيار تلوح في افق مظاهرات الخبز و الرغيف , فالى وقت قريب كان تحدي منظومة الانقاذ مع المعارضين لها هو السفسطة السياسية و التنظير الفطير والتبجح وتسطيح الرأي المناويء لها , اما اليوم فقد اصبح التحدي بينها وبين المواطن في الطعام ولقمة العيش , الأمر الذي لن يصبر عليه أحد كبير كان او صغير , فعندما يفشل الحاكم في توفير رغيف الخبز لمواطنيه , فانه يكون قد كتب على نهايته بنفسه وذلك بتجويعه المتعمد لشعبه , مع سبق اصراره وترصده لمواطنيه , فالجوع كافر و لا يترك للمرأ مثقال ثانية من صبر , ففراغ البطن من الغذاء يصيب كل اجزاء الجسم بالشلل , ابتداءً من المخ و الاعصاب , فلا إيمان ولا رحمة لجائع ولا انتظار , فمع جفاف الريق يصبح كل شيء مباح ومتوقع , فالموت هو الموت , سواء كان بطلق الطاغية ام بغول فراغ المعدة , لقد صبر الناس على كل المخازي التي اوصلتهم اليها منظومة البشير , لكنهم لن يستطيعوا مع شح رغيف الخبز ان يمدوا حبل هذا الصبر طويلا , فقد بلغت الروح الحلقوم و الجميع اليوم ينظرون , فولي الامر لا تصدق ولا منح رعيته جوالاً من القمح ليكملوا به صنيع وجبتهم , بل كذب عليهم وتولى , و باعهم وهم الوعود الخائبة , بدعاية رفع الحظر الاقتصادي عن البلاد , تلك الرواية الكذوبة و الالعوبة الساخرة من سذاجة وطيبة شعب تكسوا هامته البساطة , فاليوم قد اوصل المواطنون رئيسهم الى باب الخروج , ممزقين كل اوراق وعوده الزائفة لهم بانه سوف يقوم بتحسين احوالهم , واحسان مآل حالهم المعيشي.

منذ ان تحرك قطار الانقاذ من قبل ثلاثة عقود من الزمان , لم يدع كل ما من شأنه تخريب الارض و الزرع و النسل , الا و قام بفعله وباجادة وبراعة وتفنن , لقد دهست هذه القاطرة على بذرة كل نبت في مهد مراحل نموه الاولى , فبترت مشاريع الانتاج من جذورها , واغلقت المصانع العملاقة و شردت ارباب الاسر , وساهمت بوعي خبيث في افشاء رذائل السلوك البشري السالب , في اوساط المجتمع الذي تميز بالكرم و الشهامة و الجود و الفزعة , فهذه القاطرة الانقاذية أتت بما لم تأت به سابقاتها من منظومات الحكم المركزية في بلادنا , ففي عهدها اصبحت الرذيلة تمشي بجرأة فاضحة في طرقات المدن و القرى و البوادي , ولاول مرة في تاريخ البلاد التي عرفت في السابق بجودة صادرها من الثروات الزراعية و الحيوانية , ان تحولت الى تصدير الهوى الى مراكز التجارة الاقليمية و العالمية , فالانحطاط لازم هذه المنظومة الظالمة في حلها وترحالها , شوّهت سمعة شعب وارض كانت لوقت قريب مضرب مثل في العفة و حسن السيرة و براءة السريرة , ولكأنما جائت هذه الجماعة من اجل خوض معركة ثأرية مع شعبها المسكين الطيب و المسامح , فقد اندست في جسد الوطن و المواطن كخلية سرطانية قاسية النمو و التمدد , عنيفة الفتك بالخلايا الطيبة التي تساكنها ذات الجسد , فتّاكة بكل من يقترب منها من اصحاب الهمم و النوايا المفيدة , ناشرة انشطتها السرطانية هذه في كل مكان يحاول ان ينبض بالخير و بالحياة.
ان ضريبة تغيير الانظمة الطاغوتية غالية وباهظة الثمن والتكاليف , فبقدر ما تم من تدمير للارواح و الممتلكات من قبل هذه الجماعة الباطشة , سيكون المقابل في ازالتها من على ظهر هؤلاء الفقراء الجائعين ذو عبء كبير وحمل ثقيل , فالدماء التي سالت في جبل مرة و جبال النوبة و كجبار و بورتسودان , هي جزء يسير من مهر التغيير وازالة قوى الظلم و العدوان , فبعد القهر الذي مورس بحق هؤلاء البؤساء من ابناء الشعب السوداني , من المؤكد ان ردة فعلهم ستزداد عنفاً وقوةً في مواجهة هؤلاء الظلمة الفاسدين , فقوة ارتداد السهم الذي يقذف به القاهر على صدور الفقراء و المساكين عظيمة وخارقة , وهي كفيلة باذابة كل هذه القمم من جبال الطغيان التي بناها و أسس لها الدكتاتور , فشاشة جهاز قياس اداء قلب هذه المنظومة الانقاذية يميل رسمه البياني الى الخط المستقيم , الذي هو اشارة الى التوقف و مفارقة الحياة , وقريباً انشاء الله سوف يحتفل الغلابة بغياب شبح الموت و الجوع و المرض الى الأبد.
اليوم اكتملت كل اركان ثورة الجياع , تلك التي حدثتنا عنها الحقائق التاريخية , و التجارب الانسانية على مر العصور الماضية , فالشعوب السودانية عانت كثيراً من ويلات الحروب في اطراف البلاد , ومن شح الغذاء و غلاء الخبز و المواد الاستهلاكية في المدن الكبيرة , ففي الماضي القريب كانت المعاناة على اشدها , في المناطق المتأثرة بالحرب في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الازرق , لكن اليوم اصبح الجميع مشدودون بحبل مشنقة الانقاذ و مجملهم بين الحياة و الموت , وهذه المعاناة الشاملة هي الترس الذي سوف يعجل بكنس جماعة الهوس الديني الى مزبلة التاريخ , كما يقول المثل الشعبي : ( موت الكتيرة عرس) , فقريباً سوف تدق الدفوف و يخرج محمد احمد المسكين من حالة الحزن و الفقر و الفاقة التي لازمته عدداً من السنين , وسيحتفل بانتهاء دور آخر سادن من سدنة هذا النظام الباطش , فختام هؤلاء الظلمة سيكون بيد هذا المحمد احمد وليس بيد احد غيره , فهو الجدير بان يتوج نفسه بشرف ازالة الطاغوت الذي جثم على جسد أمة الامجاد اكثر من ربع قرن مما نعد..


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


/////////////////////