لقد طفح الكيل و نضبت مصادر العيش الكريم , وصار الجميع يلهث وراء الحصول على شيء يسد الرمق , والمأساة الأنسانية الأكبر كامنة في تضرع الاطفال لذويهم , بان يأتوا اليهم بما تشتهيه انفسهم البريئة , وهذا من اشد حالات النفس أسىً وحسرةً , عندما يفشل الاب وتستسلم الام عن تلبية ابسط حاجة لاطفالها , وبالاخص اذا كانت هذه الحاجة اشتهاء الغذاء و الطعام والشراب , فما اعظم مصيبة الاباء و الامهات في وطننا المصاب بعلل الحكام و اخفاقات اولياء الامور , فكيف لبلد يتمتع بارض خصبة شاسعة واسعة تجري من تحتها الانهر و الاودية و الخيران , أن يموت انسانه من الجوع و العطش وضيق ذات اليد , لا تحدثوني عن البترول و الذهب و اليورانيوم , ان الماء الزلال و التربة الخصبة , هي الثروة الاثمن والاغلى من جميع معادن باطن الارض , وهنا من حقنا ان نتساءل , ماذا كانت تفعل ادارات البلاد المتعاقبة منذ فجر استقلال الوطن ؟ مع ان ارض السودان كانت ومازالت مؤهلة لاقامة مشاريع زراعية اضخم من مزارع ولاية تكساس الامريكية , فكل وطأة قدم في مساحة هذه الارض المعطاءة حبلى بنوع فريد من محصول الذرة و الفاكهة و الخضار , وكثيراً ما اصاب بالدهشة عندما تتناقل الاخبار مسألة ايقاف استيراد الفاكهة من مصر , هل نحن عاقلون وراشدون بحق وحقيقة ؟؟, ما الداعي الى استيراد الفاكهة من مصر ؟؟ , ان مساحات مصر الزراعية اقل بكثير من آلاف الهكتارات المربعة لدينا , المهيئة والجاهزة لرمي بذرة اي شيء ليبذر و يستوي و ينتج , ان عملية تصدير الفاكهة لو تعلمون أسهل من السهولة , فهي فقط عملية تعبئة وتغليف وبرادات وطريق سالكة الى ميناء بورتسودان , ان فائض فاكهة المانجو التي يصيبها التلف في ابوجبيهه في نهاية كل موسم , كفيلة باضافة قيمة (دولارية) معتبرة للميزان التجاري للدولة , اذا تم تصديرها لدول النفط , لكن كيف لنا اسماع صوتنا الذي بح الى اداراتنا الفاشلة التي اصابها الصمم و البكم.

هل تعلم عزيزي المواطن ان السودان مصنف في المرتبة الثامنة من اصل افقر عشرة دول في العالم , بناء على تقرير صندوق النقد الدولي , وفي المرتبة السابعة من اصل اكثر عشرة دول فساداً في الدنيا , وحصل على مقعده في المرتبة التاسعة دولياً , في قائمة اكثر عشرة دول تتفشى فيها الواسطة و المحسوبية , بحسب منظمة الشفافية الدولية , و هذه الارقام القياسية في الفشل و التدهور و الاضمحلال , تفاقمت ووصلت الى هذا الحجم التراكمي المدهش بفضل سياسة نظام الانقاذ , فهل من الحكمة ان يرجى من هكذا نظام اصلاح حال البلد المائل , انا استغرب لمشاهدة وسماع رئيس مثل البشير وبعد كل هذا السقوط و الانيهار , ان يأتي ليتحدث عن ترشيحه لنفسه في الانتخابات القادمة , ماذا سيجني الناس من ادارته التي اوصلتهم الى هذا المستوى الهابط من التصنيف الدولي في كل نواحي الحياة , لقد بلغ السيل الزبى وطفح الكيل , واصبحت كل الطرق تؤدي الى نهايات مغلقة , فالتردي وصل اقصى مداه , و الاحباط استحوذ على الانفس , لقد افلست المنظومة الانقاذية وهي تهدد المواطن المنادي بحقه في لقمة العيش بقطع الرأس , كما جاء في حديث نائب الرئيس , الذي لا يدري ان هذا الانسان الذي لحقه الاذى الجسيم من جراء سياسات نظامهم الخاطئة , قد ذبحوه منذ ذلك اليوم الذي جعلوه فيه مشرداً وجائعاً عطشاً , فاصبح لا يخشى الموت وضرب الاعناق , وسوف يواجه آلة النظام في الشارع دون ادنى تردد , و هذا الانسان يعلم ويدرك تمام الادراك ان الحريصين على الحياة وبهرجها , هم من امثال نائب الرئيس ورهطه الذين بنوا الطوابق العلوية من المباني , وركبوا الفاره من السيارات , خصماً من حقوق هذا البائس الذي يريدون اجتثاث عنقه , وسافروا الى اقاصي مدائن العالم في رحلات للاسترخاء و الاستشفاء , بتكاليف صرف بزخي من خزينة هؤلاء البؤساء المهددون بقطع الرؤوس و بقر البطون.
وألآن لسان حال شوارع الخرطوم و طرقات المدن السودانية يقول :( استقيل يا ثقيل) , فلم يشهد السودان في تاريخه القديم و لا الحديث , طغمة ثقيلة الدم و منعدمة الاحساس والضمير مثل هذه العصبة الظالمة , جماعة لا تتحرك لها شعرة من شعور تجاه مآسي مواطنيها , و لا يرتجف لها جفن وهي جالسة على مقعد المسئولية المباشرة عن ارواح الناس ومعاشهم , ماذا قدم هؤلاء المفروضون على مواطنيهم غصباً و تجبراً , من حلول للضائقة المعيشية التي تمر بالعباد هذه الايام , ام يظن هؤلاء ان البقاء على رؤوس مواطنيهم الذين يعانون شظف العيش حق الهي , كما ظل يردد مثل هذه الشعوذات بعض من أئمة السلطة , ذلك المهووس والضحوك المهرِّج الذي ظهر في غفلة من الزمان , على منابر مساجد الخرطوم في هذه السنوات الانقاذية العجاف , يثبط الهمم و يمارس الاستهزاء على الناس عبر اسكيتشاته الكوميدية , من داخل مساجد الله التي لا يستقيم فيها الهرج و المزاح المبتذل , لقد ظل هذا الشيخ الدرامي و الكوميديان السلفي حامل علامة امتياز انتاج هذه الحقبة الانقاذية , يحذر الناس من الخروج والتظاهر للمطالبة بحقهم في الحصول على الرغيفة , فيقول اذا ابدلتم ادارة البلاد باخرى لن تجدوا حتى هذه الخبزة البئيسة و الصغيرة الحجم في حد ذاتها , بطريقته التهكمية الفاضحة , فانظروا الى ما افرزه نظام الانقاذ من أئمة الهزل و الضلال , من امثال هذا المتهجم على منابر الدين و العبادة , لكنها مخرجات الانظمة الثيوقراطية , من كهنة مصفقون للطغيان ومجملون لوجهه بمساحيق رماد (المحايا و الدوايا).
لقد اعتمدت المنظومة الانقاذية على الاستعراض الاعلامي في حل المشكلة الاقتصادية , وهذه المعضلة لا تقبل الحلول النظرية و الشفاهية و العاطفية , فالازمة تتعلق بالارقام و الاموال من واقع ما تمتلكه خزائن الدولة من نقد , وليست مرتبطة بالتقارير المطبوعة على الورق , فاما ان تكون هنالك مقدرة مالية ملموسة للنظام لمعالجة هذه الازمة الكبيرة , واما ان يسلم النظام مفاتيح دولاب الدولة ومؤسساتها للمواطن المحمول بهموم المأكل و المشرب , فهو الاحق بان يتولى زمام امره , وهو الاجدر بتدبير شئون مأكله ومسكنه ومشربه , وعلى النظام اعلان افلاسه و اعترافه بعدم استطاعته على الخروج من هذه الازمة الاقتصادية الطاحنة , التي لم تشهد البلاد مثيل لها , لان الاستمرار في هذا التعنت و التشبث بمقاليد الامور دون ايجاد حلول جذرية لمشاكل الناس التي تهدد حياتهم المجاعة , لا يعطي اي نوع من الشرعية لمثل هكذا نظام لان يستمر و يجثم على رقاب الناس , بل ويهدد ببتر هذه الرقاب.


اسماعيل عبد الله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.