ممارسة الديموقراطية تحتاج لقيم اخلاقية معينة وانضباط نفسي وعصبي كبير ، ان عقل الانسان السوداني لم يتشكل بعد بحيث يتأقلم مع المتطلبات الديموقراطية رغم الدعاوى الواسعة والتي غالبا ما تخفي رغبة في السيطرة والاستحواز عبر دس السم في العسل وكلمات الحق التي يراد بها باطل . ان العقل السوداني لم يعرف معنى الديموقراطية بعد ولم يشعر بها ، ولم يبني لها بنية شعورية قبل ان يؤطر وينظر لها فلسفيا. العقل السوداني يخفي العنف تحت رداء طيبة زائفة يظهر بها للعلن ، لكن لو تخلصنا من هذا القناع فسنجد انه عقل عنيف بل ديونيسي بامتياز.. فلنلاحظ ان العنف سمة سائدة ولها هيراركية ساقطة من الأقوى للاضعف ، من الرئيس على الشعب ومن المسؤول على المواطن ومن الاب على الأبناء ومن الزوج على زوجته ومن الاستاذ على التلاميذ . فلنراجع كل تاريخنا سنجده وقد كتبه قلم عنيف بحبر من الدماء ، ولا زال حاضرنا ينسخ ويجتر الماضي بذات العقلية عقلية العنف .. وهو ليس عنفا عادلا كما نجده في مجتمعات عربية أخرى بل عنف آمن لا يتنزل الا على مستوى القوي ضد الضعيف وينم هذا عن جبن واضح ، عندما دخلت قوات جنوبية الى هجليج وهي منطقة شمالية صغيرة استنفر النظام كل مليشياته واثار ضجيجا اعلاميا كبيرا في حين ان ذات النظام يخرس تماما عن وجود قوات مصرية بحلايب وشلاتين او قوات اثيوبية بالفشقة . فهو يؤمن منطق القوة الآمنة اي القوة التي لا تتنزل الا على الأضعف. والنظام ايضا يمارس تنكيلا عظيما بالمعارضين السلميين ولكنه في نفس الوقت يداهن ويسالم من يستعملوا ذات المنطق العنيف الذي يستعمله. لكن ليس النظام وليد مجرة كونية أخرى..ان هذا النظام هو وليد شرعي لمجتمعاتنا ، ان البشير او حسبو او خلافه لا يختلفون البتة عن اي رب اسرة سودانية يمارس عنفا ضد ابنائه او معلما يمارس العنف ضد تلاميذه او رجل شرطة يمارس العنف ضد مواطن ، ففكرة العنف متجذرة في العمق المجتمعي ، وهي التي انتجت لنا انسان جبان ومشوه في الداخل ومهزوز وانتجت عنصرية مقيتة وانانية مفرطة. 

لم يفاجؤني ابدا حين رفض البشير منع المعلمين ضرب طلابهم وقال بأنه تعرض للجلد خمسين جلدة في المدرسة ، هذا شيء ليس بغريب ولا مدهش ، لأن البشير -وكما قلت سابقا- جاء من عمق مجتمعه ، جاء من مجتمع يرى العنف حلا لكل صراعاته واسلوبا لفرض السيطرة والاستحواز واسلوبا لاقصاء الاخر وتهميشه ... ان ما فعله قاسم بدري هو نتاج هذا المجتمع ، الذي لا يرى في استخدام الضرب قضية. وبعض العجائز يقصون لي قصصهم عن خوفهم بل ورعبهم من معلميهم عندما كانوا صغارا وان اي شخص كبير كان بامكانه ضربهم لتأديبهم ..وهم في الواقع يتباكون على تلك الايام تباكيا شديدا ويعتقدون ان اطفال هذا الزمان مدللين دلالا ينشؤهم على الخمول واللدانة.
هناك من يحاول الاستناد للدين لمأسسة الضرب والعنف ، وأنا لن اناقش هذا الأمر ، لأن الضرب مرفوض اذا ثبت علميا واجتماعيا انه لا يفضي الى خير الفرد والجماعة. وهذا لا يحتاج الى كثير نقاش من وجهة نظري ، لأن الدين يتطور بتطور الانسان فلا دين بلا انسان ونحن لم نشاهد الدين وهو يمشي على رجلين.
بعقليتنا العنيفة هذه لن نتقدم الى الامام لا على المستوى السياسي ولا الأمني ولا الثقافي ، ان البناء الشامخ للديموقراطية يبدأ من تغيير ابستمولوجي للعقل السوداني ، وهذا لا يمكن ان تقوم به سوى قوى ليبرالية حصيفة ومتزنة وتعلم ما تفعل وتؤمن بما تفعل.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.