يلخص بعضنا مشكلة الحكم بسؤال شائع "ما هو البديل" وهو سؤال واقعي فعلاً ويستدعي إلقاء نظرة عامة على خارطة الاحزاب والكيانات الموجودة في الساحة السياسية السودانية للتمعن في حالتها وكيف تدير شؤونها ، وهل يوجد بينها حزب مؤهل لادارة شؤون البلاد منفرداً أو مشاركاً. 

ونبدأ بحزب المؤتمر؛ فإذا تمعنا في أمره لوجدناه نمراً من ورق من حيث الممارسة السياسية فهو بعبع مخيف استأسد على الضعفاء فسلبهم حقوقهم وقتلهم. يستند الحزب تاريخياً على القوة التنظيمية فقط وليس على العمل السياسي النظيف، فقد رأيناه عبر السنوات الطوبلة الماضية كيف تكبّر وتعالى على الاحزاب الاخرى بفضل إحكام التنظيم إلى أن تمكن من استخدام هذه الميزة في اغتصاب الحكم واغتيال الديمقراطية، ولا ندري كيف برروا لانفسهم فكرياً تلك الوسيلة. ولكن الواقع يؤكد أن غايتهم كانت مغانم الحكم وليس إنقاذ البلاد كما ادعوا ، إذ أنهم بعد الاستيلاء على السلطة استغلوا ولا يزال يستغلون خزينة الدولة أسوأ وابشع استغلال لتعزيز قدرات الحزب الحاكم تنظيمياً ومالياً ، وتلك هي شرارة وأسّ الفساد الذي نرى.
والفاجعة هي أنه حتى في الجانب الموضوعي ، وهو ادارة الدولة ، نجد أن حزب المؤتمر وشقيقه المؤتمر الشعبي لم ينشغلا طوال تاريخهما باصلاح الحياة العامة ومنها اصلاح ادارة الدولة بغية تطوير الانتاج والتنمية والاداء العام الخ ولم ينشغلا ابدأ بالهموم المعيشية للناس. بل لم يكن لهم منهج واضح لادارة الدولة بعد أن دمروا عمداً مؤسسات الخدمة المدنية والبنى الاقتصادية وأوضح الأدلة على عدم إهتمامهم مطلقاً بادارة الدولة هو غياب الخطط التنموية التقليدية التي تعرضها حكومات كافة دول العالم الغنية والفقيرة على شعوبها بين فترة واخرى وتنفذها كخطط متوسطة الاجل وطويلة الاجل لاستيعاب الموارد وللحصول على نتائج شمولية تدفع الاقتصاد الى الامام. وقد عرف السودان في الماضي الخطط التنموية الخمسية والعشرية والتي اثمرت مشروعات اقتصادية ضخمة على النطاق القومي. ويبدو أن هوس الاصطفاف التنظيمي جعل حزب المؤتمر يقر ويساند الخطة التنموية الوحيدة والفاضحة التي طرحها عبد الرحيم حمدي بالرغم من توجهها التقسيمي التهميشي المتعمد. فلا عجب إن كان الناتج النهائي دولة فاشلة.
من باب آخر لم ينشغل الحزبان الشقيقان ابداً بالمسائل الفكرية ولو لمجرد عرض مشروعهم الحضاري الذي جعجعت به السنتهم ولم يُر منهم طحناً. ولاضاءة هذا الجانب نقول إن الحزبين لم يقدما أي نوع من الرؤى الفكرية المعمقة للاصلاح الاجتماعي والاقتصادي والثقافي من المنظور الاسلامي واكتفوا برفع شعار تطبيق الشريعة الذي اجتذب للتنظيم مشايعيين ومؤيدين في الملمات السياسية واهمها لديهم الانتخابات. وبالطبع لا يمكن إغفال الاسهامات الفكرية الفردية والتي تحسب لأصحابها. رغم كل هذه العيوب السياسية الجسيمة نجدهما ينكبان حتى اليوم على إحكام التنظيم الحزبي الى درجة عدم تفريقهم بين الصواب والخطأ في ادارة البلاد وبين الحلال والحرام، واصبح من المسلم به لدى بعض العامة أنه يصح أن تدار شؤون الدولة من داخل حزب المؤتمر. وقد فرخ هذا الهوس التنظيمي ظواهر شاذة في الثقافة السياسية منها ما يعرف بالتمكين (أي تمكين الحزب وأعضائه مادياً على حساب الدولة) ومنها ظاهرة الولاء قبل الكفاءة فطردوا الكفاءات من الوظائف العامة وأحلوا الموالين محلهم فورّثوا البلاد الفشل في كل ميدان.

ويبدو أن الاجتماع الاخير للجماعة الاسلامية لم يستطع لملمة الواقع التنظيمي الذي تمزق بين مراكز قوى جهوية ومراكز قوى عسكرية ولوبيات إجرامية داخلية وخارجية ، فآثروا دفن رؤوسهم في الرمال وقرروا تأجيل مؤتمرهم عاماً كاملاً. يدور في ذهن الشارع تساؤل حائر بلا إجابة وهو ما هو دور هذه الجماعة فيما اُبتليت به البلاد من فساد الحكم وفساد الذمم. لقد اصطفوا خطأ وراء مغامرة متهورة فأين هم من مقاصد التشريع الاسلامي الصحيحة. والآن فإن دفن الرؤوس في الرمال والتغافل عما آلت اليه البلاد لا يجديهم ولا يخلص البلاد. إن ما حدث لا يمكن إصلاحه لو توهموا أن الاصلاح من داخل التنظيم ما يزال ممكناً بمزيد من الصبر على الظلم والفساد ومزيد من تغافل الجماعة. فقط ليتهم يتجاوبون مرة مع نبض الشارع ومع مطلب الشارع بالخلاص.

هذه العيوب والنقائص الكبرى في الحزب الحاكم وجدت معارضين داخل التنظيم. وتراوحت تفاعلات المعارضة الداخلية بين محاولات للاصلاح من الداخل وبين الانسلاخ من عضوية التنظيم. وبالفعل تفاعل عدد من المنسلخين مع انشطة بعض الاحزاب والفصائل المعارضة. ونذكر أنه قبل أكثر من سنة حاول أحد أهم المنسلخين، وهو البروفسير مصطفى ادريس البشير مدير جامعة الخرطوم سابقاً، حاول تكوين حزب سياسي وأصدر بياناً مفصلاً سمى فيه الحزب المزمع "حزب الحرية والشفافية والعدالة – حشد " ونص في بيانه بأنه يسعى الى " الاصلاح بالتفكيك الجبري للنظام." وحتى الآن لم يظهر للعلن أي شئ من ذلك ، وللدقة نقول ليس لدينا علم بالتطورات اللاحقة لذلك البيان.
هذا هو حال حزب المؤتمر الذي يحكم الشعب السوداني منذ ما يقرب من ثلاثة عقود حالكة ، أودى خلالها بالاقتصاد وبكل شئ الى الانهيار التام بسبب فساد الادارة وفساد الذمم، ويعتبر هذين خيانة وطنية صريحة. وسوف لن يستطيع المؤتمر إصلاح أحوال البلاد أبدأ : أولاً لأن جُل مشكلة الحكم يتعلق بخراب مؤسسة الرئاسة والسلطتين التنفيذية والتشريعية والتي يتشبث بها حزب المؤتمر غصباً للإحتماء بها. وثانياً يقود المؤتمر حكومة مشكلة من مكونات متنافرة لا تهتم إلا بمصالحها الشخصية الضيقة ولا ينتظر أن تجمع ابداً على خطط إصلاحية وطنية. وثالثاً الكل يعلم أن حزب المؤتمر مكبل باجندات دول وقوى خارجية تريد أن تبقى بلادنا مريضة بالفشل والهزال، ولذلك سوف تستميت هذه الدول والقوى في بقاء النظام الحالي . وطالما بقي حزب المؤتمر في السلطة منفرداً أو مشاركاً سيبقى الشعب السوداني مكبلاً ورهينة لنادي القوى الدولية المعلومة منها والخفية التي تريد أن تبقى بلادنا مدمرة وفاشلة.

الامة والاتحادي
كان الحزبان التاريخيان ، حزب الامة والحزب الوطني الاتحادي ، متشابهان منذ فجر الحركة الوطنية مروراً باستقلال البلاد والحكومات الوطنية الاولى. وكان الحزبان هما فرسي الرهان في الحياة السياسية وتقاسما تقريباً حكم البلاد على خلفية ديمقراطية مع وجود دستوري صحيح لمؤسسات الرئاسة والسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والتي تمتعت بالاحترام والقبول الشعبي وكانت الممارسة الديمقراطية السليمة هي الفيصل بين الحزبين. هذا الوصف العام نجده منصفاً لتاريخ الحزبين ، بغض النظر عن الاخفاقات والتجاوزات التاريخية لكل منهما.
وظل حزبا الامة والوطني الاتحادي متشابهين حتى في زمن ما دون إنحطاط الدولة حاليا، حيث يعاني الحزبان معاً من انفراط بنيتهما التنظيمية منذ عقود لسبب جوهري يكاد يكون متماثلاً وهو عدم الممارسة الديمقراطية داخل كليهما ، فقد أودت بهما بل قتلتهما الانشقاقات والتشظي اللامحدود واصبح المؤشر الوحيد لوجود أي من الحزبين هو الظهور الاعلامي لشخصيات من الحزبين. لقد فشل الحزب الوطني الاتحادي وتفرعاته في عقد أي اجتماع عام للحزب منذ عدة عقود لحسم خلافاتهم والاعلان عن الهيكلية التنظيمية للحزب ولفرز "الكيمان" لكي يعرف الشارع حقيقة ونتيجة التجاذبات والمواقف داخل الحزب. ونظرأً للركود السياسي في ظل هيمنة نظام الانقاذ صار لكل قطب من اقطاب الحزب مواقفه وعلاقاته ومساوماته مع الجماعات السياسية الاخرى وأهمها حزب المؤتمر الحاكم ومع الخارج. ويتكرر القول عن حزب الامة وتفرعاته بمثل ما قيل آنفاً عن صنوه الحزب الوطني الاتحادي.

مستقبل الحزبين : واذا توفرت لأي من الحزبين في المستقبل الارادة لاظهار قوته على المستوى القومي فلابد له من الرجوع الى قواعده الشعبية التقليدية المتمثلة في طائفة الانصار لحزب الامة وطائفة الختمية للحزب الاتحادي. عندئذ - وبعد عقود من غياب الممارسة الديمقراطية إن كان على مستوى الحزب أو على المستوى الوطني وبعد مرور مياه كثيرة غيرت كل شئ على المستوى الوطني والمستوى الدولي - سوف يكون الرجوع للقواعد الطائفية تحدياً كبيراً للحزبين وسوف يفرز نتائج مهمة وربما تكون مفاجئة لأي منهما وللشارع السياسي.

القوى الجديدة
القوى الجديدة نقصد بها القوى الجديدة زمانياً، وهي منتشرة في انحاء السودان ويتطلب حصرها مسحاً خاصاً ولكن نكتفي بذكر ابرزها - في إطار الخارطة الحزبية فقط. أولاً هناك الفصائل المعارضة في النيل الازرق وجنوب كردفان التي نشأت كامتداد للحركة الشعبية التي قادت الي انفصال جنوب البلاد. هذه الفصائل لها وجود سياسي وعسكري قوي ويقودها اشخاص بارزون ويتنافسون فيما بينهم بشكل حاد وصل الى درجة الاقتتال الذي اندلع قبل فترة قصيرة بين قوات مالك عقار وقوات صلاح الحلو. وفي دارفور برزت فصائل معارضة كثيرة نتيجة لاندلاع الحرب هناك في 2003 بين الحكومة المركزية ومجموعات محلية مسلحة ثائرة تاريخياً ضد تهميش المركز لدارفور واهمال مطالبها الاقتصادية والسياسية. تشعبت الفصائل المعارضة الدارفورية لاسباب كثيرة ولكن المؤكد أن القاسم المشترك بين تشعبات هذه الفصائل هو استمالة ودعم الحكومة لمجموعات دارفورية لتقاتل في صفها ضد الآخرين وابرز الاستمالات هو ما عرف بتحالف الحكومة مع الجنجويد ، ولا مجال هنا للتطرق للتطورات الاخيرة في بنية الجنجويد وللاحداث الدامية التي دارت داخلها. ورغم المفاوضات الاممية التي جرت في ابوجا بنيجريا وفي الدوحة بدولة قطر ما تزال مشكلة دارفور قائمة وما يزال هناك من يحمل السلاح في وجه الحكومة. ولا يمكن إغفال وجود تأثيرات خارجية من الدول المجاورة وهي ليبيا وتشاد ومصر وجنوب السودان على المشهدين السياسي والعسكري في دارفور.

هذه القوى الجديدة كان من المفترض والمأمول أن تصبح - ليس بتشكيلاتها اعلاه وانما بعناصرها - رصيداً سياسياً مهماً للبلاد لو توفرت بيئة صحية للممارسة الديمقراطية السليمة. بالاضافة الى الفصائل المسلحة لا ننسى أن القوى الجديدة موجودة داخل الاحزاب السودانية التقليدية وهم العناصر الرافضة في المؤتمر الوطني الحاكم وفي حزب الامة وفي الحزب الوطني الاتحادي. لهذا يمكن القول ببساطة أن حزب المؤتمر الحاكم ببقائة في السلطة ثلاثة عقود ارتكب بالفعل جرماً كبيراً بحرمان السودان من الانتفاع بعناصر شابة مؤثرة وفاعلة وجديرة بالانخراط في خدمة الوطن في أهم الميادين هو ميدان السياسة سواء في الحكم أو في المعارضة السلمية الفاعلة.

من جانب آخر وبحكم الواقع لا بد من الاقرار بأن الفصائل المعارضة المسلحة لا يمكنها تحقيق الانتصار على الحكومة المركزية عسكرياً وتغيير نظام الحكم كما تصبو ، ولكنها ستظل في كر وفر مع قوات الحكومة وفي اقتتال بين عناصرها ، وفي ذلك هدر واستنزاف لمواردها ومقدراتها ، وبالطبع يعتبر ذلك الهدر والاستنزاف خصما على الموارد الوطنية السودانية الكلية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.