يبدأ (سالم فراجي) إستقصائه لجذور المسيحية النوبية بإقتباس من كتاب (مايكل بوتوينيك) – المجلد رقم (1) والذي يحمل عنوان (أفريقيا في العصور القديمة) على النحو التالي : 

((كيف لا يحرك فينا المسار الدراماتيكي لهذه الحضارة النوبية فينا ساكنا . إنه من الساخر أن تكون تلك مجرد ملاحظة مزعجة للوعي المعاصر . إننا لا نتحدث عن حضارة قليلة الأهمية ، فقد إزدهرت الحضارة النوبية لفترة إمتدت إلى أكثر من خمسة الف عام ، أي قبل بناء الأهرامات الكبرى وأستمرت إلى ما بعد رحلات كولمبوس إلى الدنيا الجديدة) – ص (9) .
إن هذا الإقتباس يقدم في الواقع سياقا لدراسة (فراجي) ككل . إن جذور بلاد النوبة نفسها تمضي بعيدا ، لأبعد مما يعرفه الكثيرون . تقع بلاد النوبة بين ما يعرف اليوم بجنوبي مصر وشمالي السودان ، ممتدة من أسوان إلى الخرطوم (ص 3) )) .

يقدم فراجي في دراسته للنوبة القديمة رؤيتان : (الأولى هي أنّ النوبة خدمت من الناحية الجغرافية والثقافية كمسار محوري لدراسة التاريخ الأفريقي وتواريخ عوالم البحر المتوسط والمحيط الهندي .. ثانيا يثبت تاريخ بلاد النوبة طول عمرها المديد وحتى بعد إنهيار الحضارات الكلاسيكية الأخرى ، ظلت النوبة باقية في العصور الوسطى والعصور الحديثة الباكرة ، وفقا للتسلسل الزمني التاريخي الغربي (ص 4) . يشدد (فراجي) على أن أهمية هذين الإكتشافين ، يكمن في أن بلاد النوبة ربما قدمت رؤى في التاريخ الثقافي والسياسي لعالم البحر المتوسط بأكثر مما قدمت مصر ، غير أن ذلك لا يعني التقليل من الدراسات المصرية التي بقيت ذات أهمية بالغة ، لكنه تسليط للضوء على التجاهل الذي لقيه تاريخ بلاد النوبة من قبل الباحثين وهو تجاهل محفوف بالمخاطر .

تبدأ دراسة (فراجي) للمسيحية النوبية بفصل تمهيدي يصوغ فيه النظرية الأفريقية متعددة المجالات للتاريخ وذلك من خلال دراسته لحالة بلاد النوبة ، وادي النيل وأفريقيا السودانية . إنه يسلط الضوء على الحقيقة التي مفادها أن باحثي المركزية الأوربية ، إستمروا في إقصاء أي نوع من (الحضور الأفريقي المحلي خلال حقب الإحتلال الإغريقي والروماني والبيزنطي) . إن ذلك يعني في مجال الدراسات الأفريقية المبكرة أنّ المسيحية المصرية ، مسيحية شمال أفريقيا ، المسيحية الإثيوبية والنوبية ، ليست حقيقة جزء من الحضارات الأفريقية وبالتوسع في الشخصيات التاريخية المؤثرة فإن (أوريجين) ، (أثاناسيوس) ، (تيرتوليان) ، (أوغستن) ، لا يمثلون علماء اللاهوت والفلاسفة الأفارقة ، بل يمثلون مفكرين غربيين يتحدثون الإغريقية أو اللاتينية . إن حقيقة هؤلاء المفكرين والعلماء الروحيين الذين تحدثوا بالإغريقية أو اللاتينية ، لا يلغي حقيقة أنهم أفارقة ، مثلما لا يعني أن رصفائنا الحاليين والذين يتحدثون الإنكليزية أو الفرنسية لم يعودوا نيجيريين أو ليبيريين .

بعد أن وضع إطارا لدراسته ، كرّس (فراجي) الفصل الأول للتركيز على تاريخ تحول النوبة القديمة إلى المسيحية وأستطاع أن يقدم دراسة مقارنة مفيدة بين القرن الرابع حينما كان (قسطنطين) هو الإمبراطور الروماني وبين القرن الخامس حينما كان (سيلكو) هو ملك النوبة. لقد شمل ذلك عمليات مشابهة لـ (التنصير) في الإمبراطورية الرومانية والمملكة النوبية التي جرت في القرن الخامس ، حيث كانت الديانات ملكية ، أي بإقرار من الملك أكثر من كونها (ديانات المضطهدين) وهي الحالة التي كانت عليها المسيحية على الأقل قبل عصر قسطنطين . يحمل الفصل الثاني عنوان (وثني ، مسيحي ، أم الإثنين معا ؟) ، كاشفا عن جذور الملك سيلكو من خلال تناوله لما عرف بـ (نقش سيلكو) . يعتبر هذا النقش (نصا تاريخيا هاما لفهم التاريخ اللاحق القديم لبلاد النوبة وظهور المسيحية في وادي النيل الأوسط خلال القرن الرابع إلى القرن السادس الميلادي (ص 85) . لقد كان الغرض الرئيسي لنقش (سيلكو) هو إظهار فتحه العسكري حينما قاد النوباد للإنتصار على البلميين . إن النقش الذي كتب بالإغريقية – لعدة أسباب ليس أقلها فقه اللغة – قد جعل الباحثين السابقين يعزون ذلك إلى الإرسالية البيزنطية التي بعثت إلى بلاد النوبة في القرن السادس ، مما يجعل تحول النوبة إلى المسيحية قد جاء نتيجة لتحرك الإرسالية التبشيرية الإغريقية ، إلا أن (فراجي) يعتقد بأن المسيحية كانت موجودة سلفا قبل وصول الإرساليات الإغريقية .

في تحليله للنقش يورد (فراجي) خصائص وثنية يضعها متماسكة مع التقليد الأيقوني للإله الوثني (آمون) ، لكنه يعرض في الفصل التالي كذلك خصائص مسيحية في النقش ، ومع ذلك فإنه لا يصف النقش بأنه وثني أو مسيحي مثلما يظهران في الغالب متضادين في تاريخ تفسير النقش ، ولكن الأصح أنه إذا كان (سيلكو) قد أعلن أسماء الآلهة التقليدية للدولة النوبية ، فإنه كان عليه كذلك أن يعلن أنها قد منحته النصر وليس التعبير الإغريقي العام والذي يشير في القرن الخامس إلى المسيحية بشكل حصري (ص 170) . إن النقطة التي أثارها (فراجي) في هذا الفصل هي أن نقش سيلكو والملكية النوبادتية واللتان رحب بهما ، ينتميان معا إلى الإرث الثقافي للملكية التقليدية في وادي النيل ، مع أننا نرى أن هذه الملكية أقرت بوجود المسيحية في النوبة القديمة عن طريق سيلكو الذي شكر الله على النصر وليس الآلهة التقليدية للنوبة . لقد كان (سيلكو) هو أخر فراعنة مملكة نوباتيا الذي إتبع (آمون) . لذا فإن الفصل يحلل النقش من منظور التقليد الملكي للآلوهية المصرية والنوبية ، بوضع النقش كإنعكاس لهذه التقاليد القديمة ، غير أن ما وجد في النقش من (إيماءة قديمة لاحقة) يرجح في الغالب أن تاريخه يعود إلى فترة أحدث مما إفترضه (فراجي) .

يستقصي الفصل الرابع التطور التاريخي للعلاقات الإغريقية – الأفريقية ، مؤكدا ظهور تأثيرات هيلينية على النقش ويظهر ذلك في كتابة النقش بالإغريقية وليس بإحدى اللغات أو اللهجات المحلية . يورد (فراجي) أنه لأمر عادي أن تكون اللغة الإغريقية لغة مشتركة للعالم النوبي لأكثر من (1500) عام وقد جرى التحدث بها من الحقبة المروية إلى إنهيار الممالك النوبية في العصور الوسطى في القرن الخامس عشر الميلادي ( ص 179) . إن اللغة ليست بالضرورة نتاج الفتح ، بل هي ضرورة للتعامل مع أجزاء أخرى من العالم من حيث الجانب التجاري . أما الفصل الخامس فإنه يقدم صورة للتفاعل الثقافي والتأثير المنعكس في النقش بإستقصاء (المواجهة الكوشية – الرومانية) التي حدثت بداية في القرن الأول قبل الميلاد.
بتأكيده على التقاطع الثقافي والتماس الفكري الذي حدث في بلاد النوبة قبل النقش ، فإن فراجي يؤكد على أن الملك (سيلكو) والدولة النوباتية مثّلا مزيجا من التقاليد الثقافية والدينية للثقافات الإغريقية – الرومانية السابقة وثقافات وادي النيل (ص 211) . لذا وقبل الأخذ بالنظرة التقليدية من أن المسيحية دخلت بلاد النوبة بشكل كبير من خلال التأثير الإغريقي للبيزنطيين ، فإن (فراجي) يقدم ثقافة أكثر تعقيدا وتنوعا حيث كانت التأثيرات الرومانية كذلك معروفة تماما حتى قبل تحول المملكة إلى المسيحية .

يقدم الفصل الأخير دراسة محورية للكتاب : (أن التقاليد الكلاسيكية للمملكة الدينية في وادي النيل والسياق التاريخي للملوك الإثيوبيين في الأدب الإغريقي ، إلتقيا في نقش سيلكو ، عاكسا بدايات التحول الديني في النوبة القديمة . عليه فإن الملك (سيلكو) والملكية النوباتية تميزتا ببداية التحول الديني في بلاد النوبة إبتداء من القرن الخامس الميلادي ) ص (37) . إن ذلك يشير بشكل جلي إلى أن المسيحية كانت قد دخلت مسبقا بلاد النوبة قبل قرن من الزمان ، أي بأسبق مما كان يفهم من أنها دخولها جاء مع الإرساليات التبشيرية البيزنطية في القرن السادس الميلادي . يجادل (فراجي) بأن (ذروة العملية بدأت بمبادرة نوبية قبل نحو مئة عام من وصول أول البعثات التبشيرية الملكانية والمبشرين الموحدين) – نفس المصدر . لقد ضمّنت المسيحية في الملكية النوباتية كأحد العناصر الرئيسية وأصبحت دين الملك ، هذا يعني أن أيا كانت ديانة الملك فإن الشعب يتبعها . إن الدليل الأثري يظهر كذلك تأييد (فراجي) في الحضور المبكر للمسيحية ، حيث أثبت ذلك في الجزء الأخير من الكتاب . إن الحضور المسيحي لم يكن على الأرجح بواسطة الأغاريق ، بل بواسطة الرهبان الأقباط الآتين من الشمال والذين ترتبط طقوسهم وتقاليدهم بتلك التي في بلاد النوبة بشكل وثيق .

إذن ما هو الفرق الذي يحدثه ذلك لفهمنا عن المسيحية النوبية ؟ تكمن الإجابة في الحقيقة التي مفادها أننا لدينا في هذه الدراسة مثال أخر على محلية المسيحية الأفريقية المبكرة ، مسيحية تطورت في القارة الأفريقية بواسطة الأفارقة ، فهي ليست مستوردة من المسيحية (الغربية) أو (الشرقية) . إن جذور المسيحية النوبية ليست بيزنطية أو رومانية بل أفريقية ، بكل الفهم من أن أفريقيا قارة متعددة الثقافات بتأثيرات أغريقية ورومانية ، لكن ليس إلى حد إستبعاد الثقافة والتقاليد الأفريقية والنوبية ، أو بمعنى أخر فإن المسيحيين الأفارقة لهم كذلك مثال أخر في تاريخ المسيحية الطويل شمال وجنوب الصحراء . في العصور الباكرة لم تكن المسيحية فقطديانة شمال أفريقيا ، بل ديانة النوبة قديما . إن هذه الدراسة تؤكد على التواصل بين شمال أفريقيا وأفريقيا شبه الصحراوية ، أكثر من إنقطاع التواصل بين داخل وخارج أفريقيا ، مثلما يميل الكثيرون إلى ذلك . إن الدراسة تقدم دليلا إضافيا على أن المسيحية إنتشرت جنوبا في أفريقيا بشكل أقدم كثيرا مما كان يعتقد . إنها تقدم كذلك دليلا على (أفريقانية) المسيحية في القارة – وهذا مصطلح من عندي .

بينما هناك أجزاء من الكتاب يمكن أن تكون صعبة الفهم على القراء ، ما لم يكونوا مطلعين على دراسات مقارنة في الثقافة والعرق ، فإنه من الضروري التمسك بالحجة المقدمة .إنني أشجع القراء على البدء بقراءة خاتمة الكتاب حتى يمكن الإلمام بفهم أكبر لأهمية الحجة المقدمة . يقدم الكتاب كذلك خرائط تفصيلية مفيدة جدا لبلاد النوبة وعدد من الرسومات والصور التي تقدم سياقا تصويريا لهذه الدراسة الثقافية التاريخية ، بما في ذلك صور حقيقية لنقش سيلكو . هناك إعتراض بسيط يتمثل في أن الإغريقية التي أستخدمت في كل مكان لم تخلف بصمة نهائية كما يتوقعه المرء عادة في عمل بحثي ، غير أن ذلك لا يجب أن يقلل من تقدير الناقد لعمل د. فراجي . إن هذا النص يمكن أن يخدم كمرجع لأي مهتم بالمسيحية النوبية ومحليتها ، إضافية إلى أؤلئك المستمرون في دراسة وصول المسيحية المبكرة إلى جنوب الصحراء في أفريقيا .


-------------------------
* دكتور / سالم فراجي أستاذ مشارك للدراسات الأفريقية بجامعة كاليفورنيا .
المصدر : http://www.earlyafricanchristianity.com/blog/post.php?s=2013-06-01-the-roots-of-nubian-christianity-run-deep-and-early


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.