.عاشت مع زوجها على شاطيء الحرمان سنوات عديدة ... لم تكن تتذمر من فقره و ضيق ذات يده بل كانت تواسيه بعبارتها الممزوجة تفاؤلا و حنانا ( بكرة ربنا حيفتح عليك يا حسن ... ) ... ( بكرة دي متين يا ست الحريم ) .... ( يا راجل اصبر ... الحمدالله نحنا عايشين بالكتير و بالقليل و احسن من ناس كتيرين ) ... ( انتي بتسمي دي عيشة يا حنان ) .... ( مالها عيشتنا دي ... الحمدالله مستورين ... ماكلين و شاربين و بيتنا لامينا و ساترنا ) .... ( عليك الله ما زهجتي من اكل الفول و العدس و السخينة ... و الخرابة الساكنين فيها دي بسميها بيت .... هسه انتي حامل في شهرك سابع لمن تلدي حتستقبلي ضيوفك وين ... حق المستشفى وين و حق السماية وين... هسه لو استعملتي الحبوب دا كان كلو ما حصل ) ... ( يا راجل استغفر ... و بعدين مافي زول الله بضيعوا و كل مولود بجي برزقوا و الحبوب دي قروشها بتعمل لي حلتين بأكلونا اسبوع ... الفقر عمرو ما كان عيب يا حسن ) .... ( انتي عارفة انتي الحاجة الوحيدة الجميلة في حياتي ... والله لو لقيت قروش املاكي دهب من راسك لي قدمك و اسوقك نلف الدنيا دي كلها ) ... ( الله يهون يا حبيب القسا و ربنا يديك الفي مرادك ) .
رغم ذلك الفقر المدقع كانت حنان تناضل لاسعاد زوجها تقتطع من لحمها لتشتري بعض الحناء و المحلبية و تتسول الصندلية و الخمرة و الطلح عند صديقاتها و جاراتها اللاتي اصبحن يلاقينها بشيء من البرود و الضجر بسبب ( لو ولعتي الحفرة كلميني يا اخلاص .... اقسم لي حبة صندلية في الفتيل دا يا سامية ..... لو فتحتو الجست دا كلموني اجي افرد معاكم يا سلمى ) ..... تذهب لزيارة اشقائها فتعود منهم بما فيه " النصيب " فتذهب به فرحة الى السوق لتشتري تلك الوجبة الفاخرة التي يحبها زوجها و تلك الحلوى التي يحبها صغارها ووووو .... و عندما تفكر في احتياجاتها تجد ان المال قد نفد ....
عامان و هي تجاهد لشراء ( توب مرقة ) و في كل مرة تجمع مبلغا من ثمنه تخرجه في حاجة زوجها و صغارها ....
لا زالت تذهب الى الافراح ( بتياب الشيلة ) التي مضى عليها عشر سنوات فتمزق حواف بعضها و بهت بعضها و دخل بعضها المتحف عنوة و اقتدارا ...
قبل ستة اشهر اعطتها شقيقتها الصغرى مئتي جنيه لتشتري لها بهم ثوب حتى لا تفضحهم " بشراميلها " هذه بين الاهل و الجيران ، حملت حنان المال غير مبالية بغطرسة شقيقتها و كلماتها الجارحة و هرولت به نحو زوجها ( شيل دي اشتري ليك مقطع جلابيية و خيطوا و اشتري ليك جزمة لانو خلاص جزمتك دي قدمت خلاص ) ... و استمرت في نضالها و كفاحها لاجل عائلتها و شعارها ( زوجي و اولادي ثم زوجي و اولادي ) .
و لان الرزق تحت مشيئة الرحمن بين عشية و ضحاها تبدلت احوال زوجها و طرق الغنى بابه عبر الميراث الذي جاءه بلا موعد بعد وفاة ذلك القريب المنسي ...
الكريزة الباهظة الثمن و مركوب النمر و العطر الباريسي و الساعة السويسرية و السيارة الفارهة اصبحت اصيلة في مظهره و هندامه .... و الفتيات اللاتي لم يكن يأبهن لوسامته في فقره اصبحن يطاردنه بهمة غريق يبحث عن النجاة .... استحوذت احداهن على قلبه و اصبح الزواج منها شغله الشاغل ... اصبحت كل كلمة تنطق بها حنان مصدرا لكدره و ازعاجه و طلباتها الواقعية لرجل بثرائه اصبحت غير واقعية و في معظمها مرفوضة .... عرفت حنان من احد اصدقائه بعزمه الزواج من تلك الطبيبة الثلاثينية فثارت ثائرتها و واجهته بالامر فلم ينفي فتلاسنا بعنف و انتهى الامر بان طلقها و اصطحبت ابنائها الخمسة الى منزل شقيقها ....
علمت بالامر فذهبت اليه معنفا و معاتبا و مترجيا ... ( معقولة يا حسن تسيب حنان الصبرت معاك على المر سنين و تطلقها بالبساطة دي ) ... ( حنان قلت ادبها علي ) ... ( انت عايز تعرس فيها عايز كيف يكون البساط احمدي و بعدين اتذكر افضالها عليك ) .... ( اي زول بعرس الله قال اربعة ... و بعدين انا اتزوجتها و هي اصلا ما مصدقة زول زي اتزوجها و هي اصلا فيها عرق .... و اصلا اي مرة واجب عليها تخدم راجلها و انا والله لو ما قلت ادبها كنت ناوي اعيشها احسن عيشة ) .
انتهى الامر بحنان خادمة في احد منازل الاثرياء حتى لا تشق على شقيقها الذي اصبحت زوجته متبرمة منها و من ابنائها .... الححت عليها ب" جرجرته " الى المحاكم و سوف تحصل على نفقة لا بأس بها سوف تغنيها عن هذا العمل الذي لا يشبهها ولا يشبه عائلتها .... ( والله الزول دا ما داير منو حاجة .... لو اموت بالجوع ما عايزة منو حاجة و ما عايزة حاجة تذكرني بيهو ... الانسان البقابل الحنان و العطف بالقسوة و الاحسان بالاساءة و الجميل بالشين ما عااااااوزة منو شي و قروشو حلال على " .... " العرستو دي ) .
آخر الحكي
*****
كم من حنان بيننا و كم من حسن حوالينا و يا مأمنة الرجال يا مأمنة المية في الغربال .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.