أحوال

أن تكون قضايا الفساد وآثاره المدمرة هي الأمر الشاغل للحكومات وكل منشغل بالعمل العام، وأن تتصدر هذه القضايا عناوين الأخبار في الإعلام، هذا أمر طبيعي ومفروغ منه، بما أن الفساد هو السبب الرئيسي لتدهور وتأخر أغلب بلدان هذا العالم، لاسيما في قارتنا الأم أفريقيا، حيث ينمو الفساد ويتضخم في كل يوم. ما ساقني إلى هذا الحديث البديهي، تصريح صحفي قرأته للنائب العام في السودان، عمر أحمد محمد، قال فيه "‘إن الدولة تعمل بجد لمكافحة الفساد وليس هناك حماية لأية فاسد مهما كان ولا كبير على القانون”. هذا كلام جميل ومطلوب ولا يتوقع بالطبع أن يصدر تصريح مناقض له من جهة مسؤولة بهذا الحجم، بيد أن النائب العام يضيف أن هناك مشاكل تواجههم كجهة عديلة مناط بها مكافحة الفساد والقضاء عليه؛ على رأسها ما يعرف بـ "الحصانات".

للفساد بالطبع أوجه وأذرع متعددة ومتنوعة ومتلونة، قد يكون إحداها ما يعرف بـ "الحصانات"، التي يشكو منها السيد النائب العام، فالفساد كما هو معلوم لا يعني حصرا "إفساد المال العام والتلاعب فيه"، وإن كانت كل أشكال الفساد تقود في النهاية إلى طريق يتقاطع مع الفساد المالي ويؤشر بشكل أساسي على خراب الذمم وتشوهها. ويمكننا هنا تقديم أوجه مختلفة للفساد، بداية من بذرة الفساد الأولى "الأسري" الذي يكون التدليل أو العنف والإهمال إحدى تمظهراتها، مرورا بالفساد المجتمعي المتمثل في اقتفاء قيم شائهة بعينها باعتبارها القيم الأمثل والأفضل والأعلى، وهكذا إلى أن نصل إلى الفساد العام الذي يطغى على كل شيء ويدمره.
الخطير والمرعب في أمر الفساد، إمكانية تحوله إلى "نظام" حياة، بحيث تصبح مظاهره وطرائقه هي الوجه الطبيعي للحياة وما يناقضه ويناهضه هو الوجه المستنكر وغير المقبول. فحين يصبح من المسلم به أمام الجميع أن "الرشوة، والواسطة، السرقة، والتزوير، والقمع...الخ"، هي الوسائل الأمثل لتحقيق النجاح، الذي بدوره يتحور مفهومه ليتماشي مع مفهوم الفساد، فيصبح النجاح هو: القفز على الحواجز، الثراء الفاحش، خداع الآخرين، نهب الدولة، وشيوع الأنانية المطلقة بين الجميع؛ حين يتحول الفساد إلى المحرك الأساسي لكل مفاصل الحياة و"القيمة الأعلى" بين قيمها فهنا يستوجب على "الأمة" أن تتحسس وجودها وتنتبه جيدا إلى حفرة "الفناء" التي تفصلها عنها خطوة أو نصفها.
ليس باستطاعتي الجزم أن الفساد أصبح نظام حياة في بلدنا السودان، لكن يمكنني القول باطمئنان أنه أصبح السمة السائدة والموجهة لأغلب مفاصل الحياة. فكل خطوة تخطوها في أي تجاه تدفعك دفعا صوب شبهات الفساد، وإن حاولت الصمود أمام كل المظاهر المشهوة من حولك ستتأخر كثيرا، أو قد تتوقف في ذات مكانك دون أن تتقدم خطوة واحدة. وهنا أتحدث فقط عن أشكال الفساد اليومي التي تواجه المواطن العادي وهو يحاول عبور دروب الحياة المتقاطعة لأجل تحقيق وجوده وكينونته. أما إذا تحدثنا عن الفساد العام، المدمر، الذي يكاد يهلك البلاد تماما فإن القضية ستتحول بلا شك إلى مأساة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.