بعد انتشار وتمدد مواقع التواصل الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي , في الشبكة العنكبوتية في نهاية الالفية الثانية ومطلع الالفية الثالثة , اتيحت للبشرية اول فرصة في التاريخ للاتصال المباشر ببعضها بعضا , شعوب وحكومات وافراد ومنظمات بسقف للحرية لا تحده حدود , مما ساهم في كثير من التغييرات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية على سطح كوكبنا , و بالطبع نحن كشعوب و افراد وحكومات واحزاب سودانية لسنا بعيدين عن هذا التحول التقني العالمي , فقد نشط الكتاب و المثقفون و الفنانون و ارتادوا هذا الفضاء الواسع , فاضمحل دور الواجهات الثقافية و الاعلامية و الصحافية الورقية التقليدية , فاصبح كتاب اعمدة هذه الصحف الورقية هم احرص الناس على نشر مكتوباتهم , على مواقع التواصل الاجتماعي من فيس بوك وتويتر وصفحات اخرى , فسرعة الاتصال و التواصل هذه جمعت الطيف السياسي و الاجتماعي السوداني في غرفة صغيرة , فانداحت تفاعلات الناس النفسية و المعرفية , وبدأ الشعب السوداني و لأول مرة في التعرف على بعضه بعضاً عن كثب , فقبلها كانت وسائل الاتصال الجماهيري حكراً على السلطة الحاكمة, فتجدها دائماً مصفقة و معجبة بتوجهات الحاكم السياسية و الثقافية , حيث كان الرأي احادي الاتجاه , وكان الناس يساقون كالنعاج الى حتفهم السياسي و الثقافي , بتدبير وترصد من اجهزة السلطة الاعلامية , الى ان انبلج صبح ثورة المعلوماتية , فجاء كتاب وروائيون وباحثون و تراثيون و سياسيون ومفكرون من شتى بقاع السودان , فتشاكل هؤلاء السودانيون وتخاصموا ثم تصالحوا , في هذه المعتركات والدهاليز و المنعرجات السايبرية.

وبناءً على تجربتي في التفاعل مع مرتادي منتديات الحوار في مواقع التواصل الاجتماعي , خرجت بانطباع سالب حول الفرد السوداني و مدى إيمانه و تطبيقه لمبدأ ديمقراطية الحوار , و اتاحة الفرصة للرأي الآخر المختلف عن رأيه , فتجدنا نحن السودانيون افصح الناس خطاباً عندما نتحدث عن تاريخ ديمقراطية ويستمنستر , و اكثرهم حرصاً و دقةً في متابعة ماراثون انتخابات الرئاسة الامريكية , ولنا طاقة هائلة في نقد وتحليل سلبيات الحكومات الشمولية , اما في بيوتنا فتجد طغيان رب وربة الاسرة ماثلاً للعيان , وفي المدرسة تسلط المدير و الاستاذ و الناظر لا يخفى على العين , و في دار الحزب ننصت خاشعين لرئيس الحزب او امينه العام , الذي لم يغادر مقعد الامانة العامة لمدة تجاوزت الاربعين عاماً , ويا ويلنا اذا طرحنا مجرد رأي صريح في أمر إقامته الابدية على هذا المقعد , لينبري الينا احد مريدي الامين العام و يمنحنا مجموعة من اوسمة التخوين و العمالة و الارتزاق , و يؤلب علينا عضوية الحزب و يعمل جاهداً لاغتيال شخصيتنا , في سعي محموم من اجل ارضاء رغبات رئيس الحزب , الذي قضى شبابه و شيخوخته متشبثاً بكرسي رئاسة ذلكم الحزب , هذا تناقض بائن ما بين الدعوة لترسيخ مباديء الديمقراطية وبين الممارسة و الفعل التنظيمي , فرؤساء احزابنا السودانية وامناء اماناتها العامة , قد جسدوا هذا التناقض الواضح بين النظرية و التطبيق خير تجسيد , حتى ان احزاب اليسار المنطلقة من خلفيات فكرية وايدلوجية , وفدت اليها من بلدان جذورها ضاربة في ارض الديمقراطيات الليبرالية , كذلك قد اصابها هذا الداء المستوطن في شخصية الفرد السوداني , فالحزب الشيوعي لم ينتخب رئيساً له الا بعد وفاة الاستاذ محمد ابراهيم نقد , و حزب البعث السوداني كذلك سار على وقع خطى الحزب الشيوعي , اما الحزبان الكبيران (الأمة و الاتحادي) فحدّث ولا حرج , تمتعا برئاسة كهنوتية للحزبين مدى الحياة , اضافة للجبهة الاسلامية القومية التي انبثق عنها المؤتمران الشعبي و الوطني , فالراحل حسن الترابي لم يغادر موقع الامانة العامة لحزبه الا بعد ان غادر الدنيا.
في خضم هذا التحدي الكبير بين القول و العمل , و بين الخطاب السياسي الجاذب و تفعيل قيم هذا الخطاب كسلوك تنظيمي يفضي الى تحقيق النتيجة المرجوة من الممارسة الديمقراطية , الا وهي التداول السلس للامانة التنظيمية داخل الحزب , دون تلكوء او تسويف او مماطلة من الكادر الذي يشغل ذات السكرتارية , عندما يحين اجل مغادرته لذلك الموقع باختيار بديلا له انتخاباً , عبر عملية اقتراعية تقوم بها عضوية الحزب في مؤتمرها العام , في هذا الخضم علينا ان نرفع القبعات ثناءً و عرفاناً بالدور النبيل , الذي جسده حزب المؤتمر السوداني في هذا الخصوص , وأملنا ان تحذوا الاحزاب و التنظيمات الاخرى حذوه , فقد ضرب مثالاً رائعاً في تفعيل العملية الديمقراطية و جعلها افعالاً تمشي على الارض , ففي آخر انتخابات خاضتها عضويته العامة , انتهت باختيار المهندس عمر الدقير رئيساً للحزب , و قبول الرئيس السابق الاستاذ ابراهيم الشيخ للنتيجة بكل رحابة صدر.
نعود لتشريح اسباب تفشي هذه الظاهرة , وهذه السيكلوجية الغريبة التي استشرت في لحمة المجتمع السوداني , افراداً وجماعات , فحتماً ان لاسلوب التنشأة والتربية الدور الاعظم في انتاج مثل هذا الانسان , الذي ينزع الى العيش تحت مظلة الرعاية الابوية , والتربية الصوفية ايضاً لها دور ماثل في وجود مثل هذا السلوك , حيث تجد الاب و الام يفرضان على صغيرهما الاذعان الى شيخ الطريقة , الذي يملك ناصية الكرامات ويقدر على فعل الخوارق بحسب اعتقادهم الخرافي الزائف , ثم يأتي دور خلاوي تحفيظ القرآن الكريم التي تمارس في بعضها انتهاكات جسيمة لحقوق الاطفال , من تصفيد بالاغلال الى الجلد بسياط صنعت خصيصاً لهش الابل و الاغنام , بل حتى ارتكاب جرائم الاغتصاب بحقهم من قبل من يكبرونهم في السن , من حواريي شيخ الطريقة , وفي احيان اخرى حتى هؤلاء الشيوخ الكبار قد ضبطوا متورطين في هكذا جرائم , فمدارس التنشئة الاجتماعية هي التي هيأت لان يكون غالبية افراد الشعب السوداني , خاضعون مستسلمون للانقياد الابوي , تجاه الرئيس و الوزير و المدير و الاستاذ و الأب , وبرغم انتشار مدارس التربية و التعليم الحديثة قبل وبعد الاستعمار البريطاني , الا ان دور الكتتاتيب و الخلاوى كان له الاثر الفاعل , وذلك لاستحواذ هذا الدور على سنين الطفولة الباكرة للطفل , وهي الفترة العمرية ما قبل الخمس سنوات , وهي الفئة العمرية التي يكون فيها التعليم و التلقين كالنقش على الطين الليّن.
ولمعالجة هذا الخلل التربوي , على النظام البديل للانقاذ ان يرسي قواعد مؤسسات تعليمية و تربوية حديثة , تاخذ في الاعتبار المعايير الدولية في تأدية العملية التعليمية و التربوية , فاعادة هيكلة هذه المؤسسات التربوية يعتبر من اهم مقومات انتاج الفرد الصالح لنفسه و لوطنه , و ان تكون المفوضيات المختصة في المتابعة و الاشراف على تسجيل الاحزاب و المنظمات و الجمعيات بقدر كبير من الكفاءة , بحيث لا تجيز تسجيل حزب جديد او اعادة تجديد سجل حزب قديم , الا بعد ان تستوثق من حقيقة وواقع الممارسة الديمقراطية الشفّافة داخل اروقة هذا الحزب او تلك المنظمة , فالنهج و السلوك الديمقراطي يجب ان يكون هو السائد في عملية اختيار الهياكل الادارية لهذه الاجسام , لان فاقد الشيء لا يعطيه , فالحزب الذي يفشل في تحقيق المبدأ الديمقراطي في تسيير شئونه الداخلية , ليس جديراً بان يساهم في العملية الكلية للتحول الديمقراطي التي ينشدها الشعب السوداني.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.