تعكس التهم الجزافية التي ألصقها نائب رئيس الجمهورية، حسبو، بقبيلة حمر إبان زيارته الأخيرة لمدينة ود بنده، و العبارات المستفزة، غير الموفقة التي صدرت منه، تعكس إنحطاطاً في الخطاب (الرسمي)، لا يليق بعاقل، دعك عن أن يكون في موقع مسؤولية عامة تحتم عليه عقلنة أقواله و سلوكه و تصرفاته و إخضاع كل ما يصدر منه إلی الدين أولاً ثم إلی الحكمة و الأدب و اللياقة في الخطاب ثانياً. كما يؤكد هذا النهج الغريب البعيد كل البعد عن السوية و الأصول السودانية السمحة عن فجاجة في الوعي و عدم ادراك لماهية (القيادة) التي تحتم علی القائد التحلي بالأخلاق الفاضلة، خاصة إذا كان هذا القائد ينتمي إلی كيان يدعي بل و يجزم أنه الأنموذج الإسلامي الذي لا يأتيه الباطل من خلفه و لا من بين يديه.
و قد طفق حسبو، خلال لقائه ذاك، يتحدث بلهجة ممتنة على حمر، معدداً ما تم التصديق به للأهالي بود بندة و الذي لا يعدو أن يكون فتاتاً فحسب، ناسياً أو متناسياً ما ظلت هذه المنطقة ترفد به الخزينة العامة للدولة منذ زمن بعيد و حتى يوم الناس هذا، دون أن تحظى بتنمية ترقى إلى مستوى ما ظلت تقدمه للوطن.
و لا أود، هنا، أن أعقد مقارنة بين نهج الرسول الكريم علیه أفضل الصلوات و أتم التسليم و نهج السلف الصالح من جهة و نهج حسبو و من لف لفه من جهة أخری، نظرا لعدم توافر مقومات هذه المقارنة. ذلك أن النهجين يعدان علی طرفي نقيض من جهة ارتكاز النهج الأول علی خلق القرآن الذي يجسد كمال الفضائل و إرتكاز النهج الثاني علی خلق الجاهلية الحديثة المنتسبة للدين زورا و بهتانا و الدين منها براء براءة الذئب من دم ابن يعقوب.
و من الواضح و الجلي أن يريق السلطة و المنصب القيادي الرفيع الذي لم يكن حسبو مهيأً له قد لوّنا خطابه الجماهيري بنبرة ترشح عنجهيةً و تعالياً و إستفزازاً فوق العادة. و ليس أدل على ذلك من إستمرائه هذا السلوك غير الرشيد حتى صار مكروراً، ممجوجاً.
صفوة القول أن حسبو قد أكد، من خلال مخاطبته لجماهير و د بنده علی النحو المشار إليه آنفا، أكد، و بما لا يدع مجالا للشك، علی عدم توافر الشروط اللازمة للقيادة في شخصه كونه يفتقر إلی الوعي العام و النضج و إدراك ماهية المنصب القيادي الذي يفترض أن يكون صاحبه قدوة في كل ما يصدر منه. إذ يتعين على القائد، و هو يسعي لإيصال رسالته و مضامين خطابه للجماهير، أن يحرص كل الحرص على إيصال هذه الرسالة و تلك المضامين بأسلوب حضاري بعيد عن الإستفزاز و الإسفاف و ساقط القول مع تضمينه أقوى العبارات بهدف تحقيقه مبتغاه، إذا دعت الضرورة إلى ذلك. بمعنى آخر يمكنه أن يعتمد على البيان المسنود بقوة القانون، في رسالته المراد توصيلها، بدلاً من اللجوء للعنف اللفظي ذي المردود السالب.
و لا شك في أن تهم حسبو التي ألصقها بحمر واصفاً إياهم بأنهم بلا تعليم و أنهم (الطيش) و أن منطقتهم بلا تنمية، لا شك أن هذه التهم تمثل إصدار حكم بواسطة مؤسسة الرئاسة ممثلة في حسبو بأنها لم تقم بدورها أو مسؤولياتها تجاه هذه المنطقة، مما جعل الواقع التنموي الماثل ينطق بالتدني العام غير المسبوق. و هكذا فقد طبق حسبو المثل القائل ( علی نفسها جنت براقش). و من الأمثلة الحية علی التدني العام بالمنطقة تدهور الوضع في مجالي الصحة و التعليم. و ليس أدل على بؤس الحال في هذين المجالين من أن تذمر المواطن قد بلغ منتهاه و أن معاناته أصبحت غير عادية، ما أفرز المرض و الجهل بالمنطقة بصورة لم تشهدها عهود الحكم السابقة، بما في ذلك الأنظمة الشمولية، الأمر الذي ألقی بظلال سالبة علی حياة المواطن، لا تخطئها العين. و من أكبر الشواهد على ذلك أن مجانية التعليم و الصحة قد أصبحتا في ذمة التاريخ.
من جانب آخر فإن مما يؤكد علی الإزدهار النسبي للتعليم بدار حمر سابقاً أن عدد المدارس المتوسطة بدار حمر، و وفقا لمخرجات مؤتمر التعليم الذي عقد بالأبيض في بداية عهد الإنقاذ، كان، وقتها، 66 مدرسة مقابل 11 مدرسة بإحدی مناطق الجوار الحمري، و أن أبناء حمر يمثلون قوام مدارس الأبيض و غيرها.
الجدير بالتأكيد أنه حتی كثرة المدارس و الجامعات التي تتباهی بها الانقاذ كانت و ما زالت، من حيث مخرجات التعليم، علی حساب نوعية التعليم و جودته، ما جعل جامعاتنا تختفي، من حيث المستوى، من قائمة التصنيف العالمي للجامعات.
يحدثنا التاريخ الحديث أن التعليم بدأ بدار حمر منذ فترة باكرة، حيث أنشأت العديد من المدارس الأولية و الوسطى في عشرينيات و ثلاثنيات القرن الماضي بكل مدن دار حمر. و تبعا لذلك فقد شهدت هذه المنطقة نهضة تعليمية نسبية عززها إنشاء المدارس الثانوية لاحقاً. لذا فقد رفدت هذه المنطقة الخدمة المدنية بالسودان بالعديد من الكوادر التي ساهمت في نهضة البلاد. كما كان أبناء دار حمر يتصدرون، في العهود السابقة، قائمة الطلاب الذين يتم قبولهم في جامعة الخرطوم و الجامعات المختلفة مما جعل هذه المنطقة هي الأولی من حيث أعداد المتعلمين علی مستوى كردفان.
و أود أن أقول لحسبو أن ود بنده بها عدد مقدر من البروفسورات و كذلك النهود و الخوي و غبيش و أبو زبد و الأضية و غيرها من مدن و قری حمر و الذين تلقی غالبيتهم تعليمهم في عهود سابقة عندما كان التعليم يقف علی أرضية صلبة من البنية التحتية و الفوقية.
يكفي دار حمر فخرا أنها أنجبت بروف وداد المحبوب إبنة الخوي و دار حمر، عالمة الفضاء بوكالة ناسا للفضاء، و هي أول إمراة عربية و مسلمة و أمريكية تحظی بهذه المكانة العلمية الرفيعة.
غير أن مما يمبز أبناء دار حمر عن غيرهم هو أنهم، و بحكم التنشئة، غير مجبولين علی التباهي و الفخر بتعليمهم و غير مطبوعين علی العزف علی وتر الذات و تعظيم القدرات كما يفعل غيرهم.
أما افتئات حسبو علی حمر من خلال إتهامه لهم بإثارة المشاكل و بعلاقتهم بالمخدرات و غير ذلك فتعد، دون ريب، تهما باطلة و ملفقة كونها لا تستند إلی دليل و لا تشبه حمر لا من قريب و لا من بعيد، بل و لا تتناغم مع تنشئتهم و تربيتهم الصحية المعافاة. لذا فهي لا تعدو أن تكون تهما مغرضة هدفها النيل من مكانة هذه القبيلة المسالمة ذات الرصيد الوطني الايجابي الكبير.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.