يرغب الكثيرون في قلب نظام الإنقاذ بثورة مثل أكتوبر 1964. ولكن لا أعرف ثورة مثل أكتوبر تجري استعادة تاريخها من مصدر أدب الثورة المضادة لها. واضطرني هذا إلى تأليف كتاب كامل بعنوان "ربيع ثورة أكتوبر" للرد على افتراءات الثورة المضادة التي يغرف منها أغرار الصحافيين وصفوة الرأي عامة. ولربما تأخر الخلاص من دولة الإنقاذ لقراءتنا الأدب الخطأ عن ثورة أكتوبر.

من أبشع (لكي لا أقول أسفه) ما التصق بثورة أكتوبر قولهم إنها ابتدعت "التطهير" فأفسدت الخدمة المدنية وصارت سنة في الدولة. فطهر نميري ثم طهر البشير وحينئذ جاطت. وعرضت في كتابي للإجراءات القانونية التي اكتنفت تطهير أكتوبر كفلت التحقق من التهم بالفساد الموجه للمستهدف بينما طهّر الانقلابيون بليل بهيم.

وفوجئت وأنا اتصفح جريدة الرأي العام لعام 1965 بشمول قسط الثورة، بعد التحقيق، خصوم لا خلاف في جرمهم. فجاء في عدد 23 مارس 1965 أن لجنة التحقيق القضائي قررت الإفراج من معتقل زالنجي كلا من اللواء طلعت فريد واللواء رضا فريد واللواء أحمد مجذوب البحاري واللواء المقبول امين الحاج أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم منذ 1958. وشطبت اللجنة البلاغ بحقهم في الاتفاق الجنائي للقيام بالانقلاب خرقوا به الدستور. وأبقت اللجنة التهم بحق كل من الفريق إبراهيم عبود واللواء حسن بشير نصر واللواء محمد نصر عثمان واللواء محمد أحمد عروة. ولم تفرج اللجنة عمن برأتهم لأنهم كانوا وقتها قيد الحبس التحفظي.

والمعروف أقله أن اللواء طلعت فريد كان وقت قيام الانقلاب بالقيادة الجنوبية بجوبا. وقيل إنه هدد بالسجن من نقل خبر الانقلاب في المدينة. وربما كان هذا حال كل من البحاري والمقبول ورضا استصحبهم الانقلابيون استصحابا. وما قصروا في السوء حكاماً. ولكن لهذا السوء تهمه الأخرى لا الاشتراك الجنائي الانقلابي.

هذا قسط الثورة تميز ضربها لأن العدل جبلة فيها. ومقارنة إجراءات محاسبتها لخصومها كما يفعل الكثيرون بما قام به انقلابيو 25 مايو و30 يونيو ضرب من الجهل والعماية وسوء النية. وما يُسْتغرب له ألا يجد طلاب التغيير في يومنا هذا أدباً عن أكتوبر سوى أدب من كرهوا حنانها. وآفة الكثيرين منهم أنهم لا يغشون مصادر أكتوبر الحقة ويستعيضون عنها بسفساف الثورة المضادة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.