كان الحديث يدور عن الإستثمارات الأجنبية في افريقيا، وكان المتحدِّث أحد الخبراء الأفارقة البارزين، وجاء الحديث عن الصين فقال ما يستحق التأمل، وضرب مثالاً بتفاصيله من دولة أفريقية روى له رئيسها بأن مستثمرين آسيويين جاءوا إليه طالبين أن يفتح لهم مجالات العمل في بلاده.. قال لهم الرئيس وما هو المقابل؟ قالوا له إنهم سيوفرون له (شيك مفتوح ومعاش جّيد وسكن لائق عند التقاعد) فرد عليهم: وماذا عن بلادي وشعبي؟ قال الخبير إن هذا للأسف هو تعاملهم مع أفريقيا ورؤسائها ومسئوليها! ثم مضى يتحدث عن طبيعة خروج الصين للعالم وقال إنهم معذورون في مراعاة مصلحتهم لأنهم لديهم فائض سكاني هائل، ودولتهم تحثهم للإندفاع للخارج وطرق أبواب العالم.. ثم أبان أن الصينيين عندما يستثمرون في أفريقيا وغيرها لا يوظفون عمالة إلا من بني جنسهم! ومضى الرجل يتحدّث بموضوعية عن مزالق الإستثمار الأجنبي وما قد يحمله من (فيروسات الفساد) وما يطرأ على المجتمعات المحلية من تأثيرات جانبية تصيب المنظومة الإجتماعية والثقافية..وهنا يطوف بالأذهان ما حدث في السودان من (كلاشنكوف الأخ السوري) في كافوري، ومن واقعة الرفيق الروسي في (وادي السنقير)! وليس من الخفي أن المستثمرين وغير المستثمرين من الصين وبعض دول آسيا لديهم ثقافة لا تستنكف أن تمنح المسؤولين وأصحاب القرار (هدايا ومزايا شخصية) وربما يقدمون بعض المال (داخل مظاريف) بإعتبار أن ذلك حسب أعرافهم (إكرامية لا غبار عليها) ويطلبون في المقابل بعض التسهيلات والتيسير وفتح الدروب و(تشحيم الأيدي) كما يقول المثل الإنجليزي! وربما يأملون في (بعض الصهْيَنة) عن بعض القوانين واللوائح! و(ظروف المال) هذه يقابلها من غير شك بعض (الترحيب الكتّامي)! 

الخلاصة أنه لا بد من أخذ الأمر بجدّية؛ ويجب على كل بلد يستقبل الإستثمار والوجود الأجنبي أن تكون له استراتيجية واضحة؛ لا أن يدير الأمر على الطريقة السبهللية على نهج (حبايبي الحلوين أهلا جوني أنا ما قايل..) وهنا لا بد أن تكون للدولة السودانية فلسفتها تجاه الوجود الأجنبي وعلى سبيل المثال: ماذا يقدم لنا الاستثمار الصيني؟ وما هوحجمه وتمويله واستخدامه للموارد المحلية؟ وما هي التقنية المستخدمة فيه ومن أين؟ وما هو حجم الوجود الصيني في السودان؟ وأين يعملون ويقيمون؟ وماذا يستهلكون؟ وما هي درجة احتكاكهم بالمواطنين؟ وما هو العائد من وجودهم على السوق المحلية؟ وما مدى تداخلهم مع القطاع الخاص المحلي؟ وما هو موقفهم من تشغيل العمالة السودانية؟ وما تأثير مجمل نشاطهم الإستثماري على مفردات الاقتصاد الكلي؛ مثل حركة النقد والتبادل التجاري والإدخار والديون... الخ إن البلاد التي تستقبل الإستثمار الأجنبي وتسمح بتدفق الأجانب إليها يجب أن تكون لها شروطها ومطلوباتها.. ولا ينبغي أن تترك ملفات خطيرة كهذه لمسؤول واحد أو شخص واحد..! وقد أشرنا الى تلك الثقافة التي تؤمن (بالإستفراد) بالأشخاص من أصحاب (الحنجرة السالكة) الذين ترى فيهم ميلاً للمنفعة الذاتية وعدم المبالاة بالمصلحة العامة.. فتغدق عليهم (المظاريف) والهدايا والأسفار التي (تلحس) بها عقولهم.. ولا مغالطة في أن بعض البشر يضعفون أمام مَنْ يهدى إليهم في برامج ما يطلبه المستمعون أغنية (الحب و"الظروف")!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.