الطنين يبدأ يقارع القدال!

( أنا عاصم الحزين،
لا أقبل في أستاذي محمد طه القدال.
أسميه حقلاً يسع السنابل كلها
وخريف الدُعاش المستمر
لا أساوم في موقف الروح منه
أحاور خبرته وأجاور إشاراته النِد بالنِدْ
أقف أمامه بما تراكم من خبرة الوعي بالمعرفة، وبإبداع الذات في الدروب المختلفة
أقترح له نشيداً
ويقترح لي نشيداً
الحجر
البئر
العين التي رأت
العُشب على الحواف
الموتى بجانب الطريق
الشجرة التي الحلم
الحصاة في فنجان القهوة
الضوضاء ما برحت عادية
( الطِريف ) والرِمش يضحك
البنت التي...
المبالغة
والشعر حين الوردة
الضوء يتوضأ بالشعر
الندم منقبضٌ
النية( تِلّيسةٌ )
الشهوة هوّةٌ
الدم لا أماماً ولا بعد القتال
الحب لا يتعالى وقال:
أنتَ تحب محمد طه القدال
وأنا أقول:
أحب أستاذي محمد طه القدال
أحب مبدعي بلادي
وأحب أبناء شعبي عليهم السلام أجمعين
و
سلامٌ حتى مطلع الأمر. )...
- عاصم الحزين -
الخرطوم/ نوفمبر 2014 م.

هكذا، من وجوه وتلاوين القصيدة، ينشأ حب الناس للقدال. لا من المدائح ولا من الرياء، ولا من المجاملات التي لا تري مافي الشعر من جمال ومن درس .... بل من تلقاء القصائد وفعلها في قلوب ووعي الناس. وكما نري هنا، فقد رأي عاصما فيه ( يقينه ) فأفصح عن مواجده نحوه، نحوه هو شخصيا، ونحو شعره الذي جعله في كل هذا اليقين. وفي ظني، إن عاصما لم يطأ موضع الشك، بل دلف بدواخله كلها إلي ذلك الملكوت الظليل من الحب صنيع القصيدة، فكان هذا اليقين الذي جلبه إليه الشعر. ولا أظنه، أيضا، قد عرف ذلك ( الطنين ) الذي شاكس القدال في رؤاه كما أسفرت عنها قصيدته التي نحن بصددها، نعني قصيدة( طنين الشك واليقين ) التي هي من جديد شعر القدال كما أشرنا إليها في مبتدأ هذه الكتابة، وهي نفسها التي رأينا إنها تكاد تكون ( عتبة ) جديدة عالية في مسار قصيدته، وإنها تستحق أن نقف حيالها، بالتأمل الكثير وبالدرس أيضا. ( الطنين ) إذن، قرع كثيرا في وجدان القدال وهو يحدس ويرهص بهذه القصيدة، والطنين أجراس، لها دوي وإيقاع. يكون خفيفا هينا حينا، ويكون أحيانا دويا هائلا يهز الوجدان ويرعشها مثل قرع طبول في غابة بتول. هو تنبيه بما هو حادث، أو ذكر بما جري في برهات عاشها وجدان الشاعر ووعيه، بحساسية الشاعر فيه بكل ما يعتورها من قلق ورعشات ورؤي محرقات في تجوالها داخله. تختزن ذاكرته كل هذا اللهيب، حد توصله إلي قلبه فيرقشه ويتداعي الرهق اللذيذ فيكون في الجسد! ما أقسي تلك البرهات علي قلب الشاعر، وما أجملها، وهي منه في بلبالها ذاك حتي تكتمل صورتها في رؤاه، عفية في جمال سماتها وملامحها فتخرج في الناس تقدل في دلالها، جالبة الحب إليهم و ... اليقين. لكن، وقبل أن تكون تلك البرهات يقينا، فهي تكون طنينا في وجدان الشاعر، وتطال، في ذات البرهة تلك، ذاكرته، تنتاشها وتناوشها، شيئا ما أشبه بالإفتراس، لكنه منه الرحيم، يكون في الدم لا في الجسد، في الذاكرة نفسها حيث الوعي سيدها وهو الآمر في راهنها. فيكون الطنين قادرا علي إستثارة دواخل الشاعر كلها لكي تنتبه و ... تري ما هو حادث فتكون فيه. وهنا بالضبط يأتي ( الشك ) مقحما نفسه، في ذلك العنفوان، ويفعل فعله الذي قد يورده مورد الحريق فيجعله في الأتون من اللهيب، لا وجعا يمسك به وإلا وضعه فيه، في المحرقة التي تؤلم حد القسوة، لكنها ( القسوة التي في الحليب ) علي قول المجذوب. لكنه - وياللمفارقة هنا – قد يكون لطيفا أحيانا، لينا وحانيا، جميلا في مسراته، لكأنه وردة الصباح قد تفتحت لتوها في شروقها.

الطنين، في رفقة الشعر:
فما هو الطنين، لغة ومعني؟ طن يطن طنا وطنينا، يراد به، علي ما جاء به لسان العرب، القطع أو بتر الذراع بالسيف، وتلك مفارقة هنا أيضا. وهو صوت الأذن والطس والذباب والجبل، فتأمل! وهو صوت الطنبور وضرب العود ذي الأوتار، وطنين الذباب صوته إذ مرج وسمعت لطيرانه أصواتا, وطن طنطنة ودندن دندنة بمعني واحد، وهو الصخب في الصوت وتعني الكلام الخفي ...، ذلك، إذن، مما قالت به العرب في معني الطنين، لكنني أري إنه كان جلبة عند القدال، جلجلة وضجيج ظل يقرع دواخله فيجعلها في الإنتباه لحالها وهي تعيش قلق الأسئلة في تواترها المؤلم وهواجسها المقلقات لطمأنينة نفسه ... لقد رأيت قلقه جراء ذلك الطنين كله يكاد يجعله - لفرط خشونة الواقع من حوله – في الفزع، الذي هو أحد تجليات قلب الشاعر ووساوسه عندما يعيش تلك اللحظات، بالغة الحساسية والألم لطلوع القصيدة. يقول عن (الشك ) لحظات اشتداد الطنين عليه : ( الشك رهاب الذاكرة )، لا ينفك عنها، بل يلازمها في تحولاتها تلك، ثم يقترب، يقترب وهو ينازع نفسه ليقول: ( الموية بتنقط يقين! ). وفيما سبق رأينا كيف جعل من الماء كثيرا من العزاء ، بل شيئا كثيرا من الأمل و ... لربما أحد عتبات طريق الخلاص وقد رأه، رأي العين، وليست تعطي الأمل وتمنح الضوء في النفق فيضئ فحسب، بل، بينما هي تفعل ذلك، تطرد تلك المنغصات البشعة عن الطريق، فيكون ممهدا لكي يمشي إليه الناس، أنظروا ما يفعله الماء، أيضا، وهي تغسل وتدحر وتزيح: ( تهرد هرد ... / أدران نفوسا خاينه خايفه وماكرة ... / الموية عندها ذاكرة . ). يا سلاااااام، ليتني أجد وقتا أتقصي فيه وأتأملها تلك الذاكرة المدهشة، ذاكرة الماء في شعر القدال، سيكون ذلك لاشك درسا عظيم القيمة والجدوي في النظر إلي شعرنا، فلم أري، فيما أعلم، أن هنالك من جعله في مثل هذا الوجه في شعرنا كله! تتجول الرؤيا، في هذا المنحي، وتحلق في أعلي أعاليها و هي تصور معني تلك ( الذاكرة المائية ) في إختلاطها بالناس ومعايشتها لهم كل أوقاتهم. تلك الحيوات الجميلة السمات في الوطن رغم البؤس والشقاء والعسف الذي يحيط بها صباح مساء ، فتعطيهم الأمل مزهرا في شروقه، تجعله القصيدة دانيا إليهم وبين أيديهم .

أين يذهب الطنين وماذا يترك من بعده ؟

الماء هو ما جعل الأمر هينا، وهو الذي ( غسل )، نظف ونقي، فغدت الرؤيا في جلاء الوضوح ومصاحبة الحياة، في المسرات التي تكون بعضا كثيرا من أناشيد وأغاني الحياة في الناس وهم يسعون، سعيهم كله، صوب الغد. أعطتهم الثقة وأرتهم ملامح المجد من حولهم، لعله يواسي جروحهم وهو يفصح عن معاناته التي أوصلته إلي عتبات اليقين، وقت أذهبت ( ذاكرة الماء )عنه ذلك الطنين كله. يقول:( وريني سيل نسي مرقدو؟ ). يقول بذلك وهو ( يهرول )، لكأنه لا يود يضيع وقتا أدخره ليكون في شأن الناس لا غير. وهو علي تلك الحال، ومن وسط ( الجلجلة )، يضع نفسه في موضع الندي، في الموضع الذي فيه الذين هم في رؤاه بذرة يانعة و ... مزهرة، إلي حيث الإشارات التي أخذته إليها وهي تؤشر إليه ليكون، فيتأمل حالهم ويريهم وجوها لم يروها، أو بالأحري، لم ينتبهوا إليها حتي جاءهم المدد، مدد الماء في معية الضوء. يقول في شأن حالهم:( أما المساكين الدراش ...)، وتأملوا هذه المفردة الجميلة في موضعها ( الدراش !)، .../ فالخور وسائد مرقدم ... )، هكذا رأهم فتفطر منه القلب وأقتربت الرؤيا منهم فلامستهم في حالتهم تلك من بؤس الحال ووخزات المسغبة وهم في ( مرقدم ) و ... ياله من مرقدم! وهم علي تلك الحال، تأتيهم إشارات، لكنهن الكاشفات، فتجعلهم في ( الظن ) الذي هو صاحب ( الشك )وثمرة ( الطنين ) في ذات الوقت. ألم نقل أن بعضا منه يكون أحيانا هينا ولطيفا و ... هاديا؟ فمتي، وكيف يأتي ذلك ( الظن ) الكعب؟! لا، هو ليس ظنا جاء الشاعر فخالط إليه رؤاه، بل هو ما رأه باديا في الناس المتعبين في مراقد البؤس تلك. يقول:

( فالخور وسايد مَـرْقَـدُم..
من فد هطيل ..تِـنْـدَكَّـا
والذاكْـره لامن تـنغمِـس في الطين ..
بتصبح طين ..
طيناً عَـميكـة ولـُـكـَّـه.
ويومها التغيب في ظِـنَّـتَــك
راحت عليك السِكَّـة.
حِس القِـرِش .. ظِـنَّـه
خَم الهَـبـِش .. ظِـنـه
دم النَّـبـِش .. ظِـنـه
ما بيتسمع.. ولا فـيـش يقـين
إلا النويـح فـوق البِـرِشْ
تـتـذكر الكـون في شـريـط
ويـمر عـليك طـيف الحياة
زي البَـرِقْ
ويجـوط عليك العَـرْشْ
ما تْـفُرزو من قَش العَـرِشْ.
يمسخ عليك الموت
تحـلالك الدنيا
بس العُمُر هيهات ..
لا طار ولا ركَّ ). ...

عندما يأتي الماء، حين يأتي، ليكون خيرا وعافية في الناس، ليكونا مددا لحياتهم، وسكة سالكة للمسير، وليكون الضوء إليهم وشارة إنتصار وفرح، هذا بالطبع لو كانوا من رؤياه، في حقيقته التي هي من ذات وجوههم في معاشهم اليومي (ومراقدهم). حينها يكونوا في الرؤية المنيرة، وفي صحبة عافية البقاء و المسير الذي يقود خطاهم إلي حيث يكونوا في مراقي المستقبل الموعود بشروقهم فيه. لكن الشاعر يذكرهم و ... يذكرنا، وهو تنبيه جراء المكابدات، بما من شأنه أن يغبش لديهم، ولدينا، رؤيتنا فيسوء حالنا فلا نعود نري، لذا نري أن ( التنبيه ) هنا من لوازم الصورة والمعني في القصيدة، ولا مندوحة من ذكره. وتلك ( الظنات ) ولا أقول الظنون، تكاد تبلغ مرتبة الطنين، لكنها لا تكونه أبدا، برغم المسار الوعر للقصيدة في مناحيها هذه، في تحليقها في المعيش مما نحن، جميعنا، منه وفيه! تستطيع أن تري كيف تكون الذاكرة حين هطول الماء، حين يكون الطين طينا حتي ( تنغمس ) بعضا من الذاكرات فيه، فتصبح طينا هي الأخري، فلماذا يكون إنغماسها فيه أصلا؟ ذلك من (غبش ) الرؤية لاشك، التي لأجلها أوقد الشاعر مصابيحه في مواجهتها، لينكشف أمامهم ما لا يرونه منها، وتلاحظ أن الشاعر قد جعل من ذلك بعضا من مهمات قصيدته ليكون في خدمة الذين يحبهم. ثم رأينا كيف تضيع ( السكة ) نفسها عن تلك الذاكرات حين تصبح طينا في الطين فلا تعود تري ولا تحس! تصبح تلك ( الظنات ) وبالا علي الحواس، إذ تجعل السمع غائبا، فالطين قد غشاه فعاد السمع معطلا، هنا يغدو ( اليقين ) منعدما، ويبلغ الحال ببعض الناس مبلغ اليأس والحسرات والتفجع والإستكانه، فمن أين يأتيهم اليقين إذن؟ وقد أصبح عندهم محض ( نويح فوق البرش )؟ تلك حال من لا يحسنون البصر، والبصيرة فيهم في الغباش الذي يعتم رؤياهم، إذاك، ويالويلهم، ( يجوط عليك العرش / ما تفرزو من قش العرش! ). فما المخرج ، إذن، من مأزق الطين هذا، وكيف يكون وجه الخلاص والبشارة في القصيدة؟ ذلك ما سوف نراه في كتابة قادمة .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////