أعود اليوم لرسالة المغترب الذي عاد إلى البلاد بعد سنوات طويلة امتدت لأكثر من عشرين عاما. في المقتطف المأخوذ عن الرسالة في المقال السابق تحدث العائد عن انطباعاته الأولية لحظة وصوله إلى مطار الخرطوم، أما في مقتطف اليوم فيعرج الرجل إلى ما يمكن وصفه بحالة "السعر السلعي" التي انتابت البلاد خلال الشهرين الأخيرين وأدخلت السوق في حالة من الفوضى وتركت المواطنين حيرى يفتقدون بوصلة التوجه أمام الارتفاع المتوالي لكافة أسعار السلع الضرورية وما صحبها من جشع بشري واضح تظهره موجة الاستغلال التي ركبها جميع التجار صغيرهم وكبيرهم. لكن لنرجع لرسالة صديقنا العائد ونقرأ جزءا من انطباعاته حول كل ذلك:

"صدمني الغلاء الفاحش الذي بات يحاصر المواطن السوداني في كل خطوة يخطوها، الحياة – هنا – في هذا الجزء من العالم صارت شاقة إلى أبعد الحدود، فما يمكن شراؤه بـ"تراب الفلوس" في أي دولة أخرى ستجد أن سعره هنا أضعاف أضعاف المتوقع، لم يعد موجودا ذلك الفاصل الوهمي بين الضروريات والكماليات، لم يعد موجودا ذلك الفصل الرمزي بين المنتج المحلي والمنتج المستورد؛ كلها صارت دون متناول اليد، والاقتراب من "أتفه" سلعة صار أشبه بالاقتراب من النار. ما الذي يحدث بالضبط؟
سأورد بعض المشاهدات هنا. في أحد الأيام كنت اشتري "وصلة كهربائية" من أحد محلات المغالق، ورغم أن السعر بدا لي عاليا جدا ومبالغا فيه، إذا تجاوز المئتي جنيه، إلا أن دهشتي الحقيقية ارتسمت على وجهي حين دخل زبون آخر وبدأ يسأل عن بعض الأدوات المتعلقة بـ "الحمامات"؛ "حنفية ودش وأشياء أخرى". حين نطق البائع السعر المليوني لهذه الحاجات الضرورية والبسيطة تساءلت بيني وبين نفسي كيف للناس العاديين شراء مثل هذه الأشياء منذ اليوم فصاعدا؟ وهل ستكون هذه بداية العودة – بشكل جدي – لأساليب قديمة عفا عليها الزمن تتعلق بحاجات "الحمام"، مثل الاستحمام بالجردل، واستخدام "الأباريق" بدلا عن الحنفيات، مع الاستغناء تماما عن المظهر الصحي للحمامات الحديثة؟
من لا يحب الأطفال ويسعى لاسعادهم.. لا أظن أن هناك شخصا يكره الأطفال ويعمل على اتعاسهم إلا إذا كان مريضا نفسيا أو من الملوثين سلوكيا؛ لكن يبدو أن أطفال السودان – غصبا عن أهاليهم – انتقلوا تلقائيا مع التغيرات الأخيرة إلى مرحلة الطفولة التعيسة. كيف ذلك؟ الإجابة تكمن في الاستحالة التي باتت تواجه الآباء في شراء أبسط الأشياء التي يمكن أن تسعد الصغار، وهنا لا أتحدث مطلقا عن الألعاب والمجلات المصورة والكتب أو زيارة الحدائق والملاهي أو عن الالتحاق بفرق الكشافة وصالات التريض وغيرها من وسائل الترفيه المفيدة والمحببة للأطفال، هنا أتحدث عن الحلويات مثلا، عن "الشبس"، والعصائر والآيسكريم.. هذه الأشياء الخفيفة التي تعدل مزاج الطفل وتشعره بالفرح ولو لحظات. هذه باتت من الأشياء المتعسرة أمام الأسر، هل هذا متخيل؟
أخيرا أود الإشارة إلى ملاحظة عابرة أتمنى أن تكون غير صحيحة وناتجة عن التشوش الذي أصابني منذ عودتي. فلقد لاحظت أن حالة من اللامبالاة أقرب إلى الذهول تكتسي وجوه الجميع، وكأن ما يحدث لا يعنيهم في شيء، أو أنهم حثيثا ينجرون إلى بئر الكآبة!".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.