كل ما تملكه "بعثة السودان الدائمة لدى الأمم المتحدة بجنيف وسفارة السودان لدى سويسرا" هو "مقر المندوب الدائم"، الذي تم شراؤه أوئل تسعينات القرن الماضي، أيام وزيرالخارجية و مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة بجنيف سابقاً المرحوم على سحلول.

البعثة الدبلوماسية السودانية في جنيف لا تملك رصيد علاقات دبلوماسية ولا إنجازات تُذكر في مجال العلاقات الثنائية Bilateral relations مع الكونفدرالية السويسرية التي تتميز بدبلوماسيتها الناعمة و تلتزم الحياد في أغلب الأحيان تجاه الملفات الدولية الساخنة .... و ليس لها رصيد علاقات متعددة الأطراف Multilateral relations في محطة دبلوماسية مثل (المقر الأوروبي للأمم المتحدة بجنيف) الذي يُعتبر من أميز المحطات الدبلوماسية وأهمها بعد نيويورك.

سفير سابق عمل "نائباً للمندوب الدائم للبعثة السودانية بجنيف" ومسؤولاً عن ملف حقوق الإنسان بالبعثة نجح في إقناع وزارة الخارجية ببيع "مقر المندوب الدائم " في ضاحية Vesy بالقرب من جنيف بتكلفة تبلغ 2.885.000 (مليونان و ثمانمائة و خمسة و ثمانيون ألف دولار أمريكي) مقابل شراء آخر بفارق سعر 600 ألف دولار أمريكي ،

لم يكن هناك مبرر مقنع لبيع " مقر المندوب " و استبداله بآخر بفارق سعر يزيد على نصف المليون ألف دولار أمريكي مع العلم بأن البيت المراد شرائه يقع تحت خط الطيران لمطار جنيف الدولي وبسسب ضجيج الطائرات تنخفض أسعار العقارات في تلك الضاحية.

تفاصيل القصة المؤلمة لبيع ورثة السودان بالخارج يمكن اختصارها مُجملاً في أن بعثة السودان لدى الأمم المتحدة بجنيف الذي يمثلها السفير السابق المعني بملف حقوق الإنسان آنذاك والموكل إليه بيع المقر ودون اتباع الإجراءات الإدارية المتعارف عليها في مثل هذه الحالات من تكوين لجان للبحث عن عروض لا تقل عن ثلاثة عروض و من ثم دراسة تلك العروض و ترشيح ما هو مناسب منها وهذا مالم يحدثاعِتبرالسفير المعني بهذه الصفقة أنُه لجنةً كاملة الصلاحيات.

عند توقيع العقد المبدئ بين الأطراف في 12 يونيو 2012 طلبت الجهة المسؤولة عن تنظيم بيع العقارات في جنيف أو ما يسمى "بكاتب العدل" من البعثة باستكمال مستنداتها الخاصة بالعقار و أهمها شهادة "خلو الطرف" وقد أكدت البعثة أن شهادة خلو الطرف موجودة و سيتم إحضارها عند توقيع العقد النهائي في 30 أبريل 2013، ولكن تم تأجيل توقيع العقد بإتفاق الطرفين إلى تاريخ 19 يناير 2014.

و عند التوقيع النهائي أتضح أن شهادة خلو الطرف غير موجودة في مستندات البعثة و لا في رئاسة وزارة الخارجية بالخرطوم وبناءاً على غياب مستند مهم امتنع كاتب العدل عن التوقيع وتكون بذلك الصفقة قد إنهارت بكاملها.

والسؤال الحائر الذي لا إجابة له حتى الآن، ما هو مصير هذه الشهادة التي تعتبر مستند مالي مهم جداً تقدر قيمتها بمبلغ 800 ألف فرنك سويسري ؟

مُجمل القول أن المشُتري طالب حكومة السودان بمبلغ 894.000 فرنك سويسري ما يقارب (المليون دولار أمريكي) كتعويض ضرر لعدم التزام حكومة السودان بإكمال مستنداتها، وقد تنازلت بعثة السودان بجنيف عن حصانتها الدبلوماسية لأجل هذه الصفقة، الأمر الذي سيجعلها عرضة للمساءلة أمام القضاء السويسري، وهذا رصيد يضاف الإخفاقات السابقة للبعثة.

وخرقاً للأعراف التجارية، وقبل أن تتم عملية بيع البيت الأول وشراء الثاني، طالٓب (السفير المسؤول عن هذه الصفقة ) البعثة السودانية بجنيف بدفع أتعاب الوسطاء "عمولة السماسرة"، قبل أن تتم تلك الصفقة.

وبالفعل تم دفع الأتعاب للوسطاء الذين يحتمون تحت اسم وهمي لوكالة عقارية غير مسجلة لدى الغرفة التجارية بكانتون (ولاية) جنيف قبل أن تكتمل تفاصيل الصفقة".

إختفاء مستند مهم تقدر قيمته بمبلغ لا يستهان به، لا تعلم وزارة الخارجية مصيره، ولم يعثر عليه في أدراج البعثة السودانية بجنيف، ولا في رفوفه،ا يعزز الأصوات التي شككت في عدم مهنية الدبلوماسية بالخارج. فالدبلوماسية التي لا تستطيع أن تحمي أصولها في الخارج، لا تستطيع أن تضمد جراحات علاقات الوطن.

لو فرضنا جدلاً أن بعثة السودان كان لديها مبرراتها المنطقية لبيع "إقامة المندوب" و شراء آخر، كان يتوجب عليها أن تستعين ببيوت الخبرة وأهل الاختصاص في مجال العقارات في جنيف، بدلاً من الإستعانة بوسيط أو سمسار ليس لديه صفة قانونية، وليس لديه اعتماد لدى السجل العقاري السويسري.

كما يتوجب على البعثة تكوين لجنة إستشارية لمتابعة عملية البيع و الشراء التي قام بها الدبلوماسي المذكور (نائب المندوب بجنيف سابقاً) بدلاً من تشكيل لجنة صُورية تحكم في مفاصل قراراتها الدبلوماسي المذكور.

حكومة السودان كانت الخاسر الأكبر في هذه العملية التي ربح فيها المشتري الذي طالب حكومة السودان بمبلغ يقترب من " المليون دولار أمريكي" نسبة للأضرار الناجمة عن خطأ دبلوماسي. وربح الوسيط ( السمسار) الذي أخذ نصيبه بطريقة استباقية و كأنه يقرأ تفاصيل الغيب بعدم نجاح هذه الصفقة، وخسرت حكومة السودان لأنها مُطالبة بدفع مبلغ (مليون دولار أمريكي)، وفي حال عدم السداد، سَتُقدم حكومة السودان ممثلة في البعثة بجنيف إلى محاكمةٍ ومساءلة قانونية، بعد أن تم رفع الحصانة عنها.

الوقت الذي أضاعه سفيرنا العبقري في البحث عن بيت بديل و مقابلة السمسامرة كان من الأفضل أن يستثمره في تقوية أواصر العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأعضاء في منظومة الأمم المتحدة و المجتمع الدولي وتطوير العلاقة مع دولة التمثيل و إنجاز مهمته الدبلوماسية دون إنصراف خاصةً و أنه كان مُمسكاً بمقاليد أهم الملفات ملف حقوق الإنسان الذي لم يشهد أي تقدم حيث لا يزال السودان تحت مطرقة مجلس حقوق الإنسان عبر ولاية الخبير المستقل الذي يراقب أوضاع حقوق الأنسان ليزود بها أعضاء المجلس في تقريرٍ يقدمه في سبتمبر القادم.

بالتأكيد ستقوم وزراة الخارجية بدفع المبلغ الذي سيُكلف كل بيت سوداني ربما دولار لتُسدِل الستار عن حلقة من حلقات مأساة السودان في الخارج دون مساءلة أو محاسبة السفير المعني بالصفقة بل ربما نسمع قريباً بتعيينه في سفارة ناصية في إحدى سفارات أوروبا أوالأمريكتين.

لكن ضجيج الأسئلة الذي ينفجرُ في الذهن هو:

لماذا لم تتحرك وزراة الخارجية رغم علمها بجميع التفاصيل عن هذه الصفقة الخاسرة ؟

هل ما يحدث في السفارات بالخارج، هو انعكاس لما يحدث بالداخل من فساد وعدم مساءلة ؟!..