لو سأل (مواطن ياباني) حكومته عن التقصير والفشل أو عن الفساد والغلاء هل يمكن أن يرد عليه الناطق بإسم الحكومة القائمة ويقول له: وماذا في ذلك؟ لقد كانت هناك (أزمة في البصل) في عهد الإمبراطور هيروهيتو! هذه ليست نكتة إنما هي من صميم يوميات السياسة السودانية الماثلة الآن والمتمثلة في طبيعة (المداراة) عند الجماعة؛ فقد قال أحد كبرائهم في معرض الدفاع عن (الطاحونة الحالية) ما معناه ألا تعرفون أن (عود الكبريت) كان معدوماً في عهد الفريق عبود! هذه (المداراة) بسم الله ما شاء الله طبيعة متسلسلة لديهم وكأنها من مكنون (الجينات) يكتسبها القوم كابراً عن كابر: تنزيه الذات وإغماض العين عن (العوج) والهروب إلى الأمام والخلف وإطلاق الدخان لتعمية الحقائق وتغبيش الواقع للتنصل من أي مسؤولية ومحاسبة، وإحالة كل مصيبة إلى العهود السابقة التي يتنّزه عن خطاياها عهدهم الميمون! ولا أدري ما علاقة عبود و(أعواد الكبريت) بالأزمات الراهنة! وكأن ثلاثين عاماً لم يكن فيها الكفاية لمحاسبة النفس على التقصير والتدمير؛ ويذكر الناس كيف رجمتم الديمقراطية الأخيرة بشواظ من نار وحملتموها أوزار الازل والأبد وهي لم تكمل ثلاثة أعوام! فكم بقيت وكم بقى عبود في السلطة؟ ثم لم نعرف أن السودانيين اشتكوا من (قدْح النار) في عهده؛ فكيف كنتم إذن أو كان آباؤكم يشربون الشاي كل صباح؟

هذا هو الهزل بعينه.. وهو ما يصم الحياة الآن كل يوم، وحتى بالأمس القريب تاهت الحقائق في مأساة (وادي الصنقير) وتملص المتملصون والتفوا حول عدم التنسيق بين المركز والأطراف وبين مسؤولي الأراضي والاستثمار، ومستويات الحكم المحلي والولائي والمركزي.. وأنه -إن شاء الله- سيتم التنسيق! ولكن لماذا احتاج التنسيق إلى ثلاثين عاما؟ كل مرة يُقال سنبدأ تقويم الحكم الاتحادي، وسنعيد تعمير مشروع الجزيرة، وسنوفر المياه لبورتسودان، وستعيد للسكة حديد (سيرتها الأولى)؟ وسوف وسوف وسوف، وعلينا ألا ننزعج لارتفاع اسعار الرغيف أو هبوط الجنيه لأننا سنعمل على زيادة الانتاج، وسنعمل على دعم الزراعة الآلية ويجب على الشعب ألا ينزعج ويتذكّر أن الكبريت كان معدوماً أيام الفريق عبود!

كم استغرقت النهضة من الركام إلى التنمية الشاملة والإزدهار الاقتصادي القياسي في الدول التي تُعرف بـ(نمور آسيا)؟ كم استغرقت نهضة ماليزيا من السنوات؟ دعك من آسيا وماليزيا ولننظر إلى (رواندا) التي كانت شهرتها (الابادة الجماعية 1994) التي حمل النهر فيها مليون جثة؟ كيف أصبحت خلال عشر سنوات فقط؟ هي اليوم انظف عاصمة في افريقيا، وأكثر الدول الافريقية استقطابا للمستثمرين والسياح، وارتفع ناتجها المحلي الى 7% وتفوّقت بذلك على نسبة نمو الصين! وحازت على لقب (سنغافورة افريقيا) وتضاهي شوارع العاصمة كيغالي في النظافة والأمن وكفاءة مراكز التسوّق العواصم الأوربية، واستطاعت تحويل احيائها العشوائية إلى مبان راقية ومناطق متكاملة الخدمات، وأغلبية مجلسها التشريعي من النساء!

خلال عشر سنوات استعادت رواندا العافية وطوت صفحة المأساة الدموية، وأقامت في عاصمتها (من باب العِبرة) متحفاً تذكارياً للابادة الجماعية؟ كل هذا في عشر سنوات، وفي بلد مساحته 26 ألف كيلومتر فقط، وسكانه نحو 12 مليون نسمة! فأين هذا من جماعة (عود الكبريت)!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.