رغم الإحن والمحن التي تحيق بالوطن والغموض الذي يغلّف مستقبلَ ظلمةِ المجهول ،يومِضُ النورُ فجاءةً لنرى عظمة هذا الشعب متمثلة ً في إنسانه : كنزه الذي نتمنى أن يحدث التغييرالمستقبلي المنشود . الكثيرون إستسلموا للقنوط وأدمنوا العجز الفعلي وربما القولي بينما يتمسك الأخرون ببعض ِ الأمل:

أعللُ النفسَ بالآمالِ أرْقُبها ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةِ الأملِ
في مطلع ِ هذا الشهر ، أكملت إمتثال محمود ذات البضع ِ وعشرين عاماً ، الأمريكية الجنس سودانية الهَوى والهَويّة ، مسيرتها الطويلة مشياً على الأقدام لتقطع ما يربو عن الألف كيلو متراً من الفاشر إلي الخرطوم دعماً للسلام في دارفور .في لقاءاتها الصحفية والفضائية حرصت إمتثال أن تتحدث باللهجة السودانية رغم صعوبة التعبير دون أن تترفّع او تتباهى ، فعلت ذلك رغم بلوغها أعلى مراتب اللغات الأجنبية تحدثاً وطلاقة ، كتابةً وشِعْرا ، تلك دروس عملية في التبسط و التواضع .كما لا بد أنها كانت حريصة لتعبر عن الأثر القوي للهوية السودانية كما أشارت من قبل الصحفية النابهة المشغولة بهمِّ الوطن . فعلت ذلك لتلفت أنظار العالم لقضية أرّقت الوطن وشعبه لعقود من الزمان . لا بد أنها قد أرادت أن تتكلم بالفعل لا القول لتحرك ساكن العجز الشعبي والسياسي مستلهمةً الفكرة من عظماء التاريخ : غاندي و"مسيرة الملح" ضد المستعمر في الثلاثينيات من القرن الماضي. مثل هذه الأفعال لا تصدر إلا ممن لديهم ملكات الإبداع ، القيادة والريادة جعلتنا نتساءل فنبحث : من هي إمتثال إبراهيم محمود ؟
ولدت أمتثال محمود أو " أيمي" كما تعرف إختصاراً في العالم الغربي في السودان لأسرة دارفورية هاجرت لليمن ثم الولايات المتحدة في العام 1998 م وهي مابعد طفلة . تميزت إدبان مسيرتها التعليمية بجوائز عدة في مدينة فلادلفيا موطن نشأتها حتى دخولها الجامعة حيث أكملت الأساس العلمي ثم تأمل أن تنمّيه بدراسة العلوم الطبية الحديثة.

لسنواتٍ خَلْت ، نشطت إمتثال في العمل الثقافي و الطوعي على المستوى المحلى ثم العالمي حتى غدت ذات حضورٍ عالمي مرموق ، فبلغت شأوا بعيداً حتى صنّفتها هيئة ألإذاعة البريطانية ضمن مائة إمرأة الأكثر إلهاماً في العالم ، وثابرت في مجال العمل الإنساني لتلفت الأنظار لمأساة المهاجرين العرب والأفارقة الذين تخطّفتهم أشباح موج الموت في بحر المتوسط فرسمت معاناتهم في قصائد بليغة بلغةٍ رصينة لفتت أنظار العالم لهم ثمّ إليها. فشاركت بعدها في مسابقة وكالة غوث اللاجئين في العام 2015 م فحصدت عن طريقها على الجائزة الأولى بعد أن أهدت فوزها لأمها لتعزز في عرفان دور الأسرة قلب المجتمع في ما آلت إليه.
كما شاركت إمتثال وكالة غوث اللاجئين عمله في إفريقيا وعلى سواحل اليونان وقابلت الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في حفل العشاء الذي أقامته الجمعية الإسلامية بأمريكا في العام 2016م . في العامين السابقين أصبحت إمتثال محمود رمزاً عالميا ً في مجال العمل الطوعي ، وأديبةً مثقفةً تدعوها المراكز الطوعية والثقافية لتبث الإلهام والأمل في النفوس ، فأصبح طائرُ شعرها يغردُ صباحاً في مدينة الضباب بلندن ، وظهراً يشدو في عاصمة الفنون والثقافة بباريس وليلاً يترنم في وهج ليل بروكسل.
الأهم في الأمر أن أمثال إمتثال محمود ورفقائها من أبناءِ الشتات المتحيرين دوماً بين واقع ركام الوطنْ ، وفرص الإنطلاق في حرية العلنْ ، ترهِقُهم هُموم هوية التغريب ، ويخافون تبعات لُجةِ التقريب . يرون في أهلهم وذويهم أثرِ نصلِ هجرةِ الحزنْ ، وذكرى نكبة الشجن ْ . رغم ذلك ما زال الوطن باقٍ في قلوبهم أن يعملوا من أجله كلٍ على طريقته أملين أن تنصلح الأحوال ، شهراً ، سنة ً أو أجيآل.
يفخرُأهلهمُ بهم ليستمدوا القوة فيصارعوا هوجَ رِيحِ هجرةِ الحزْن :
يا ريحُ أنت إبنُ السبيلِ ما عرفتَ ما السَكْن ، هَب جنة الخلدِ اليمن ؟ لا شئ يعدلُ الوَطَنْ ، لا شئ يعدلُ الوَطَنْ ، لاشئ .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.