من حرفته كبناء محترٍفٍ يشيد البيوت وكل ما يعمُر تحته الناس، جاء لقب "المُعلم"، فهو حازق في صنع الزاوية وماهر في رص الطوب بانتظام واحدة بعد أخرى بسرعة فائقة مدماكاً بعد مدماك من الأساس حتى يستوي بناءً يسر الناظرين، اكسبته مهنة أبي الانبياء الصبر والمثابرة، وعلمته أن لا شيء في الحياة يتم بغير تخطيط وحكمة في التصرف الموزون والتنفيذ بدقة متناهية حتى لا يميل مثل البنيان فيسقط وينهار، وعليه لم يكن هناك فاصل بين تفكيره المهني والحياتي اليومي في مسرى الساعات بعد انتهاء العمل، فتداخلا في حالة ذهنية ترجمها لأفعال سهلة في ترميم نفوس الناس من حوله او بناء جسور مودة بينه وبين الناس وبين كل معارفه فأصبح نقطة الالتقاء مثل مغنطيس بشري، لذا نحن- أبناؤه وبناته واصدقاؤه الذين حظينا بقربه، كنا نطلق عليه هذا لقب “الُمُعلم""Guru " ليس لارتباطه المهني بل لحكمته الثاقبة في الحياة، التي عنوانه فيها الابتسام، ومسكنه الدائم فيها المحبة.

عندما تجي ابتسامته امامه تفتح له كل الأبواب فيطل عليك بجلبابه الأبيض الناصع مثل روحه المصقولة بالبريق والندى، لا تنس أن ذاك الجلباب المميز الذي يرتديه في كل الاوقات ويٌلبس بالوجهين، وتلك الطاقية " الانصارية" التي تكاد ان تثقب الفراغ بتطاولها الصاروخي إلى اعلى، ثم "العِمّه" التوتال مزخرفة الحواف بخيوط فضية يحكم لفها جيداً ثم يترك "العزبة" تتهادى برشاقة انيقة تتدلى على كتفه. فهو مهدوي حتى النخاع، يجاهر بحبه لآل المهدي، وحزب الأمة القومي هو بوابته للوطن الذي ظل يحلم ان يراه يوماً ما بخير وفير ينعم بالديمقراطية والسلام والتنمية المستدامة، وبالطبع على حسب تقديره ان يتولى أنصار المهدي رأس "جلكاية" التغيير مثل ابطالهم في التاريخ.

عندما هاتفته من الساحل الغربي الأسترالي وهو في القاهرة في اليوم الثاني بعد اول جرعة من العلاج الكيميائي سألته عن صحته عن أي تغيرات حدثت له، جاءني صوته منطلقاً ممراحاً ضاحكاً كما هي عادته قائلا:
ـ آأفو، نحنا بخوفنا بالجمر، نحنا "أنصار" نأكل النار!!

يحفظ تاريخاً للمهدية غير المكتوب في الكتب، في لحظات صفاءه معنا يعيد الكثير من الحكايات الشيقة كأنه كان حاضراً لها، خاصة عن بطله المفضل " عبد القادر ود حبوبه" يحفظ كل الاشعار التي تمجده، لا يتوانى لحظة في أي مكان عندما يسمع الفنان بادي محمد الطيب يشدو بـ:

" بتريد اللطام اسد الكداد الزام
هزيت البلد من اليمن للشام
سيفك للفِقر قلام"

تتهلل ملامحه بالإشراق ويزور دمع شفيف عينيه و يرفع يده مبشراً ويصيح صيحات اعجاب وتقدير لهذا البطل الهمام.

في يناير ٢٠١٨م عندما التقطت عدسة الناشط خالد بابكر صورة السيد يعقوب محمد مصطفى عضو المكتب السياسي لحزب الأمة القومي وهو يسخر من آلة دولة الاخوان المسلمين لقمع الاحتجاجات السلمية عندما سقطت قنبلة للغاز المسيل للدموع تحت اقدامه فقام بهدوء بوضع علبة البمبان الحارقة في جيبه وسار في عمق سحابة من الدخان الخانق والحارق رافعاً يديه الاثنين مواصلا الهتاف ضد القهر والقمع والجوع، تحولت تلك الصورة لأيقونة ثورية في كل نشرات الاخبار العالمية وبين مواقع التواصل الاجتماعي؛ فأرسلتها له عندما اتصلت عليه سألته عنها وجدت شقيقي عاطف قد سبقني بإيصالها فقال بصوته متهدج :
ـ هلا.. هلا! نحنا منتظرين "أب سروالاً حديد"ـ يقصد السيد الصادق المهدي ـ يدينا الإشارة، الله أكبر ولله الحمد، نحنا انصار باقي كَتله، يمين لو الامام ادانا الاذن، الخرطوم دي ندخلا كرررر الضحى الأعلى!!! وكررررر ونحررها في ساعات!! ما بنقيف إلا في فلسطين نحرر ليكم القدس هوادة فوق البيعة. يمين لو كنت في الخرطوم الايام دي كنت بقيت يعقوب تاني!

بتلك الروح الوثابة استطاع أن يقاوم المرض اللعين وادهش طبيبه المتابع من التطور المستمر في صحته عاد النخاع ينتج كرويات متوازية إلى حد ما، وتوقف غسيل الكلى تماماً بعد الشهر الاول واصبحت كليتاه تعملان بكفاءة عالية، فبصق مرارة اوجاعه على تصريح وزير الصحة الاتحادي "بحر أبو قردة" للصحف الذي صادف تلك الايام، الذي جاء فيه:
" الحكومة بتصرف قروش كثيرة جداً على مرضى السرطان وهم في النهاية يموتوا"!!
مثل هذا التصريح الخالي من أي حساسية إنسانية يثبت أن حكومة الاخوان المسلمين تريد للشعب السوداني الموت البطيء! وهم في الأصل دعاة موت وخراب، أو لا يدرك مثل هذا الوزير بأن كل كنوز الأرض لا تعادل لحظة أن تكون سليم الروح والبدن.

اسمه إسماعيل عبد الرزاق إبراهيم، الشهير "بالمُعلم" والد كل من عاطف، وعاكف، وعفيف وسناء، وعارف، وعمار وعامر، وعمرو، وعزت وعلاء الدين الذي غالب باكراً عن هذه الحياة ثم آخر العنقود سارا.

من خلال تراتبية حزب الأمة القومي صار الأحباب من حوله ينادونه بالأمير، تيمناً بمواقفه التي تشبه ذاك الجسور الأمير نقد الله، وصارت تطربه أكثر مناداة اصدقائه له بالأمير أبو الأمراء، وهو أميرُ بحق؛ عادل في مملكة بيتنا وديمقراطياً حتى النخاع المصاب الذي نخرته الاوجاع، عندما انتمى أبنه الأكبر عاطف للحزب الشيوعي السوداني في منتصف السبعينيات من القرن الماضي بارك الأمر بسماحته المعهودة، لأنه يثق في أن اختياره دائماً يكون فيما ينفع الناس، ثم تبعت اكبرنا الذي علمنا حب الوطن والجسارة في الثمانينات للانتماء لحزب عبد الخالق وجوزيف ومحجوب شريف، لم يتأخر عنا عاكف كثيراً فصار الناس في أيام الديمقراطية الثالثة يسمون بيتنا "موسكو"، عندما انضم اصغر ابنائه "عزت" لحزب الطبقة العاملة السودانية قال لي:
ـ ما تخلو لي واحد فيكم يقرى معاي الراتب! والله بعد دا إلا اطلب لجوء سياسي للجزيرة أبا ولا ود نوباوي!!

في فترة في عقد الثمانينات اخبرته بأن الحزب وفر لي فرصة للدراسة بألمانيا الديمقراطية، تلون وجهه بفرح مشبوب بالخوف ثم تمالك نفسه سريعاً وقال:
ـ مبروك، والله حزبكم دا ما ساهل نحنا نربي وهو يعلم ويشيل، شغالين تحت تحت زي المويه مع السد، تقرقر تقرقر لامن تفوت بهناك، آها ح تدرس شنو هندسة ولا قانون ؟
ـ فلسفة ماركسية
اتكأ باتجاهي وأرخى اذنه اليمنى جيداً وسأل مستفسراً لمزيد من الايضاح:
ـ ح تدرس شنو؟
فرددت عليه بصوت عالٍ:
ـ فلسفة ماركسية.
صفق بيديه الاثنتين وهو يقول:
ـ الزمن دا كلو انت ما قريت الفلسفة القشرية دي يا عفيف وحفظتها؟ نحنا راتب الامام دا بنحفظوا صَم في يوم واحد بس!! طيب فوق كم نقتكم انت اصحابك الكتار البجوك يبيتوا معاك كل يوم خميس ديل، والكتب الحمرا الفي شنطهم ما تديك الدرب يمكن تعمل معرض عديل، شايلين الليل كلو ماركس قال، فلتكان ترك! ولينين فعل، وعبد الظمبار انقسم، والله حكاية، دا كلو و لسه انت ما قريت الفلسفة الماركسية!! انتو دروبكم دي مافي زول بعرفا غيركم، يا زول أقول ليك الله يهون عليك، بس ما تلقى ليك خواجية ماركسية عيونا حمر تقوم تعرسا هناك تقعد قبلك وتنسانا بي هِنا، لازم تجي راجع بعد ما تخلص.
ـ دا تكليف يا مُعلم أكثر مما هو دراسة، لازم ارجع.

وعدت بعد انهيار جدار برلين الذي تعلمت منه اهم الدروس بأن الشعوب لابد ان تعيش حره ولن تبدل توقها لهذه الحرية بجنة اشتراكية عرضها مجانية العلاج والتعليم واحياناً الطعام، وتوفر للإنسان حقوقا كثيرة لكن ينتفي فيها حق الاختيار البسيط، وايقنت بأن مواثيق حقوق الانسان هي انجيلي المبجل، وكل من يخالفها لابد ان أقف في الجهة الأخرى منه.

في صبيحة اليوم الثاني لوصولي من المانيا سرت برفقة المُعلم راجلاً لتلبية نداء الواجب لتقديم العزاء لبعض الأقارب واهل الحصاحيصا، وكعهده بذات الاناقة، الجلباب الذي يُلبس بالوجهين، والطاقية الصاروخية، وتلك العمة مزخرفة الحواف مُحكمة اللفة التي تتدلى "عزبتها" برشاقة على كتفه، وخطواته صارت أيضا أكثر رشاقة وخفة مما تركته وصرت أحيانا الهث خلفه فقلت له:
ـ يا مُعلم يبدو انك نقصت ليك زي خمس سنين كدا، هسع انا أطول منك وانت ماشي اسرع مني!!
ـ تعرف يا عفيف المداومة على الصلاة فيها فوائد كثيرة، فكل حركة فيها بركة كبيره وبتحرك عضله معينة، عندما تنتهي من ركعة واحدة بتكون مرنت كل عضلات جسمك، كأنك عملت تمرين كامل بتاع سويدي جاري قدامك من المدربين ود الريس ولا عباس احيمر ولا هاشم كبير ولا زمبا، انت عارف المهدي عليه السلام كان أطول منك كدا، وجسمو مليان ورياضي، شدة ماهو ضخم يدو بس تقول طالوش!! مافي زول بقدر يضمها بكفتو، واذا سلم عليك وعصرك بيها ممكن تقعد في الواطة، دا اذا ما عملت حاجات تانية، كان قوي يشبح شبحة واحدة والزول المعاهو يخب تلات خطوات من وراهو. خطوتو الواحدة زي متر وواحد وخمسين سنت ونص!
ـ هيى يا مُعلم انت حضرتو وكنت شايل مترك معاك ولا شنو؟!
يضحك بصفاء ثم يقول:
ـ كدا خلينا من الفات، هسع الفلسفة القشرية القريتا عند اهلها دي ح تشتغل بها وين وشنو؟؟ فالبلد دي بقت مجروس عندو دقن !!
ـ ح أبقى مُعلم زيك، مُعلم ماركسية في الحزب، لكن ما تخاف درست برضو تصوير فوتوغرافي وح القى بيهو شغل.

المجروس والدقن والكذبة الفاسدون الذين سرقوا قميص ابن يعقوب كانوا قد تمكنوا في أرض كوش، تم رهنها بالكامل لكل أطماع التنظيم العالمي للإخوان المسلمين وحلمهم بإقامة دولة الخلافة الراشدة وارجعوها قروناً ماحقةً إلى الوراء، ولا مجال للعمل ما لم تكن من المقربين، بعد اقل من عام صرت زبوناً دائماً لمعتقلاتهم بمعدل مرة او مرتين في العام، وفي كل مرة افقد عملي، كان قلب المُعلم أبينا الذي علمنا حب الحياة والوطن ينزف أكثر عندما يطال الاعتقال شقيقي الأكبر وصديقي ورفيقي في الحزب عاكف، لقد ترافقنا لخمسة اعتقالات من جملة أربعة وعشرين اعتقال بالنسبة لي في زنازين جبروت الإخوان المسلمين وبيوت الاشباح اللعينة.
حكت لي امي، عند كل اعتقال ينقلب حال المُعلم ويصير متجهماً وسريع الغضب عكس طبعه المتسامح يلزم مصلايته مسبحاً معظم الليل، ولا يجامل من تسببوا في الاذى له وللوطن ولكما. يحكي سكان حي اركويت بجنوب الحصاحيصا عنه- اثناء اعتقال لنا أنا و عاكف عام ١٩٩٥، تم ترحيلنا إلى خارج المدينة، إنه دخل إلى الجامع لصلاة المغرب فوجد أحد اذناب النظام بالحي، وهو الذي كان أرشد كتيبة الأمن لبيتي الذي لا يبعد كثيراً عن منزل العائلة، يؤم الصلاة لغياب الامام، فخرج المُعلم بعد إقامة الصلاة من بين الصفوف وصلى المغرب منفرداً، عندما اكمل المصلون صلاتهم حاولوا بالطيبة السودانية ان يخففوا من احتقان الموقف فأجابهم بحزم :"بانه لا يمكن ان يصلي خلف فتان نمام يبع الباطل ويجيد الخداع والتدليس و يخون العِشرة والجيرة والملح والملاح".

ولد المُعلم بقرية "ود أبشام" في حضن بطانة "أب علي وحسان" وارضها الخصيبة الطيبة، لذلك علمنا كل اسرار الزراعة المطرية ومعرفة عينات المطر من العصا العطشانة حتى العوا والسماك، وايضاً معرفة قدومه قبل ساعات من موعده وقراءات تقلبات الطقس بعلامات في الطبيعة، وأيضا علامات الخريف ان صحَ او كان فاشلاً، كنا نقضي اجازاتنا المدرسية أحيانا في " الكديب" وتنظيف الأرض واحيانا أخرى في الحصاد وجمع محصول الذرة الذي يشكل لنا مؤنة العام ويفيض لكل من له حظ ونصيبه، بجانب قدر معلوم من " القنقر" و "الويكة" " وام تكشو" اللتين تنموان "بروس" ومعهما "الموليته"، توحد عشقه بارض " ود أبشام" يذهب إليها في كل المناسبات الاجتماعية، و لأي فرد في القرية ، وأيضا بلا مناسبات عندما يشتد به الحنين ليتكرف انفاس الأرض الطيبة التي يحب، برغم انه فارقها باكراً عندما تعلق قلبه ببنت خاله عبد الله خير السيد بالحصاحيصا، وكان بالكاد فوق العشرين عاماً.

عندما قرر الزواج بأمي، كانت صغيرة السن كعادة اهل ذاك الزمان، وهو ايضاً تخطى عتبات المراهقة بقليل.
يُحكى عن تلك الليلة بان "السيرة" عبرت النيل الأزرق من مشرع رفاعة إلى الحصاحيصا وتحركت راجلة تسبقها الزغاريد والدفوف فخرج لها كل اهل الحي الاوسط حتى وصلت بيت جدي عبد الله خير السيد، وكان العريس صبياً نحيلاً تجلط شعره بالضريرة ويتلامع الهلال الذهبي فوق جبينة ويهرج حرير البنفسج بيده اليسرى و يهز بيمينه سيفاً لامعاً، منتشياً مبتسماً تزاحم الخلوق كي يروا العريس الذي يبدو لصغر سنه كأنه احد أصدقاء العريس مما حدى بإحدى جارات جدتي "آمنة الجمل" بطلولها الفارع الممتلئ قائلة وهي تشهق استغرابا:
ـ آجي يا بنات أمي!! يا اخواني عريس الشَرِق دا ما شويفع ساكت!! هسع عليكم الله دا عريس ولا ود طهور!! و اقسم بالله العظيم ممكن اشيلوا في صفحتي دي!!!

اطل عاطف أكبرنا واجملنا إلى الحياة أولا فاستحق عن جدارة لقب الفرحة الاولي والأبن البكر، بمتوالية ثابتة لا تعرفها جداول حبوب التنظيم جاء عاكف بعده بعامين ثم تبعت عاكف بعد عامين ايضاً، وبعد عامين من الانتظار الملهوف جاءت الأميرة المنتظرة "سناء"، لتكسر حدة التسميات التي تبدأ بحرف العين، برغم إنها حرمتني من دفء أمي باكراً لكننا صرنا كما التيمان في التلازم والمحبة، وكثير من الناس كانوا أهل المدينة ينادونها عفاف، وأحبها المُعلم بعمق مختلف عن حبه لنا، وكنا نلحظ ذلك طيلة عمره عندما يدخل البيت لا ينادي احداً غيرها، واحيانا كثيرة يلهج باسمها قبل ان يفتح الباب.

للمُعلم تقاليد ثابتة قبل النوم والصحو المبكر، لا ينام إلا بعد ان يقرأ سورة "الواقعة" يقول دائما بان البيت الذي تقرأ فيه سورة الواقعة ليلاً لا يَعدم قوت غده، وبعد صلاة الصبح يتلو بصوته الرخيم احدى سور القصص القرآنية، ثم راتب الامام، أظن ذلك ما حفز مخيلتي باكراً لعشق الحروف النورانية وتنمية ملكة السرد والكتابة والتعلم من هذا الإرث العظيم وتأمله باستمرار.

ايضاً كان منفتحاً في القراءات المتعددة، عندما كان عمري تسع سنوات كان يعمل مع المقاول المرحوم محمد الأمين من قرية " التميد" الحلاوين، كان قد وقع له عطاء لتشيد مدارس عديدة بالجزيرة في اول السبعينيات ، كانت طبيعة العمل تتطلب غيابه لمدة أسبوعين عن الحصاحيصا، وكان بجانب زاد الجسد حريصاً على زاد الروح، مثلما فتح لنا حساباً لشراء احتياجات البيت عند دكان المرحوم عثمان طه على الناصية المقابلة لبيتنا الاول بالحي الاوسط، كذلك فتح لنا حساباً بمكتبة النور بسوق الحصاحيصا، كان يأخذ منها زاده وتعلمنا منه ايضاً تلك الغبطة النادرة التي لا زالت تلازمني حتى الآن عند اقتناء الكُتب الجديدة، وقرأت في مكتبته كل كلاسيكيات الادب الفرنسي في بواكير الصبى، لذلك عندما كنت اصرف كل ما معي من مال في شراء الكتب يعلق قائلاً:
ــ قروش تعبك دي كلها مكملها في شراء الكتب دي!!
كنت أرد له:
- " دي ما بذرتك يا مُعلم".

أظنه اختار الاغتراب لسنوات بليبيا ليس فقط لان خالي محمد عبد الله قد سهل له الطريق إلى هناك وكان خير يد عون لصهره، بل للعلاقة الطيبة التي تجمع القذافي بالسيد الصادق المهدي دائماً كانت محل حديثه وافتتانه ويذكر تفاصيل كثيرة كم مرة تتدخل "أب سروالاً حديد" لحل مشاكل السودانيين العالقين بالكفرة أو كلما تسوء العلاقة بين الدكتاتورين القذافي ونميري.

أمضى في ليبيا سنوات طويلة وعاد ليصبح مقاولاً ولديه بين حين وآخر كماين لصنع الطوب الأحمر، فوجد الكتوف قد تلاحقت وصرنا عاكف وأنا نعمل معه، ومع عودته ظهر فجاءة عامل البناء الجنوبي " الفيات" الذي كان يرافقه في السبعينيات ودائماً يأتي إلى بيتنا ويلاعبنا نحن الصغار بحملنا إلى اعلى وهو يضحك يقول:
ـ شوف الشمس بتاع ربُنا دا باااارد ولا هاااار!
عندما ظهر كتاب لتعليم لغة الدينكا اجتهد عاكف لتعلم لغة اجداده، ويتمرن تطبيقياً مع العمال ويساعده " الفيات " مبسوطاً وبحماس على النطق السليم، فاتقن فهمها، وذات يوم ونحن نعمل قبيل الساعة الثالثة بقليل موعد انتهاء العمل، تبقى مدماك واحد قبل ان نصل حد السقف واصر العامل الجديد الذي جلبه " الفيات " في الصباح ان يتوقف عن العمل او تحسب له سهرة، فتكلم " الفيات " معه بلغة الدينكا واقنعه بان يحمل قدح واحد وهو سوف يحمل قدحين فقال له العامل الآخر وهما زالا يتحدثان بلغة الدينكا وهو ينظر باتجاه عاكف وهو معلق على علو السقالة الشاهق" انا ح املا القدح دا لحد ما يدفق والنشوف الولد دا كان يقدر يرفعو" فصاح عاكف به:
ـ جيب ليك طشت مش قدح وبعد ما تملاه اطلع فيهو وارفعوا شوفني بقدر اشيلوا ولا ما بقدر، فذهل العامل وصاح مخلوعاً:
ـ ووهه.. ووهه!! ناجركوك بتاع مندكورو دا بعرف كلام بتاعنا نحنا!!
فضحك المُعلم و" الفيات" طويلاً وصار ذاك العامل بعد ذلك من معلمي عاكف لإتقان لغة الدينكا.

نصب الاخوان المسلمون بضلالهم الانتهازي الدكتاتور العربيد جعفر نميري إماماً ليعلن شريعة الترابي التي اسماها الأستاذ محمود محمد طه بقوانين سبتمبر ١٩٨٣م وكثرت متاعب" الفيات " مع محاكم الكشات، وكان المُعلم يسارع الى حراسات السجن ليخرجه بالضمان قبل ان يتم جلده هو ورفاقه، عندما تكرر الامر كثيراً قرر "الفيات" العودة لمسقط رأسه وترك حزناً كبيراً في قلب المُعلم.

عندما عاد المعلم من ليبيا وجد الاخوة غبريال قيتانو حارس مرمى نادي قلب الجزيرة ومعه ديفيد مصباح يسكنان معنا بالبيت بعد بعض المصاعب مع إدارة النادي بنهاية موسم، لا سبيل لهم كي يرجعوا الى واو إلا بعد توقف موسم الامطار واكمال العام الدراسي، فذهب إلى إدارة النادي الذي لعب له كحارس مرمى فترة قصيرة في شبابه واتفق معهما على حل يرضي جميع الأطراف وهو ان يفي النادي بكل التزامات سفرهم وسكنهما حتى نهاية العام الدراسي وان يتناولان كل الوجبات في بيتنا.

في عام ٢٠١٥م كنت في ضيافة الصديق سمير الماجدي في ابوظبي والذي قال لي :
ـ أظن يا عفيف أن عقيدتنا الكروية انا وانت هي نادي قلب الجزيرة بالحصاحيصا لان اسريتينا لديهما ارتباط وثيق بهذا النادي العريق. وعدنا بالذاكرة لأواخر السبعينيات من القرن الماضي، لذلك الزمان حيث كانت بدايات خروجنا الاجتماعي ليلاً في المدينة و كانت بنادي قلب الجزيرة ثم جذبتنا الرفقة الطيبة بشيخ الأندية النادي الأهلي لسنوات عديدة لكل من الأعزاء محمود سعيد وعوض حمدنا لله والمرحومين هندوس وعثمان الصديق وأبو الدرش ومحمد وراق وسعيد وحسن مطر والفاتح محمد الأمين وشهاب قجة والتوم ود شكير وكثير من الصحاب، تم تفرقت بنا الأندية المختلفة وصرت انتمي لكل ناد على حسب نشاطه الثقافي وليس الكروي فكان نادي الشبيبة ثم نادي النيل.
وتذكرت في تلك الليلة التي كان برفقتنا فيها الموسيقار الصديق ربيع عبد الماجد "ساورا" احدى ردود هاشم كبير حاضر البديهة ولاذع العبارة دائماً عندما دعاه المُعلم في احدى إجازته لوجبة الغداء معنا، ومعروف عن هاشم كبير بحبة الجارف للشطة وكل ما هو مفروك، كان الصحن الرئيسي كبير الحجم تتسلطن به كسرة مملحة بملاح ورق مفروك بالبامية في وسط الصينية وبجانبه صحن صغير للشطة بجانب سلطة الخضار وصحون إضافية أخرى، في أقل من دقيقة امتدت كل الايادي الكثيرة التي كان يعمر بها الديوان دائماً نحو الشطة فصارت صحنا فارغاً فالتفت هاشم كبير نحو المُعلم وقال له وهو يشير بيده اليسرى إلى الصحن الكبير الذي كان مليئا بالكسرة المملحة بملاح الورق:
ـ تاني لما تعزمني قل لبت الخالة تجهز الشطة في الصحن الكبير دا وتملح لينا المفروك في الصحن الصغير دا!!!

يسافر المعلم الى خارج السودان ويعود هو القروي الفقير الذي تمدن قليلاً، سريعا يخلع البدلة ويرتدي جلبابه الذي يلبس بالوجهين، وعندما عاد نهائياً من ليبيا صار مقهي عبد الرحمن الجعلي الشهير ب" أب شنب” مكتبه الذي يدير منه كل عملياته لمقاولات البناء، هذا المقهى معروفاً بأنه مركز تجمع كل ما يخص عملية البناء من بنايين وعمال ونجارين ونقاشين.
نمت بين المُعلم وعبد الرحمن الجعلي " أب شنب" صداقة نادرة، تحكمها مناقرة حميمة، وعبد الرحمن أب شنب، يميز وجهه ذاك الشنب الضخم المبيض الذي يمكن ان يرك عليه العصفور بسهولة، ويعتني به عناية خاصة حتى بعض الناس لا يعرف اسمه وينادونه فقط بأب شنب فينتشي كثيراً.

دائماً ما كانا يجلسان معاً ما بين الساعة الحادية عشر إلى منتصف النهار، في ذاك الوقت الخامل لهما معاً حيث يكون المُعلم قد اكمل التصاريف الصباحية لترتيب يومه لكل عماله، ويكون الفوج الأخير بالمقهى عاد بعد تناوله وجبة الفطور و عادوا لمكان عملهم، ولقتل ذاك الضجر ابتكر المعُلم لعبة صارت شغلهم الشاغل بشكل يومي على مدار سنوات عديدة، ذات يوم جلس المُعلم على مقربة من عبد الرحمن الجعلي، وصار يبرم في شنبه القصير مقارنة بشنب عبد الرحمن الأصلي واتفق مع ثلاثة من عمال عندما يمرون قربه وهو جالس في الجانب الآخر من الطاولة التي يجلس عليها عبد الرحمن أب شنب ان ينادونه هو بأب شنب ، فجاء العامل الاول وقال:
ـ سلام عليكم ازيك يا شنب
فرد عليه المُعلم بسرعة
ـ اهلاً وسهلاً اتفضل اشرب شاي، وينهمك معه في حديث معه وهو يبرم شنبه، ويأتي الثاني والثالث فيتكرر نفس المشهد، فيغتاظ ابو شنب الحقيقي بغضب حقيقي، ولم تبرد نار حنقه إلا بعد مر آخرون والقوا عليه التحية المعهودة بالنسبة اليه باللقب الذي يفتخر فيهدأ قليلاً، منذ ذاك اليوم استمرت هذه المباراة الشنبية بشكل يومي وصار كل من يريد ان يشرب شاياً مجاناً ان يأتي مقهي عبد الرحمن الجعلي أب شنب بعد الساعة الحادية عشر، وصارت للمباراة أسس وقوانين اشبه بقوانين الانتخابات هناك يجلس في الوسط بينهما من يحمل كراسة وقلم ويسجل ارقام التصويت ليعلنها بعد نهاية الساعة المحددة، والرابح هو من يقدم مختلف المشاريب مجاناً لرواد المقهى.

ايضاً كنت أنا جزءً من هذه المباراة عندما امر بهما يتحفز المُعلم ويقف ينتظرني كي انادية بلقب اب شنب، فالقي التحية بصوت علي واحيي اب شنب الحقيقي اولاً فيقوم باحتضاني بقوة، يمسك يدي بيده ويرفعها إلى اعلى مثل حكم مباريات الملاكمة، قبل ان التفت إلى المُعلم واناديه وأقول له كيفك يا مُعلم.. فيقهقه المرحوم عبد الرحمن الجعلي طويلاً فهو يعرف انني لا اشرب لا الشاي ولا القهوة فيقول:
ـ دي يا مُعلم أصوات ما مكرية بكباية شاي، حقو الصوت بتاعها يكون بصوتين، دي أصوات الخريجين يا مُعلم.
عندما رحل عبد الرحمن الجعلي كانت المدينة ترى لأول مرة المُعلم وهو في تلك الحالة من الحزن المعلن، حيث لم تتوقف دموعه ويسير خلف الجثمان إلى المقابر وحتى العودة مرة أخرى لبيت العزاء، ابتدأ الامر ببكاء صامت ثم تحول إلى جعير مثكول. لن تراه المدينة في هذه الخالة مرة أخرى إلا حين رحل صديق عمره عمر أحمد والد عبد الرؤوف ورقية عمر.
تلك أيضا هي حالته كلما نذهب لعزاء الأقارب في "ود ابشام" ويبدو المُعلم متماسكا وحين تقترب العربة من تخوم القرية ويشم تربها تبداً دموع تنتف اشبه بالصنبور المحلوج، وعندما نصل يكون الامر قدر خرج الامر عن سيطرته واصبح يبكي بصوت يسمعه كل اهل الحلة فتخرج النساء وتقالدنه واحدة بعد أخرى.

رفيف بنتي أطلقت عليه لقب بابا جدو، فصار كل من في البيت يناديه بابا جدو، مثلما كانت ايضاً تنادي أمها بماما نازك فصار الجميع ينادونها بهذه الطريقة بما فيهم المُعلم نفسه، ورفيف الصغيرة وهي تلثغ بالكلمات التي بدأت في النطق بها وعمرها سبعة شهور اسئلتها لا تتوقف عن جلبابه الانصاري الذي يلبس بالوجهين، وهي التي تظن بانه يرتديه مقلوباً! وتسأله لماذا لا يضع نقوداً وقلماً في الجيب الخلفي من جهة الظهر!!
ـ يا جماعة دي مصيبة شنو دي بت عفيف ح تفوتنا صلاة المغرب!!
ذاك كان المشهد اليومي عندما تتعلق به ومعه والوالدة قبل خروجهما لأداء صلاة المغرب وفي اغلب الأحيان تستطيع ايقافهما بالبكاء المستمر، فعقلها الصغير لا يفهم لماذا يذهبون فجأة الى مشوار ما ولا يأخذونها معهم؟ فصارت هناك خطة للطوارئ ما يعلن اذان المغرب ميقات الصلاة، فيأخذها عمرو او عزت ليشغلها في الديوان ويتم الخروج الآمن والعودة للوالدة والمعُلم وهي تنادي بلثغتها:
ـ الجامغ.. الجامغ.. بابا جدو مشى الجامغ، ودووني لبابا جدو في الجامغ.

بين المُعلم ورفيقة الأهوال والمحبة "نازك" مسرى شفيف متبادل من المودة والامتنان، فهي من اعطته احفاداً نابهين مثلها، ايضاً لأنها وهبت ابنه افراحاً مترعة وسنداً عضيدا ً في ظل الاهوال التي عبرنا بها معاً كتفا بكتف خلال سنوات الجحيم الذي خلقته حكومة الاخوان المسلمين.
حين حان موعد خروجنا من السودان، لظروف تامين الخروج بسلام كنت قد غادرت الحصاحيصا وحدي قبل يوم من موعد السفر، وأخبرتني "نازك" عند ذهابهم للبيت الكبير في اليوم الثاني، جلس المُعلم في منتصف الحوش يبكي بصوت عالٍ، ويعانق احفاده ونازك بين حين وآخر، وخاصة "شادي" الذي لم يكمل حينها العامين، بينما كانت "تبريكاته" تسبقني وتفتح لي الأبواب حتى تم خروجنا بسلام الى بر القاهرة ثم من بعدها إلى ارض الكانغرو.

كلما اردت ان اتأكد من صحة المُعلم العامة أقوم بالاتصال بصديق العمر بابكر عبد الرازق الذي يقول الحقيقة بلا مواربة في كل الاوقات، فيقول لي آخر "مرة قابلته بصحة تمام ولا يشكو من شيء، وانا وانت اذا مشينا معاه حا يقوم نفسنا، لكن يريد ان يرى اطفالك رفيف ووريف وشادي دائماً في سيرتهم ويستعيد الكثير من طفولتهم. واحياناً لا يستطيع ان يتمالك دموعه".
ذات مكالمة مع المُعلم في شهر اكتوبر ٢٠١٦م احسست من صوته انه حانق على شيء ما، وتكاد العبرة تخنقه فسالته مباشرة عن ما به فلم يصدق فانفجر قائلاً:
ـ يا اخي الكلام دا عيب عليكـ ستطاشر سنه ما نشوف الاولاد ديل إلا في الصور، هسع عليك النبي كان جو ما رين بالصدف في الشارع ما ح اعرفهم ولا يعرفوني، حاولت الزوغان وقلت له :
ـ يا مُعلم الجناح ليهو رافع.
قال بحسم:
ـ لازم تجيبهم اشوفهم قبل ما اموت.

و هكذا..
وفي نهاية ديسمبر من ذاك العام نفسه اجتمع شملنا جميعاً في القاهرة بجانب عاطف واسرته الجميلة نجوى وأسيل وايمن فابنه الأكبر أشرف الذي كان بعيداً بسبب ظروف الدراسة خارج مصر، وكنت أكثر المحظوظين عندما علم أصدقائي بابكر عبد الرازق وياسر عراقي وسراج مُبشر بالأمر، فتركوا الوراهم والقدامهم وحضروا في نفس التوقيت إلى القاهرة ليعيدوا ذاك البهاء القديم للروح.
هكذا..

و بعد ستة عشر عاما والمُعلم والوالدة يروا احفادهما، تلك جريمة اخرى تضاف لسجل حكومة القتلة اللصوص الحاكمة في الخرطوم التي حرمت الكثير من الأطفال الذين تربوا في الدياسبورا بعيداً عن دفء الاسرة الممتدة.
ويا له من دفء!!

في اليوم الأول كنت اعمل مترجماً بينهم، وكان اطفالي كأنهم يريدوا ان يعوضوا في جرعة واحدة كل السنوات التي سرقتها منهم الهجرة القسرية التي فرضتها قسوة الاخوان المسلمين على كثير من الاسر، رفيف بنت العشرين تقفز لتجلس بين الوالد والوالدة في نفس السرير كما الزمان القديم، ووريف يجهز سلة الفاكهة ليحضرها قرب المُعلم، وشادي تتسع ابتسامته ويحاول ما استطاع ان يتحدث "بعربي استراليا" المكسر. تسابقت اسئلتهم ان يحكي لهم المُعلم طفولته وعن جذوره، وكنت المترجم الذي يحاول بجهد جهيد ما ستطاع ان ينقل كل الجزئيات الثقافية المضمرة والثراء المفهومي المتعدد للحكايات.
طاف بهم المعلم في سياحة في شجرة العائلة اخذت أكثر من ساعة، نسوا فيها تماماً تلك العادة المزمنة وهي النظر بين دقيقة وآخرى في شاشات هواتفهم الذكية التي لا تفارق أيديهم وعيونهم، وبالطبع عرج على عشقه الذي ينافس حبه لآل المهدي وهو أرض بطانة أب علي وحسان، وحدثهم عن خيراتها ومساديريها ودوبيتها وانتمائه لها وانه ولد من ترابها وليس هناك في الأرض احب اليه غير تلك البقعة الممتدة بسهولها وتلالها.
استهوت ابني "وريف" تلك الحكاية التي حكاها المُعلم عندما جاء اعرابي عابر لا ينتمي للمنطقة واناخ جمله الجائع الذي صار يأكل من خيرات الأرض التي امامه بغير حساب في منطقة قرب رفاعة تؤول ملكيتها لزعيمهم، فاعترضه أحدهم قائلاً:
ـ ها.. يا عربي ها.. انت قائل الأرض هامله ساي؟
فرد عليه عابر الطريق:
ـ السهلة دي حقت زول، بتدور تحميني ليها؟ دي هول الله ؟!!
فعاجله قائلاً:
ـ ها يا عربي ها.. أرعى بقيدك!! حرررم السهلة من هنا لاحد الاتبراوي الله ما عندو فيها ولا شبر!! دي أم همج!! بطانة أب علي وحسان!!!

طبعاً سيرة زعيم عموم الشكرية "أبوسن" بطرفتها وحكمتها وتجديفها كانت حاضرة بحكاياتها التي لا تنتهي، وعندما حاول المُعلم ان يختتم حديثه الطويل عنه بما حدث عندما انطلق خبر موته في البطانة، قلت له :
ـ فط، يا مُعلم فط ليك سطرين تلاته ، الحكاية دي مجزرة، القطر فيهو مفتش من حزب الخُضر؟ فهمت بنتي "رفيف" ما اقصد فأصرت بإلحاح ان يسمعوا ما حدث من غير حذف وبترجمة دقيقة كمان:
فواصل المعلم قائلاً:
ـ دا تاريخ اهلكم بزينو وبشينو، لما مات زعيم عموم قبائل الشكرية،" أبوسن" ناحات النائحات ودقوا النحاس وصوتو ينسمع عبر بلود وبلود، آها الشكرية المتفرقين في البطانة هنباته ورواعية ومزارعيهـ كروا كلهم راجعين من حدود الحبشة ومن قريب شندي وبورتسودان، لرفاعة، حزنانين حزن كبير، راكبين جمالهم و سالين سيوفهم السنينة ويصرخون كلما راوا شجرة خضراء نضيرة مفرهده فيقطعون ساقها وهم يقولون :

"أب سن متحدر
وانتا مخدر"
لم يتركوا شجرة واحده في البطانة واقفه على حيلها.
نظرت إلى رفيف لأجد الدهشة تطل من فمها الفاغر وعينيها تكاد ان تفارق محجريهما. وشادي كأنه امتص شجرة ليمون كاملة، ام وريف انطفئ البريق في وجهه وصار ينظر بعيداً كأنه يرى تلك الغابات تُنحر بسيوف اجداده الشكرية.

في اليوم الثاني تخلوا عن خدماتي للترجمة، ووجدوا لغة تواصل مشتركه بينهم والمُعلم الذي لا تتوقف حكاياته، في اليوم الثالث ايقظني مبكراً صوت قرقرة ضحكات صاخبة فخرجت إلى الصالة لأجد المعلم وابني الصغير "شادي" يجلسان على اريكة ويتقيان غائلة البرد ببطانية واحدة تقاسما أطرافها، والمُعلم يتكئ من جانب ويسند خده بيده اليسرى، و"شادي" يتكئ على الجانب الآخر يسند خده بيده اليمني كأنهما تجسيد لصورة الجد والحفيد عند الطيب صالح بتشابههما في الملامح ولغة الجسد الحركية. كأنهما لوحة لرسام حاول ان يرسم ورقة جديدة لصندوق الكوتشينة واوراق لعبها فرسم وجه الشائب في جهة ووجه الصبي في جهة آخري، كان أسبوع العمر وزاد مسافات طويلة، و كان رأس السنة في عمق نيل القاهرة برفقة الأصدقاء بابكر عبد الرازق وياسر عراقي وسراج مُبشر، عندما تعالت أصوات الألعاب النارية عند منتصف الليل ازدانت سماء القاهر بالألوان الصارخة، ايقنت ساعتها بأن حياتنا قد تلونت بمحبة المُعلم خلال أيام الأسبوع الماضي بعمق لوحة خالدة إلى ابد الأبدين.

في صباح يوم لاثنين ٢٤ أكتوبر ٢٠١٧م قال المُعلم لشقيقتي الصغرى "سارا" بأنه يحس ببعض التعب والارهاق وحيله مهدود وبالأمس ترنح حتى كاد يسقط" فقالت له سارا " تعال لي في المعمل بعدين افحص ليك الملاريا".
مضى صباح يوم اثنين هادئاً هدوءً لن يعود مثله إلى بيتنا !!!

عند منتصف النهار ذهب المُعلم "لسارا" عندما نظرت تحت الميكروسكوب رأت تلك الكريات البيضاء المريبة تكاثرت بشكل غير الطبيعي، فنادت على من هو أكثر خبرة منها من زملائها فرأى ما يهجس في بالها ونصحها بان يأخذوا العينة لمعمل خاص آخر في رفاعة على الضفة الأخرى من النهر، وآخري لمدني تتوفر لهم أجهزة أكثر دقة. فجاءت النتيجة سريعاً عليهم بالذهاب لمستشفى مدني في الغد، في يوم الثلاثاء قرر الطبيب هناك فوراً ان يرقد في قسم الكلى، واستشار آخر في قسم الذرة فقرروا ان يأخذوا عينة من النخاع للفحص في صبيحة اليوم الاربعاء سالت اسرتي من لديه جواز صالح للسفر مع المعلم للقاهرة، قال شقيقي "عمار" الذي كان يعمل في ذاك والوقت في سنار ويأتي يومياً للمتابعة في مدني بان جوازه جاهز. قلت له:
ـ يا عمار "عزة" زوجتك تنتظر مولودها الثاني بعد أسبوعين، من الأفضل ان يذهب أي من الاخوان. قال بإصرار عنيد:
ـ ح أوصل ابوي واقعد معاهو أسبوعين واجي راجع كل ما احتاجه تأشيرة يوم الاحد ويوم الاثنين نسافر.
ـ خير..

وابتدأت رحلة العلاج من مرض سرطان الدم اللعين، واستغرب الطبيب المصري كيف لم يتم له غسيل للكلى بالسودان وجسمه يكاد يتسمم، تواصل الغسيل بمعدل مرتين او ثلاثة في الأسبوع، في الشهر الاول سريعاً بدأ أن المُعلم استعاد عافيته، وفي الشهر الثاني بدأ النخاع ينتج ما يسنده، وتُرسل لي الفحوصات الأسبوعية في استراليا لتراها الصديقة د. إيناس عبد القادر لفارق التوقيت دائماً ما كانت د. إيناس تسبق الطبيب المصري وترسل لي إرشاداتها العامة، التي كان دائماً ما تتطابق مع الطبيب المصري عندما يقابلونه في المساء، الذي قرر بعد ثلاثة شهور من الجرعات الكيميائية المنتظمة بان الحالة وصلت لاستقرار يمكن ان يعود السودان ويواصل في نفس الجدول ليتابعه هناك د. عثمان حسن موسى المشهود له بالكفاءة العالية حتى في دول الجوار.
اطمئن عمار الذي لم يستطع مفارقة المُعلم بإصرار عنيد، واستقبل خبر ميلاد طفله " فخر" بعد أسبوعين من وصوله للقاهرة، ولم يعد كي يعطيه اسمه "فخر". الفخر لي يا عمار ان أكون اخاك، وانت فخر أبيك، الذي لازمته في زمن مثقل بالأهوال.
وتعود يا عمار على امل ان ترجع بعد شهر ونصف لأننا كما قد قررنا جميعاً وخاصة الوالدة من الأفضل ان يواصل علاجه بالقاهرة لمدة حتى يكمل ستة شهور هناك، ويعود بعدها لان الحالة البلد والعباد في الصحة والعلاج تسير بفعل الاخوان المسلمين كل يوم إلى متدحرج أسفل سافلين.

رجع عمار الى السودان.. وجاءت سارا وعارف..
وكانت وليمة من الفرح للمُعلم لان سارا بشقاوتها المستديمة لاستثمار رخصة آخر العنقود، لم تعلن للمُعلم انها قادمة. فكانت مفاجأة ساعدت بدفقها برفع روحه المعنوية إلى ما فوق السحاب، في مساء الوصول قال المُعلم لي بفرح مزهو:
ـ الليلة جاتنا جرعة جديدة.
وسارا لم تفارقه لحظة حتى ساعات النوم تأتي وتمد جسدها النحيل قربه
وكان عارف بصبره يتابع التفاصيل التي تسير كل يوم إلى أحسن، فاطمئن هو ايضاً بعد شهرين عاد الى السودان، واصرت سارا على البقاء لشهر آخر مستنفده كل اجازاتها إلى العام القادم. وبدأ عمار يرتب نفسه لعودة آخري ومعه الصغير “فخر" كي يراه المعُلم، ويمارس طقوسه التي يفعلها مع كل احفاده وأن يطلق نداء الاذان في عمق اذن المولود ويتلو ما تيسر من القران الكريم بصوته الرخيم. فهو رجل خبير ببدايات الحياة و عليم بأحوال الموت ايضاً، ما نسميه في نطاق العائلة "عريف الموت"، فهو من يدخل على المحتضر اذا كان من العائلة الممتدة او من الجيران كي يفتي لهم حول صحة مريضهم، فعندما يخرج مبتسماً ويطلق دعاباته حول الخوف من الموت وهو سبيل الأولين والآخرين، نعلم انها شدة وتزول، أما عندما يخرج ويتنحنح ثلاث مرات، ويحمل إبريقه يذهب للوضوء في غير ميقات الصلاة نعلم بان المريض يحتضر، وأن الطب عجز عن معالجته. سألته ذات مرة ه من أين تعلم تلك الفراسة في أمر صعب كهذا فقال:
ـ اولاً الاعمار بيد الله، لكن هناك علامات لخروج الروح واضحة تعلمت ذلك من جدك عبد الله فهو آخر عريف للموت، الموت الزمن داك ما ساهل والروح ما بتخرج بسهولة كان الناس تنتظر مع المحتضر بالأسابيع وفي الايام الأخيرة تصعب حركة الارجل لان الروح تخرج من الارجل، والعيون تصبخ ثقيلة ويضيق التنفس وكان زمان تسمعوا زي الكرير، وجدك عبد الله كان يبعرف كل دا واداني سرو.

كانت ليلة الثلاثاء الأخيرة من مارس ٢٠١٨م، سارا تجلس قربه طلب منها ان تحضر له ماء كي يتوضأ، بعدها صارت تمسد له يده، فجأة سحب يده منها، واستعدل جسده واستلقى على ظهره تماماً وحاول ان يسحب البطانية، قالت له سارا:
ـ" بردان ولا شنو يا ابوي؟"
فهز رأسه بالموافقة ووضع يديه على جنبيه، وهو يتمم بالشهادة وسارا بدأت بسحب البطانية من فوق رجليه عندما وصلت إلى صدره كان قد أكمل ترديد الشهادة للمرة الثالثة وأغمض عينه إلى الأبد...

قالت لي سارا في تلك اللحظات فهمت ماذا كان يعني ابوي عندما قال لي في نهار نفس اليوم :" انتي بت تمام يا سارا، ياريت كل البنات زيك!! ملازمة ابوك حتى النهاية"!!

هل كانت تلك هي النهاية...
لا...
فالمُعلم لازم "يدي البطانة شقه"... فتلك الأرض عشقه...
انتعل عاطف قلبه الدامي وطاف في رحلة صباح الأربعاء كي يرتب مع تجار الموت بالقاهرة أمر ترحيل الجثمان إلى الحصاحيصا، فأكتملت الترتيبات بيسر وتحدد موعد السفر في ليلة الأربعاء على ان يصل الجثمان إلى السودان فجر يوم الخميس ٢٩ مارس ٢٠١٨م ويتم قبره بالحصاحيصا مع شروق الشمس، ودق أيمن عاطف إسماعيل صدره كي يرافق جده إلى مرقده لتعذر سفر وعاطف وسفري للأهوال المعلومة، وذهاب عاطف والوالدة التي لازمته كل هذه الرحلة حتى النهاية، لغسل جسده الطاهر قبل ان يوضع في مستقره قبل الأخير... لكن... و قبل نهاية المستقر،
كان لابد للمعلم ان يدي البطانة شقه...

تقول الاساطير الافريقية عندما يغادر أحد اركان الأرض إلى الضفة الأخرى، تمارس الطبيعة حزنها عليه بشكل او بآخر، لان ركن ركين قد انهد.
عندما وصلت الطائرة إلى مطار الخرطوم كانت هناك عاصفة ترابية لم ير الناس مثلها في هذا القرن، استحالت معها الرؤية، فحلقت الطائرة حول مطار الخرطوم لمدة تكفي ان تذهب روح المُعلم الطاهرة لتهدهد صدر "فخر” ابن "عمار" الذي ولد في غيابه، كان في تلك اللحظات يبكي بحرقة من ضيق التنفس الذي يعاني منه منذ ميلاده. عندها وهبه المُعلم رقية بعد ان مسح صدره، نام "فخر" بهدوء. ثم عرجت إلى شمبات حي صرصر مهد صباه وشبابه ثم طافت بتلك القبة حيث آل بشارة، رفع السلام لآل جولا، وآل حاج إبراهيم. ثم عبرت روحه الطاهرة سريعاً إلى "أم ضريوه" والقت التحايا على الخال محمد عبد الله واسرته رفيقه في غربات ليبيا. وأخيراً عبرت النيل إلى قبة الامام المهدي وبيت الخليفة وطافت بهما مرات ومرات.
عندما عادت روحه الطاهرة إلى الطائرة، قرر طاقمها تحويلها إلى مطار بورتسودان في اقاصي الشرق، فأرسل المُعلم قبل دورانها اعتذاره للمنتظرين بالمطار من الاهل والأصدقاء والزملاء: ابنه عزت، وأشرف عبد الغني، أزهري ميرغني، عبد العزيز حامد، حسان أحمد فرج الله، عز الدين حاج إبراهيم وجعفر نَصر، والهادي جمعة، وحسين كمالـ سيف سمعريت، وعبد الظاهر عبد الغفار، وبابكر عبد الرؤوف بشارة، وعبد الحميد قريب الله وآخرين، ووعدهم المُعلم بعودته بعد ساعات بعد ان يدي البطانة شقه ويجيهم راجع ويرافقهم إلى الحصاحيصا.

في مطار بورتسودان هبطت الطائرة والعواصف ماتزال عالقة!!
ولا ترى الذي أمامك!!
واهم من ظن ان المُعلم في ليلته تلك يرقد وحيداً في الثلاجة الباردة!!
فهم لا يرون!!
روحه قد أدت البطانة شقه!!

وطافت بـ "ود ابشام" لتودع أهلها فردا ً فردا، وتطوف بقبر ابيه، واخوانه الاثنين إبراهيم وناصر ليحانن قبر أخته مريم التي ربته، ويقالد أخته فاطمة بت بشارة وعم رجب وابنه عبد اللطيف.
بعدها صعد جبل "بيلا" ادها نمه نمتين، مع " اللدر" والهمباتة، وشعراء البطانه، ونقز نقزة نقزتين على صوت مغنية الحماسة فنانته المفضلة " التومه عبد القادر " الشهيرة بالتومه البادرابيه فصوتها ودلكوتها الحاره كانا يملان الفراغ، وليعرج مرة آخري إلى مطار بورتسودان وينتظرهم في الصباح وقد صفى الطقس، تراجعت العاصفة غير المسبوقة التي استمرت أكثر من نصف يوم، وخالفت توقعات خبراء الأرصاد بانها سوف تستمر ثلاثة أيام، فتحركت الطائرة ليرتاح المُعلم راحته الابدية في أحب الايام إلى قلبه وهو يوم الجمعة. ليرتاح من رحلة ثلاثة وثمانين عاماً نثر فيها بين الناس التوآدد والابتسامة، وخرج من الدنيا فقيراً كما جاء إليها.
خرج من الدنيا فقيراً إلا من المودة الصادقة، والتسامح مع الذات والآخرين، والمحبة الخالصة غير المشروطة..
تلك هي ثرواته الباذخة التي تركها لنا واوصانا عليها وبها.

وكم يتيم هو الآن وإلى الأبد هذا القلب يا أبي!!

ابنكم المذبوح بالغياب حتى العظم: عفيف اسماعيل
بيرث/ استراليا
٣ ابريل ٢٠١٨م


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.