محبتي للمركز القومي للبحوث هي محبة (من على البعد) وربما من (طرف واحد)! فقد ظل خيال هذا المركز في بالي منذ سنوات بعيدة مع إني لا أعرف عنه الكثير! إلا أني أعلم أنه ينبغي أن يكون وسيلة السودان إلى تحقيق التنمية والنهوض من رماد الفاقة والإهمال..وإذا كان من سبيل واحد لأن نخرج الى وجه الدنيا، كان اعتقادي ألا سبيل لذلك غير هذا المركز! فأين هو الآن وقبل الآن من اهتمام الدولة والحكومة والمجتمع والقوى السياسية وعامة المواطنين! وهل كان إنشاء هذا المركز ليكون قاعدة الإنطلاق ومنصة الإنعتاق ومفاعل الدولة النشط الذي يتم فيه إعداد (دراسة جدوى السودان) ورسم خطوط تنميته أم كان الأمر مجرد (لافتة حديدية صدئة) توضع في أحد الأركان والسلام؟! إنه المفاعل الذي تقوم وظيفته الحيوية على التنقيب والبحث العلمي والعملي والذهني وعلى التمحيص عبر المختبرات والمدارسة والإستكشاف والإبداع والتخليق، و(تشريح الأولويات) وابتكار المداخل في الصناعة والزراعة والاقتصاد والرعي والحيوان والبيئة والاجتماع والطب الشعبي والفضاء وبيان الميزات الإضافية في موارد السودان ومعادنه وغاباته ووديانه وبواديه وثمار غاباته، ومكافحة تصحره وأوبئته وتخطيط نمو عمرانه ومواد مساكنه وتحسين بذوره وعطوره وتحديد معالم ومواقع صادره ووارده...الخ 

قد تختلط في ذهني مهام هذا المركز الموقّر، ولكني أبحث عن إهتمام صناعة القرار بمخرجاته؛ ليس في هذا (الزمن الأغبر) فحسب، بل منذ إنشاء هذا المعهد العلمي الرزين التي يمتلئ رأسه بالحكمة ولا تقوى رجلاه على المسير! في يقيني أن هذا المركز هو آخر ما يمكن أن يطوف ببال الحكومة والوزراء وصنّاع القرار في كل قطاعات ومؤسسات الدولة وجميع أرجاء الوطن! ويبدو أنه مكان يتم فيه (ركن) بعض المغضوب عليهم ليترأسوا الوزارة التي يتبع لها، وربما لا أحد يعلم شيئاً عن الجهة التي يتبع لها! ولكن هل يتذكّره أحد عندما يتم توزيع أنصبة الموازنة العامة؟ الله أعلم بأن الميزانية العامة حتى في غير هذه الأيام الحالكة تلقي بالاً (لحكاية أو بناية) إسمها المركز القومي للبحوث؟! إنما قد يرى الحاكمون وغيرهم أنه يكفي أن يكون هناك مركز بهذا الإسم وبذلك تكتمل (أبهة الدولة)! وربما يكون هذا المركز بهذا الفهم من النُصب التي تقام من أجل (المنظرة) وليس لأداء وظيفة معلومة.. لتبقى مثلها مثل أبنية الزينة التي يطلق على مثلها توصيف (الأفيال البيضاء)! هل هذا هو نصيب العلم والبحوث والمرابطة في المختبرات العلمية بعيداً عن الأضواء والدوايين اللامعة ذات الأثاث والرياش والطنافس التي تضم بين جنباتها (الفارغين) ممن سلطهم الله على العباد وعلى المال العام! فيأتي الخبراء والعلماء والباحثون للمركز من أجل تفتيق الأذهان عن بحث جديد، أو تقصي علة، أو استشراف أمل، أو فتح طريق جديد بمسبار العلم والمعرفة، وياتي أولئك إلي مكاتبهم الفخيمة (يا رزاق يا كريم) للبحث عن كيفية يؤكل بها ما تبقى من (كتف المال العام)؟!
لقد كانت لي قصة قصيرة مع المركز القومي للبحوث، جعلتني أنشغل به؛ وهنا لا لا أعني أنشطته الداخلية وعمله اليومي، وإنما وظيفته القومية الكبرى في الدولة والمجتمع؛ وللعلم فأنا والله لا أعرف فيه أحداً ليحدثني عنه، ولا أعرف الآن ميزانيته أو ما تبقى من كوادره ولا حتى مديره العام..! وإنما أنا أتحدث عن أولوية الإهتمام به وموضعه بين مؤسسات الدولة من حيث الإهتمام والإعتبار؛ فهل ينال المركز ما هو أحق به من إهتمام من الإعلام ومن الشباب والطلاب، دعك من المسؤولين! أم أن الأضواء والاهتمام والرعاية تتجه إلى هيئات أخرى تجد العناية والتمويل و(التدليل) من الدولة مثل (مجلس الذكر والذاكرين) و(هيئة تزكية المجتمع) وروابط سباق الخيل والهجن؟
قبل سنوات ليست قريبة اتصل بي أستاذ وأستاذة من ذوي الفضل وكانا يعملان في المجال الإعلامي بالمركز، يطلبان مني أن أعمل في مجال الإشراف على إدارة الإعلام والنشر بالمركز في وظيفة مؤقتة خارج الهيكل الرسمي لوظائفه، فجئت وقضيت في هذه الدائرة الإعلامية وقتا طيباً أذكره بكل الخير، وفي المركز شاهدت العلماء والخبراء والباحثين نساء ور جالاً ممن ترجح بهم موازين العلم والمعرفة، والتواثب للبحث في شتى المجالات، والصبر عليه في مختلف الأحوال والبيئات؛ فهناك من يبتكرون في مجال الطوب الطفلي أو الرملي لا أذكر، ومن يعملون في مجال النباتات العطرية، وفي البحوث الاقتصادية والاجتماعية، وفي الطب الشعبي، وفي مكافحة التصحر، بل في بحوث الفضاء وغيرها؛ وجميع ذلك (الطاقم الذهبي) بالمركز هم من أبناء وبنات السودان ممن ساقتهم نجابتهم للحصول على الدرجات العُلا من الجامعات العالمية المرموقة، ولكن البيئة التي يعمل فيها المركز كانت دون ما ينبغي، أما الإهتمام بالمركز من خارجه: من أصحاب القرار أو دوائر الدولة فهو مفقود مفقود، فلا أحد من خارج المركز يهتم بعمله االدؤوب ولا يعرف قيمة بحوثه ولا يدرى ماذا يدور بداخله.. اللهم إلا الذين يأتون من الجيران والعابرين إلى (مطعم) كان يشغل حيّزاً من حوش المركز!
وعلى نفاسة بحوث المركز التي تحتاج الى النشر والتنويه اتذكّر أنه لم يكن في مقدور المركز أن يعيد (تعمير ماكينة المطبعة العتيقة) أو أن يشتري لها (مقصاً) لتوضيب ورق الطباعة! راهنت يومها بين وبين نفسي على أن كثيراً من الوزراء (والبرلمانيين والدستوريين) لا يعرفون المركز القومي للبحوث ولو من حيث موقع مبناه! وربما لم بسمعوا به؛ فمالهم (ووجع الدماغ)! والحقيقة أنه غير معروف حتى لجمهور كبير من المتعلمين! ولمّا لم يكن في مقدوري أن أسأل الوزراء (ومن لف لفهم) عن مدى معرفتهم بالمركز، أجريت استبياناً محدوداً من طلبة الجامعات والموظفين يتكوّن من سؤال واحد يقول: هل تعرف المركزالقومي للبحوث وأين موقعه في مدينة الخرطوم؟ ولم اتفأجا بان أكثر من 90% لا يعرفون عنه شيئا؟ وهذا ربما لا يُعاب على من شملهم ذلك الإستبيان أو أضرابهم من الطلبة والأفندية، فإن قضايا البحث وأهمية البحوث في تسيير الحياة السودانية، لا يلتفت إليها معظمنا ولا يرون ضرورة للبحوث، مع انها مفتاح النهضة وأكسير التطوّر؛ وقل لي أي قضية في السودان خضعت للبحث من أجل معرفة خلفياتها وأسبابها ودوافعها ودواعيها ومآلاتها قبل التعامل بها ومعها بنهج (أخنق فطّس)!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.