تستند الدولة في تأسيسها على عقد إجتماعي ، يراعي تحقيق العدالة التامة لأفراد المجتمع ، من حيث :أولآ ، الحماية و الأمان من الإستغلال ، و إمكان التقاضي بحرية ، و إحترام القواعد القانونية على مستوى الحقوق و الواجبات .و القاعدة تمثل حالة وسطية يراد لها حين وضعها إستيعاب كافة الحالات الاجتماعية لمختلفة و غير المعتادة و التي تتحول بدورها الى قواعد قانونية يرجى منها _ بتراكمها _ تحقيق العدالة الواسعة و الشاملة . ثانيآ ، الفرص المتساوية ، في التنافس و الترقي و الذي يستند على قواعد واضحة و بشفافية تامة يحتكم لها الناس و يرتضون نتائجها . ثالثآ ، الرعاية الإجتماعية بكافة جوانبها الصحية و التثقيفية و الحاجيات الإنسانية و الروحية . ولابد من أجل إستقرار الدولة ؛ تطبيق القواعد بعدالة : تسري على الجميع و بشفافية تطمئن المجتمع على التطبيق المنصف والعادل . ولن يتحقق ذلك ، إلا في جو من الحرية و الرضا التام بالرضوخ لهذه الضوابط ، لأن في ذلك ضمان لكل أفراد المجتمع ؛ بأنهم : وبقدر إحترامهم للواجبات فحقوقهم محفوظة . وكذلك يتحقق ذلك في ظل توفر مؤسسات الدولة على الإستقلالية عن تأثير سلطة ما ، ذات نفوذ ، إضافة للمراقبة المتبادلة للسلطات ،و نفاذ حكم القانون و توفر رقابة للرأي العام عبر الوسائط الإعلامية .

يلحظ الجميع في السودان اليوم ، ما يمكن أن نسميه تحلل أوصال الدولة السودانية و تراجع أداء المؤسسات العامة و عجزها ، بل و تحولها الى مؤسسات لتحقيق المطامع الخاصة . كل ذلك يعود في ظننا لعملية كسر القواعد ،و مع شظف العيش نتيجة تراجع الأحوال المعيشية تبدو الصورة أكثر قتامة و ثقيلة الوطأة .

و قد كانت الضربة الأولى لبناء الدولة ، هي : عملية الإحلال و الإبدال في مؤسسات الدولة عبر طرد آلاف الموظفين و إحلال الموالين مع الإبقاء على فئة مستضعفة لا تملك حق المبادرة والنقد ، و مستعبدة لأسياد الدولة الجدد . هذه الطبقة لا تنطبق عليها القواعد المتعارف عليها ، والتي تم تجميدها لصالح إدارة فردية أحادية يمثلها مندوب الطبقة الحاكمة و الذي يعمل وفق قواعد التمكين لا على قواعد الإدارة العامة . أما الضربة الثانية فهي من الاقتصاد ، فقد أراد اصحاب المشروع تحريك الاقتصاد الجامد عبر سياسة التحرير الاقتصادي . وهو أمر سليم نظريآ ، إلا أن أصحاب المشروع لم يتنبهوا لضعف بنية الإقتصاد الإنتاجي ، وتقليدية نظم الرعاية الإجتماعية العشائرية . فكانت النتيجة إنفلات الحالة الاقتصادية و إستباحة العناصر الطفيلية لكافة مصادر الثروة و تجييرها للصالح الخاص . مما خلق حالة من التضخم المريع أعجز الجميع .

ما نراه الآن من فساد و تدهور إداري و لا مبالاة ؛ هو نتاج كسر القواعد و إنعدام العدالة ! فحين تأخذ القلة المتنفذة بالتمكين كل شيء و تترك للغالبية الفتات ؛ وحين لا يسري القانون على هذه الفئة و يسري على الجميع _ والحالات معلومة للكافة ؛ وحين تترك فئات الشعب تحت رحمة الجشع بلا سند او دعم _مباشر و غير مباشر _ وغير المباشر المقصود به ، كمثال ، تعليم جيد و مجاني ،لا يحوج الفقراء الى إخراج أبنائهم من المدارس و في حال بقوا لن ينتفعوا منها لتدهور قدراتها . حينها تكون النتيجة الماثلة : أحقاد و فساد ، ونهب و دمار و فردانية . فما الذي يدفع الإنسان / المواطن لإحترام القانون ، وألا ينهب او يخادع ، في ظل إنكشاف حاله أمام الهجوم المشترك لتحالف المحسوبية التمكينية و التردي الإقتصادي!؟

إننا الآن أمام لحظة تاريخية مفصلية تمتاز بالسيولة ، و هي : نتاج سياسة تمكينية ،كان مآلها _ بفعل التراكم السالب _ كوارث ، يعلم الله وحده إلى أين ستؤدي بنا . على أنه يمكن القول أن الدولة السودانية تتحلل ! فهل من منقذ ؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.