السر عبدالحفيظ او السر جوك كما اشتهر بين الناس، صاحب قلب كبير مرهف لذلك كنا نصنفه بالحنيين ، (دموعو قراب)، يزرف الدموع كلما جاشت عواطفه حزنا ام فرحا. فالرجل العصي الدمع قد يبكي عندما يكون صادقا في مشاعره . صباح الجمعة 6 ابريل الجاري نعي لنا الناعي وفاة السر الذي لبي نداء ربه بمدينة ميامي بالولايات المتحدة الامريكية . رغم علمنا بمعاناته مع المرض الذي عجز الاطباء عن علاجه وحددو عمره الافتراضي الا ان الخبر كان صادما . جال في خاطري شريط من الذكريات عمقت الجرح وزادت من لوعة الفراق وابانت حجم الفقد

في النصف الثاني من ثمانيات القرن الماضي كنت مغتربا بدولة قطر وكان السر يمثل لنا المحطة المهمة في العاصمة نحن الذين ارتبطنا بالجزيرة . كانت الخرطوم تمثل لنا محطة عبور . يستقبلنا هاشا باشا ، نترك له جوازات سفرنا ونيمن وجهنا شطر الجزيرة الخضراء الباردة . في طريق العوده لمغادرة الوطن يستضيفنا في منزله بل نستبيح المنزل ونستضيف ضيوفنا في منزله . نجد السر قد انجز كل الاجراءات من خروج وضرائب وان استدعي الامر تجديد الجوازات او استبدالها . في المساء يتجول بنا بعربته حول العاصمة المثلثة لاداء واجب معايدة وزيارة الاهل والاصدقاء.

اذكر في احدي المرات حضرت لمكتبه بمبني الاقطان لاستلام جواز سفري ، عندما فتح درج مكتبه وجدت عدد كبير من الجوازات قابعة في الدرج ! عندما رأي الدهشة علي وجهي فسر الامر مبتسما ياخي ديل اهلك ، هذا جواز عمتك فلانه وعمك فلان وجارهم في الحلة فلان وفلان ووو كلهم ارسلو صورهم الفتوغرافية وطلبو مني استخراج الجنسية وجوازات السفر وعمل تأشير للحج لانهم يرغبون في اداء فريضة الحج هذا العام . !! كان السر حمولا يؤثر علي نفسه لارضاء الغير ، ساعده علي ذلك علاقاته الواسعة وارتباطة الوثيق بموظفي الحكومة في مرافقها المختلفة . كان يسهل لنا كل عقبة تقف امامنا ، ايا كانت في المطار او الجوازات ،الجمارك ، الداخلية والبوليس وما اكثر العقبات في ذلك الزمان أوخر الحقبة المايوية وعند الفوضي التي عمت عند الفتره الانتقالية وبداية فترة الديموقراطية الثالثة

انتاشه تسونامي الصالح العام مثلما انتاش الكثيرين من الصالحين الذين فقد الوطن خبراتهم . تنقل السر للعمل بين مسقط عمان ، وشارقة الامارات ولكنه لم يكن سعيدا لحياة الاغتراب رغم المردود المالي الذي ناله . كان شديد الارتباط بالسودان احبه وأحب اهله . حتي زوجته الخواجية عندما صعب عليها العيش وتكالبت عليها الملاريا ونتش الباعوض لحمها و شوه جسدها وقررت الرجوع لالمانيا ، اثر السر ان يظل بين اهله في السودان . وظل ابنائه يزورونه في السودان كل عام . يطوف بهم علي الاهل بمدني وقري الجزيره وكان الاهل يحتفون بابن وبنت الخواجية حتي تسودنو واصبحو جزء من الاسره في تراحمهم وتوادهم . عاد للخرطوم بعد الغربة القصيرة ليعيش بين والديه واصدقائه الكثيرين . ظل يكابد الي ان بدأ التغير يدب في جسد العلاقات الاجتماعية بين الناس وتعثرت الحياة وسبل كسب العيش نتيجة للضغوط الاقتصادية والنفسية التي اجتاحت البلاد في العشره سنين الاخيرة

استجاب لرغبة ابنه الذي يعيش بامريكا بعد كان رافضا تماما مناشدته بلم الشمل. هاجر السر لامريكا وظل مع ابنه محمود حتي داهمه السرطان وعند اشتداد المرض أثر ان يعود للسودان ومواصلة العلاج الكيميائي بين اهله واصدقائه ولكن للاسف كان المصل الذي تناوله بالمستشفي في الخرطوم فاسدا وغير صالح وهو ما تم اكتشافه عند اعادة الفحوصات والعلاج بامريكا

قبل شهر ونصف بعث الي برسالة ينعي ويعزي نفسه في وفاة صديقه معاوية الخير الذي كانت موته موت الفجاءة . يتحسر في رساله علي انه هو الاقرب للموت من صديقه معاوية . لم استطع ان اتخيل ان شخص حددت له ايام معدود في هذه الدنيا ويرغب في ان يعجل الله في اجله !! تذكرت قول الشاعر لبيد وهو ينعي نفسه (ذهب الذين يعاش في اكنافهم - وبقيت في خلف كجلد الاجرب )

زرته في سبتمبر الماضي عند زيارتي القصيرة للسودان تغيرت ملامحه تساقط شعر الراس ونحل الجسم الا ان روحه المرحة ظلت عصية علي المرض . بعد عودته لامريكا ظل التواصل بيننا عن طريق الهاتف والوتس اب الي ان جاء وقت اشتد عليه المرض وبدأ يصعب عليه التحدث . توقفت عن مهاتفته لأكثر من أسبوعين حتي جاءني خبر نعيه . بوفاته انطوت حقبة مهمة في سجل تاريخنا الاسري والاجتماعي .

له الرحمة والمغفرة

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.