إن كان هناك، ثمة إنسان في هذا الوطن الرازح تحت الاستبداد، والمطوق بثقافة الظلام وعقلية الطوائف والرجعية والجهوية والإنتهازية، يجعل للأمل متسعاً في العقل والروح والضمير الوطني، فهو هذا الشخص، ورفاقه في حزب المؤتمر السوداني.
للأمانة والصدق، أنا لست عضواً في هذا الحزب، ولم إلتق أحد من قيادته سواء قيادته السابقة، بقيادة الاستاذ المناضل إبراهيم الشيخ، أو قيادته الحاليّة، بقيادة الاستاذ المناضل عمر الدقير.
لكن إنطلاقاً من المواقف النضاليّة التي أظهرها أعضاء هذا الحزب، في مواجهة سياسيات نظام الانقاذ التي ألحقت الضرر بالوطن والأذى بالمواطن. والأفكار والتصورات والإفادات التي ظل يدلى بها المهندس عمر الدقير، بشأن الازمة الوطنيّة، تقول: أنه، ليس مهندساً فحسب، بل هو مثقف من طراز فريد، يكتب بحماس الثوار، وعقلانية الفلاسفة، يرصد ويحلل بمعرفة العمالقة، وادراك علماء السوسيولوجيا، للواقع والنص ومرتكزات الخطاب السياسي المُعاصر، المستوعب لخصائص الزمان والمكان والقضية.
يكتب بثقافة حية ومعاصرة، ثقافة تلامس هموم الشعب وتطلعاته واشواقه للحرية والديمقراطية ثقافة خلاقة تبعث الأمل من جوف الرماد، ثقافة تتماهى مع الواقع بلا تبعية أو ذوبان فيه، بل تتجاوزه عبر تعميق الإيمان بأن حرية التفكير هي الأساس الأول لتقدم الانسان والأوطان .
ثقافة تقول: أن الفهم يعني إمتلاك المفهوم وإختيار سكة الصعود وإلارتقاء بالعقل والذاكرة الوطنية من موقف الإستعادة المحايدة إلى موقف الإختيار الفاعل، الذي يعني الإضافة والدفع بالوطن والمجتمع إلى الأمام في وعيه وثقافته وتثوير همته.
لذلك في تقديري، هو ورفاقه في حزب المؤتمر السوداني، إنهم من عجينة خاصة، عجينة فيها رائحة المجلد وكادوقلي، ونيالا والفاشر ، ومدني وكوستي، وعطبرة وشندي، وحفلا وكسلا، والخرطوم وأم در.
فهنيئاً للوطن بهذا المكسب الكبير، مجسداً في ضمير حي، وعقل متحرر من الإنتماءات الضيّقة، والاوهام البالية والهويات الخانقة والثقافات الهادمة، يتجلى ذلك في كتاباته التي تقول : بأنه قد أدرك دوره، وتحمل عبئه منذ زمن بُعيد، منذ أن كان طالباً في جامعة الخرطوم، ورئيساً لاتحاد طلابها، الذي شارك بأسمه في نشاطات واجتماعات التجمع الوطني، وقد أرخ لذلك في مقاله المنشور في صحيفة الراكوبة، بالامس، الذي جاء تحت عنوان: " يوميات إجهاض الإنتفاضة.. ملخص وقائع إجتماعات ما بعد ٦ أبريل" .
من يقرأ ذلك المقال يفهم أن الإنتفاضة لم تُجهض فقط يوم إعلان الطاغية عمر البشير، بيان إنقلابه المشؤوم، في 30/6/1989، بل الإنتفاضة أُجهضت منذ ان وقفت القوى التقليدية ضد مقترح القوى الحديثة ممثلة في النقابات، المعبر عن (ميثاق تجمع القوى الوطنية لإنقاذ الوطن) الّذي ينص صراحة على قيام حكم وطني ديمقراطي إنتقالي لفترة ثلاث سنوات مع كفالة كرامة وحريات المواطنين الاساسية في التنظيم والتعبير والعقيدة والعمل والتنقل والحريات الاخرى كافة، على غرار نصوص ومواثيق حقوق الإنسان الدولية. وقد إعتبرت قوى الإنتفاضة الشعبية ذلك الميثاق هو الأساس الذي يجب التمسك به وتنفيذه بمعزل عن العسكريين التقليديين، بل إن تنفيذ ذاك الميثاق القومي كان سيسهم بوقف الاحوال الأمنية والعسكرية المتدهورة في الجنوب، ويهيء الاوضاع العامة للاستقرار السياسي الدائم، لكن القوى المعادية للديموقراطية وقفت ضد هذا التوجه وطالبت بإجراء انتخابات عامة بعد عام واحد، معتمدة على رصيدها في الريف والأميين لملئ البرلمان بنواب لا يهشون ولا ينشون، فسيطروا على البرلمان، متجاوزين التجمع النقابي الذي قدم تضحيات جسيمة من أجل إستعادة الديمقراطية إبان حكم نظام مايو، وفي عهد نظام الانقاذ قدمت القوى الحديثة ممثلة في التجمع النقابي، أول شهيد وهو د . علي فضل، حينما نفذ التجمع نداء الإضراب السياسي والعصيان المدني، دفاعاً عن الديمقراطية، وجانب المئات إن لم يكن الآلاف الذين تعرضوا للتعذيب والفصل من العمل، بينما اختفى اعضاء الجمعية التأسيسية، بل تواروا عن الأنظار ، ونسوا انهم نواب عن الشعب، وأولى واجباتهم هي الدفاع عن الديمقراطية والحريات العامة، بل هرول البعض منهم الى الالتحاق بالنظام الجديد، ومعانقة الطاغية مدحه وتبجيله ويستميت البعض لترشيحه في مسرحية انتخابات ٢٠٢٠ . . ! هذا السلوك الخسيس ينسجم تماماً مع الدور الذي كانت تمارسه القوى التقليدية ممثلة في الأحزاب الطائفية والطفيلية والرجعية العالمية ممثلة في حزب الجبهة القومية الاسلامية، التي عملت على عزل القوى الوطنية الحديثة، بمنطق انتهازي نرجسي للحيلولة دون تحقيق مضامين الحرية والديمقراطية، والاستجابة لمطالب الشعب بتحسين الحياة المعيشية، مما أضطر القوى الوطنية الحديثة، ممثلة في تجمع النقابات التقدم بمذكرة تضمنت أحد عشر مطلباً إلى رئيس الوزراء بتاريخ 17/8/1987، وهي كالتالي:
١ - إلغاء قوانين الطؤاري فوراً.
٢- وقف الحرب والشروع بتنفيذ إعلان كوكادام وعقد المؤتمر الدستوري.
٣- إلغاء قوانين أيلول/ سبتمبر، والرجوع إلى قوانين 1974، بعد تنقيتها من بعض الشوائب، وقد قامت نقابة المحامين بذلك.
٤- تنفيذ قرارات وتوصيات المؤتمر الاقتصادي والبدء فوراً في تخفيف العبء الحياتي على الجماهير.
٥- إسقاط كل أشكال الدكتاتورية المدنية والعسكرية وتصفية سدنة إنقلاب مايو ورموزه في الخدمة المدنية.
٦- إلغاء القوانين النقابية المايوية وصياغة قوانين ديمقراطية بديلة في ضوء المشروع الذي قدمه التجمع النقابي.
٧- تصفية الأساس الإقتصادي الطفيليين وتجار السوق السوداء.
٨- إستمرار التحقيق مع الفاسدين الذين اغتنوا من نظام مايو، وتقديم القضايا التي أكتمل فيها التحقيق للقضاء فوراً.
٩- عدم تسليح الحكومة القبائل والمليشيات، وأي فئة أخرى عبر القنوات الرسمية أو غير الرسمية.
١٠- إنتهاج سياسة خارجية متوازنة تأخذ في المقام الأول بالمصالح الحيوية للشعب السوداني ودوره في الوطن العربي وأفريقيا والعالم الثالث.
١١- تمثيل القوى الحديثة بالكيفية التي عبر عنها التجمع النقابي، عن هذا المطلب في مذكراته ومواثيقه ووفق ما جاء في الميثاق الوطنيّ.
المذكرة التي تقدمت بها القوى الحديثة ممثلة في التجمع النقابي، بقدر ما عكست مطالب الشعب بتحسين ظروف الحياة المعيشية، أيضاً فضحت تجاهل القوى الطائفية والجبهة القومية الاسلامية، وإنشغالها بمصالحها، وإهتمامها بمخططاتها المناقضة للديمقراطية مستفيدة من سيطرتها على الجمعية التأسيسية، ومجلس الوزراء، عبر انتخابات الدوائر الجغرافية ودوائر الخريجين التي فصلت لصالح القوى المعادية الديمقراطية والوحدة الوطنية .
بهذا الاستعراض لدور القوى التقليدية في إجهاض الانتفاضة، نستطيع القول، ان تجمع النقابات كان يمثل القوى الوطنية الحديثة وطليعة التغيير التأريخي، في بلادنا بحكم تمثيله للأطباء والمهندسين والمحامين والعمال والمزارعين والحرفيين والطلاب والشباب والمرأة ، كل هذه الكيانات والفئات صاحبة المصلحة الحقيقية في الاستقرار والوحدة الوطنية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية ونشر ثقافة الحداثة والتحديث. لذلك ظل تجمع النقابات ينادي بوقف الحرب في الجنوب، وتنفيذ مقررات مؤتمر كوكادام، وتخفيف معاناة الحَيَاة، خلافاً لموقف القوى الرجعية التي لم تتضرر بيوتاتها ولا مصارفها ( الاسلامية) ولا مصالحها الطفيلية، بظروف الحرب والإستنزاف الإقتصادي والبشري.
فالتحية له، ولرفاقه في حزب المؤتمر السوداني، والتحية للشرفاء، في داخل السودان وخارجه الذين يقاومون نظام الاستبداد والانحطاط، وسياساته البائسة، حتى فجر الخلاص.

الطيب الزين

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////