بالتأكيد تبدو لنا النصوص الرمزية محققة لدرجة من القيمة الابداعية ، ويرفض الكثير من النقاد منح العمل الأدبي حقه من التقييم النقدي اذا كان عملا مباشرا. الكثير من الكتاب لم يستمروا دائما على خط واحد من الكتابة جيدة ، فكما كتب محفوظ كتابات عالية الرمزية كتب كتابات قد تكون شديدة المباشرة ، ومثله ماركيز وغيرهما .. ان الكتابة يحكمها أمران في تقديري المتواضع في هذا الشأن: اولهما هو الرغبة نفسها في الكتابة ، حين لا يجد الكاتب من يكبح جماح شغفه بكتابة نص ما مهما كان مباشرا ومفتقدا للرمزية ، هو غالبا لا يأبه لذلك .. أو يغلب اشباع شغفه على الحفاظ على مستوى قياسي معين للكتابة. أما الأمر الثاني فهو النزاع بين الكتابة كرسالة والكتابة كابداع ؛ فحين يكتب الروائي او المسرحي الايرلندي نصا ليعبر عن القضية الايرلندية مثلا ، يواجه بهدفه الأساسي وهو نقل قضيته الى اكبر عدد من الجماهير ، وهذا قد لا يتأتى عن طريق الرمزية التي تحتاج للقراء النخبة. فعندما تكون الكتابة رسالة يضع الكاتب الجمهور المستهدف بالنص نصب عينيه ، يضعه برمته ، أي بكل مستوياته وأسقفه المعرفية ، بل أنه قد يهتم بالقاعدة الاقل قدرة على التأويل والتحليل ، ان ماركس مثلا كتب للعمال ، كتب لهم بمستوى يتفق وقدرتهم على استيعاب فلسفته ، وتبعه انجلز في ذلك. ان الناص هنا لا يهتم بالجانب المتعالي كمبدع وانما بالجانب الرسالي كحامل لسلاح القلم . هنا لا يكترث الكاتب بشهرته السابقة ، ولا يهتم بإعادة تقييمه كمبدع ، وانما يتحول الى جندي يدافع عن قضيته باستبسال . لقد انتقد النقاد مثلا رواية طائر الشؤم لفرنسيس دينق ، نعتوها بالهزالة ووصفوا كاتبها بانعدام الموهبة الروائية ، لكنهم نسوا ان فرانسيس دينق لم يكن يكتب هذه الرواية ليشار اليه ككاتب مبدع ، انما لينقل رسالته عبر الكتابة الأدبية ، لأن الناس تتقبل الرسائل من خلال الأدب كما يتقبل المؤمنون اختلافات شيوخهم ويرفضون ذات الاختلافات اذا صدرت من ملحدين. بالفعل أدت رواية طائر الشؤم دورها الرسالي هذا وحققت هدفها والدليل البسيط على ذلك انها انتشرت على اوسع نطاق ونالت قبولا عاما يهزم انتقائية النقاد ومقاييسهم التقنية. وعندما تكون الكتابة رسالة فهي مهما عانت من ضعف الا انها ستجد اقبالا واسعا من الجماهير وقد تكون اكثر تأثيرا من كتابة شديدة التقعر ومربكة لعقل القارئ العادي. قد يعتقد البعض انها كتابة شعبوية او خطابا ديماغوغيا كخطابات الزعماء السياسيين ، ولكن في كل الاحوال من قال ان الخطاب الشعبوي او الديماغوغي لا قيمة له ، على العكس تماما ، ان الزعامات السياسية ذات الكاريزما خاطبت شعوبها هكذا ، وأثارت حماستهم للدخول في حروب غير محسوبة العواقب بناء على هذه الخطابات لا بناء على نقاشات فلسفية معقدة. كذلك الأدب قد ينحو الى هذا الخطاب ليحقق هدفه المنشود عبر الرواية او المسرح او الشعر او القصة ... 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.