في زمن مضى، كان حزب الشيوعيين السودانيين يلزم المعتقلين بتوثيق تجربة اعتقالهم بشكل تفصيلي، وفِي ذلك فوائد من ضروب شتى لعل ابرزها وأهمها انها تساعد في استعادة المعتقل لتوازنه النفسي خصوصا عند تطاول أمد الإعتقال، ولكن هناك فائدة اخرى وهي انتقال التجربة وتراكم الدروس النضالية للتعايش مع حالة الاعتقال بين جيل وآخر.

نقل التجارب هذا، تتيحه في عالم الْيَوْمَ وسائل التواصل الالكترونية التي تسمح بالنشر غير المشروط. فيصبح توثيق هذه التجارب ونشرها من الواجبات المقدمة والتي لا تحتمل التأجيل خوف الخلط والنسيان لكل معتقل سياسي بعد خروجه. هذا مع أمل ان تنكسر الحلقة الشريرة ويستعيد النادي السياسي السوداني عافيته الديموقراطية فينتهي عهد الاعتقالات ويولي عصر زوار الليل الي الأبد ودون رجعة.

النقاط الآتية من غير ترتيب وكلها مطروحة للنقاش.

١- للمعتقل السياسي حقوق. وهذه الحقوق والتي تتضمن الكتب الثقافية والعناية الطبية والاتصال بالاسرة أو تسليم الامانات لهم (خصوصا الأموال أو العربات في حالة الإعتقال من الشارع أو غير ذلك) لا يجب ان تخضع لتعنت جهاز الأمن ولا ينبغي على المعتقل تجاهل المطالبة بها. هذه الحقوق يتيحها القانون على سوءاته فيصبح من العبث الوجودي غير ذي المعنى عدم المطالبة بها.

٢- العسكري السجان ليس عدوا لك. عداء المعتقل السياسي او الأيدولوجي هو مع ضابط الأمن السياسي الذي أعتقلك والذي لن يتعامل معك سوى مرة او مرتين او ثلاثة في التحقيق، او بعدد مرات التحقيق يعني... وهو -او ادارته وروساءه- الذي بيده امر إطلاق سراحك او ابقاءك في المعتقل، ضباط وعساكر السجن لا يملكون من امر ذلك شيئا. وعساكر المعتقل هم مواطنين سودانيين غير مودلجين سياسيا في الأغلب وعادة لا يتجاوزون حدودهم مع المعتقلين السياسيين الذين تشعر بأنهم يكنون احتراما خفيا للمعتقلين السياسيين وخصوصا كبار السن -وان كانت هناك التجاوزات تحدث من الضباط المؤدلجين في بعض الأحيان- لهذا يصبح من المنطقي عدم استعداءهم والتعامل معهم بشكل إيجابي لأن في إمكانهم تحويل حياتك في المعتقل الي جحيم او بالعكس تسهيل إقامتك فيه بقدر ما تسمح صلاحياتهم فيما هو مسكوت عنه عبر التعامل الحسن والتفاوض.

٣- اول شيء يجب ان يصرفه المعتقل السياسي عن ذهنه هو سؤال متى سأخرج ومتى سينتهي وضع الإعتقال. الإعتقال حالة موقتة ستنتهي ولو طالت وتصبح مجرد حكاوي ... لكن الانشغال المرضي بالخروج والغرق في التفكير فيه سيحول سجنك الي سجنين... سجن الزنزانة وسجن الهواجس والهموم. يمكنك الاستفادة من وقتك في في اي شيء ... مثل القراءة او اعادة التفكير بشكل هادي ومنظم فيما لا يتيحه الزمن والمشغوليات خارج السجن او حتى لعب الشطرنج او الضمنة او الليدو الذين يمكن صناعتهم جميعا من قطع الصابون بالمناسبة.

٤- في مواجهة التحقيق، يمكنك ان تميز سريعا ان الاعتقال تحفظي... قد يحاول المحقق اذلالك او ارهابك او اَي سلوك اخر لكن في اخر الامر انت فقط الذي تحدد مسار التحقيق... الامر الاخر المهم ... تحقيق جهاز الأمن لا يمكن الاعتداد به كبينة قانونية it is not admissible in court. الإجراء كله تقضية وقت ساي. وكذلك لا يملك ضابط الأمن الصلاحية القانونية لاجبارك على فتح تلفونك او ايميلك او اَي حاجة بالشكل دا ... هو احتمال يطلب منك وانتا ارفض والموضوع حينتهي هنا... اَي زول تم إجباره على كدا يمشي يفتح في جهاز الأمن والضابط الحقق معاو بلاغ في نيابة المعلوماتية طوالي.

٥- لأسرة المعتقل الحق في زيارته مرة كل أسبوعين ولهم الحق في ادخال مواد غذائية او ملابس او أدوية او اَي متعلقات شخصية اخرى منذ الْيَوْمَ الاول عبر استعلامات جهاز الأمن. من الضروري ان تعرف أسر الناشطين السياسيين هذه المعلومة وتتعامل معها باهتمام حيث ان دخول هذه المتعلقات الشخصية له اثره النفسي الإيجابي ويخفف كثيرا على المعتقل داخل زنزانته. كذلك من المهم لاسر الناشطين السياسيين التوجه بالاستفسار لاستعلامات جهاز الأمن فور اختفائهم وقبل الانشغال بالبحث في أقسام البوليس والتفكير في البحث في المستشفيات والمشارح لا قدر الله... الناس تبدأ من البسيط والأكثر احتمالا قبل المعقد. القانون يلزم جهاز الأمن بالرد خلال ٢٤ ساعة وهم أصلا بيلتزموا بكدا كذلك يجب الضغط والإلحاح في طلب الزيارة فور انتهاء فترة الاسبوعين الاولى... أنشالله تمشو تطلبوا زيارة كل يوم ... لحدي ما يصدقوا ليكم بيها وأول ما تطلعوا تبدو في تقديم طلب الزيارة الجديد.... القصة دي روتينية والحاح الاسرة في الطلب بيساهم في استعجال الزيارة.

٦- أدوات النضال داخل السجن من إضراب عن الطعام وغير ذلك ممكنة، ولكن لها شروط أولها وأهمها وجود اتصال منتظم مع الخارج ومعرفة من هم بالخارج بخيارك وبمطالبك... غير ذلك يصبح الامر عبثي تماما ولاقصى حد. نضالك في الداخل سواء من اجل تحسين شروط الاعتقال او إطلاق السراح هو جزء من نضال أوسع بالخارج... ثم ان الإضراب عن الطعام من اجل إطلاق السراح ليس لعبة ولا تهويش... لو قررت الإضراب عن الطعام وبدات فيه لا يمكنك التراجع قبل إطلاق سراحك فعلا. غير ذلك يصبح الامر ضربا من العبث وتفقد الالية النضالية فعاليتها... لذلك يجب التفكير بحكمة في الوقت والظرف المناسبين لهذا القرار.

٧- في الاعتقال المتطاول من الضروري إنّو للمعتقل يطور نظام روتيني ليومه. حيعمل شنو متين وبشكل ثابت ... ومن الأفضل إنّو يتضمن رياضة حتى داخل الزنزانة الضيقة ... الروتين دا بيساهم في زيادة قدرتك على التعايش مع حالة السجن. وبرضو الاهتمام بالنظافة الشخصية في الأشياء الصغيرة لأنو تجاهل دي ممكن يودي للاصابة بامراض او عدوى بيكون صعب معالجتها في ظل ظروف المعتقل.

النقاط تاني مما توارد على الخاطر وأتمنى انها تكون مفيدة وان كنت أتمنى في ذات الوقت إنّو مافي زول يحتاج ليها

وزولا تريدو وتشتهيه
تلقاهو في
لا في السجن لا مختفي
لا يقولوا ليك ما تمشي لي
دا كلو كلو حينتهي
دا كلو كلو حينتهي

أمجد فريد

على ضفة انتظار الوطن

ترددت عبارة مولانا الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي في ذهني مرارا ونحن في طريقنا الي بوابة السجن، لنعانق الحرية الصغرى في رحاب الوطن الأسير، التي يقول فيها ان "الوارد المنتظر... لا يعول عليه"!

ولمولانا ابن عربي من البلاغة سحر صوفي عجيب، يجعل كلامه يتجسد في مواضع شتى واحوال مختلفة وكأنه لم يكتب الا لها وبمناسبتها. ولربما كان وارد حريتنا المنتظر لا يعول عليه ان لم يغير حالا أدخلنا الي المعتقل منذ البدء. فهذه بلادك يا عزيز التي لم تدع يوسفا" الا وجعلت السجن مقامه والتحاف الزنازين مأواه... هذه بلادك يا عزيز فابطش فيها بكل صاحب كلمة صدق عند شعبه... فهذه بلادك يا عزيز!

اخذت تجريدة السلطة الدفترارتية بعد الاحتجاجات المتزايدة على ميزانية الافقار الجبري لعام ٢٠١٨ بأوسع طيف سياسي سوداني الي المعتقلات المختلفة التي توزعت بين شالا وزالنجي وكسلا وبورتسودان وثلاجات موقف شندي وسجن كوبر العتيق منذ منتصف يناير ... وما انكسر معتقلي كوبر وهم يغنون لأكتوبر ولا همّ معتقلي بورتسودان وهم يهتفون بالمجد للسودان ولشعب السودان وضربوا جميعهم بلا استثناء اروع دروس الصمود والتحدي وهم يواصلون نضالهم في انتزاع الانتصارات الصغيرة داخل المعتقل ... شاي مغرب او مجرد "موية سخنة" أو تشميسة خمسة دقايق أو ماء نظيف يشربونه غير ذلك الذي يردونه من "حنفية الحمام". وواصل المعتقلون نضالهم في قضاياهم الصغيرة وما غاب هم الوطن الأكبر عن اذهانهم لحظة وهم يتداولون قضاياه في نقاشاتهم الصاخبة ويدلون بدلوهم في كل ما يصلهم من اخبار وكأنهم "هيئة للأمم".

يعلمك الإعتقال في رفقة يحيى مدلل ومختار عبدالله واحمد هلال وغيرهم من شيوخ السياسة السودانية الصامدين ان (الوطن ليس هشاً) ... ليس هشاً على الإطلاق وان ضربت هشاشة العظام وبؤس الخيارات الاضطرارية وسوسة المؤامرات والتكتلات والشخصنة المرة هيكل وسقيفة النادي السياسي السوداني القديم أكمله. الوطن ليس هشا ... لكنه يحتاج الي اعادة تعريف السياسة واستعادة دورها في انها حل لمشاكل الناس وليست مكابرات عنترية أو شعارات تخرج من (جيب القميص) كيفما اتفق ولمجرد ارضاء الذات. ممارسة السياسة مسئولية ولها ضريبتها القاسية وليست محض مناصب وتشريف. ليست كذلك على الإطلاق.

هذا الوطن الجميل بشعبه رغم كل شيء يستحق ما هو أفضل من ذلك ... ولو نتحد ضد الجراح حنبني الديموقراطية صاح!

أمجد
/////////////////