واضح تماما ان نظام البشير محاصر ؛ وان ما تسرب من اخبار عن منع امريكا لدول الخليج من مساعدة البشير في حل ازمة انهيار الدولة هي اخبار حقيقية. فإذا كنا نفهم موقف السعودية والامارات من البشير ، والشروط -التعجيزية التي اشترطاها عليه- فلا نجد اي مبرر لحالة السكون وانعدام التفاعل التام من دولة قطر ؛ وهي التي كان النظام حليفها الاستراتيجي ، او ساعدها الايمن في تطبيق بعض برامجها الخاصة بهذه المنطقة. ربما تفرح القوى السياسية اذا سقط البشير او مات او لحق بالجاسوس السابق الى السعودية . لكن لو صح ذلك ففي رأيي ان هذا ضعف في قراءة الواقع. فالبشير في النهاية انسان فرد ، والمشكلة لا ترتبط به وجودا وعدما... انما القضية تتعلق بالمنظومة التي سيخلفها وراءه. وهي منظومة الاخوان المسلمين المسيطرة على كافة مفاصل الخدمة المدنية والاموال والبنوك والقطاع الخاص . الحركة الاسلامية لا تحتاج للاستعانة حتى بالجيش او اي مليشيات اخرى ولا حاجة لها في الدخول في صدام مسلح اذا سقط البشير . لأنها تسيطر على كافة الادارات المدنية الهامة في الدولة واهمها القطاع الاقتصادي ان لم يكن كله فأغلبه. البنوك وهي اهم المؤسسات المالية خاضعة تماما للاخوان. العملة الصعبة خارج البلاد تخص حساباتهم السرية في بنوك العالم المختلفة. واي نظام جديد لن يتمكن من القيام بعملية احلال وابدال سريعة بحيث يتجنب المعرقلات التي ستوضع في طريقه لحل الازمة سواء كان هذا النظام عسكريا او دموقراطيا. هذه المنظومة تشكلت خلال ثلاثين عاما ، من الاجيال المختلفة التي تم تجنديها وترفيعها الى قيادة جميع المؤسسات ولو لم تكن تملك المؤهلات الكافية لذلك -وهي بالتأكيد لا تملكها-. فخلال ثلاثين عاما استمرت عملية التفريخ والسيطرة على جميع مفاصل الدولة. دعنا الان فقط نراقب موقف قيادات الحركة الاسلامية الممتعضة من البشير ، والتي تجاهر بضرورة تنحيه عن السلطة. وعجز البشير التام عن ايجاد مخرج له من الازمة رغم استعانته بمليشيات الدعم السريع تارة وملاحقة ما اسماه بالقطط السمان تارة اخرى ، ورحلاته الفاشلة التي لا تتوقف لدول الخليج. وارسال طلبات للمساعدة لم تجد لها اجابة كما اقر واعترف بذلك احد المسؤولين. كل ذلك اوضح ان نهاية حكم البشير قد آنت ولكن الاخطر ان المنظومة باقية كما هي (منظومة الاخوان). ان الولايات المتحدة على علم بذلك ، وهذا بالتأكيد لا يفوت على مؤسسات دعم اتخاذ القرار عندها ، ولذلك لا استبعد حدوث مفاوضات سرية بين امريكا وبعض قيادات الحركة الاسلامية ، وهذه القيادات هي في الاساس ربيبة ال CIA واحدى ادوات المخابرات الامريكية ، بل ان العديد من هذه القيادات محمي بالجنسية الامريكية وجنسيات غربية اخرى. فلنتذكر انه حين قررت المحكمة الجنائية الدولية توقيف مسؤولين في النظام عن جرائم الحرب في دارفور سارعت امريكا واتفقت مع المحكمة على استثناء أي امريكي من هذه الملاحقات والمحاكمات. لقد كان ذلك امرا مدهشا ، ان تحمي امريكا من يرتكبون جرائم حرب لمجرد انهم يحملون الجنسية الامريكية وتجيز ملاحقة من لا يحملها. وكانت هذه اول ضربة للعدالة الجنائية الدولية ، لأن هذه الاخيرة تعتمد على مبادئ عدم الافلات من العقاب بسبب المنصب او الحصانة. ومبادئ العدالة لا تتجزأ او من المفروض انها لا تتجزأ. لذلك انا لا احمل ادنى شك في عمالة الحركة الاسلامية لأمريكا. بل ولا احمل أدنى شك في انها ابرمت اتفاقا مع الولايات المتحدة للتنسيق حول دورها فيما بعد سقوط البشير. على القوى السياسية ان تنتبه لهذه الحقائق ، وان تضعها في الاعتبار ، وان تخاطب الولايات المتحدة بجدية بأنها لن توافق على اي تنسيق مع الاخوان المسلمين للمشاركة في حياة سياسية جديدة ، وانها ستخضع جميع قياداتها للملاحقة القانونية والمحاكمة القضائية. ويجب تنوير الشعب بهذه المطالب ليكون سندا لها عند التفاوض مع الولايات المتحدة حول مرحلة ما بعد سقوط البشير. ان الولايات المتحدة شر لا بد منه ، تماما كالزواج ؛ وفهمنا لنفوذها الدولي يقينا او يخفف عنا هذا الشر ؛ لا يمكننا ابدا ان نتجاهل هذه الحقيقة ، فحتى روسيا لا تستطيع انكار تأثير العقوبات الامريكية عليها اقتصاديا وسياسيا ، والدور الامريكي في التظاهرات الجماهيرية التي تنتظم شوارع موسكو منذ اسابيع. لكن هذا لا يمنع من التفاوض ولا من التأثير على الشعب السوداني ليدعم موقف اي حكومة قادمة تمثله او تحقق غايته في التخلص من منظومة الاسلامويين الخبيثة المسيطرة على مفاصل الدولة. لا يكفي سقوط البشير ... بل ايضا سقوط كل منظومة الاخوان معه.

(اكسح ... امسح ... ما تجيبو حي)...
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.