بسم الله الرحمن الرحيم

هذا تعقيب على بعض ما جاء في مقال الدكتور الباقر العفيف بعنوان الدعوة لدخول الانتخابات كوسيلة لمقاومة النظام: ما وراء الفكرة (٦-٦) والذي نشرته صحيفة التغيير الإلكترونية بتاربخ ١٣ مايو، ٢٠١٨.
يقول الدكتور الباقر:
وقد أوصلني ذلك التحليل الناقد إلى خلاصة مفادها أن فكرة التخلي عن شعار إسقاط النظام، عن طريق الانتفاضة الشعبية السلمية، وتجريب منازلته عن طريق الانتخابات، إنما خَرَجَتْ من بين صلب اليأس وترائب الخوف. كما أنها تَنمُّ عن قِلَّة حِيْلة، ونضوب رأي.
هذا على الرغم من أن دعاة الفكرة قد أكدوا، بما لا يدع مجالا للشك، بأنهم لم يطرحوا طرحهم من منطلق الحيرة واليأس، بل هم متفائلون ومؤمنون إيمانا كاملا بإمكانية تحقيق الخلاص، وانقاذ البلاد، التي أوشكت أن تتسرب من بين أيدينا، وتضيع، نتيجة لتعنت، وعجز، وقصور، ادراك الحكومة، والمعارضة. وأنا شخصيا، غيرت رأيي، واقتنعت بصحة رؤيتهم، لقناعتي بقوة حجتهم، وبحكم متابعتي لهم، وخاصة من اطلاعي ومتابعتي لمقالات الدكتور النور حمد، وحضوري للمحاضرة المشتركة التي قدمتها الأستاذة أسماء محمود، والدكتور النور حمد، بمدينة أيوا سيتي مساء الأمس، السبت ١٣ مايو، ٢٠١٨، والتي حفلت بنقاش حي ورائع، بشهادة معظم الحضور، أجابا فيها باستفاضة على أسئلة وانتقادات المناقشين والمتشككين في طرحي المحاضران، والتي آمل أن يتابع القراء تسجيلها المصور عبر قنوات الميديا. فلماذا قفز الدكتور الباقر لما خلص إليه، ولم بناقش بموضوعية حججهم، ويفندها، بدلا من وصمها بأنها (إنما خَرَجَتْ من بين صلب اليأس وترائب الخوف. كما أنها تَنمُّ عن قِلَّة حِيْلة، ونضوب رأي)؟! ثم هو يمضي أكثر ويقول:
فالواضح أن أصحابها حَارَ بِهِم الدَّليلُ، وانْغَلَقَتْ أمامهم السبل، فما عادوا يرون سوى منفذ واحد، هو الانتخابات، والتي ستكون، بطبيعة الحال، بشروط النظام الذي سوف لن يتحرك بوصة واحدة تجاه إرخاء قبضته الأمنية من أجل عيون الذين قبلوا بمنافسته في الانتخابات. والذي غاب عن هؤلاء أن التنازلات من النظام لا يمكن أن تأتي مِنَّة منه ومنحة، وإنما تُنْتَزَعُ انتزاعا.
فهل قال دعاة الفكرة هذا عن النظام؟ ألا يمكن للدكتور أن يتوقع احتمال أن يرى النظام، المحتار، والخائر، والذي أعياه البحث عن المخرج مما ورط نفسه فيه، وورط وراءه البلاد بأسرها، الفرصة التي ستتاح أمامه للوصول إلى منطقة وسطى تغري الأحزاب المعارضة بالاشتراك في الانتخابات، بتقديم ضمانات كافية نسبيا، خاصة وهو يعلم بأنه سيضمن نتيجتها، حتى بدون تزوير، لأنه الأكثر تنظيما وانتشارا، وتغلغلا، وتمتعا بالامكانيات المادية، وقد تأكد له تماما عجز، وضعف، وتمزق، وتشتت، أحزاب المعارضة، وانقطاع صلتها بالشعب وبقواعدها، خلال العقود الثلاثة الماضية؟!
ثم إن أحزاب المعارضة يمكنها أن تفعل أكثر من مجرد الموافقة على المشاركة في الانتخابات، لتشجع النطام وتساعده في أن يرى مصلحته في التحول الديمقراطي، وإتاحة الفرصة للعمل السياسي المنظم والحر، لو أنها أكدت جديتها في الالتزام بهذا العمل، الذي يراهن على توعية الشعب وتنويره، بدلا من محاولات خمه وجره نحو الانتفاضات، غير مأمونة العواقب، قبل أن تكتمل معرفته بضرورات الممارسات الديمقراطية الصحيحة، ومتطلبات التغيير، والبناء التنموي العاجل، الذي سيجنب البلاد من كوارث الانهيار الاقتصادي الكامل والفناء.
أليست مصلحة البلاد، وخلاص الشعب، والمسؤولية التأريخية عن مصير البلد، وبقائه من عدمه، تفرض على الأحزاب، والقوى المعارضة، أن تتصدى لأغراء النظام، واقناعه بأن هذه هي مصلحته، إن لم تكن مصلحة البلد ولا مصلحة الشعب تهمه؟! إن الوصول إلى هذه الأرض المشتركة التي تجعل مشاركة الأحزاب في الانتخابات ممكنة، يجب أن يكون هم القوى المعارضة، وهذا يفرض عليها محاولة اقناع النظام بضرورتها، لمصلحته، وليس لسواد عيونها، كما يفترض الدكتور الباقر العفيف. هذا هو الممكن، واقعا وفعلا، لا تمنيا، والسياسة هي فن الممكن، وغير الممكن، الثابت بالتجربة، هو ما تتشبث به القوى المعارضة، من الدعوة لانتفاضة شعبية، عجزت عن تحريك واقناع الشعب بها طوال العفود الماضية، لقلة وضعف صلتها بالشعب، ووهن، إن لم نقل انعدام، تأثيرها عليه.

وفي هذا الذي سبق شرحه رد على قول الدكتور الباقر:
وإن وسيلة هذا الانتزاع هي الشارع، الذي لابد من استنهاضه سواء كان الهدف إسقاط النظام أو تعديل قانون الأمن. وواهم من ظن أن تقديم التنازلات للنظام والاعتراف الكامل به، لا اعتراف الأمر الواقع الذي يردده البعض ويخلط بينه وبين الأول، وتوطين النفس على القبول بوجوده، والعيش في ظله، سيرقق من قلبه ويحمله على أن يرخي من قبضته.
أو قوله:
ففكرة دخول الانتخابات إذن لا تقوم على عناصر مستقلة بذاتها، أي أنها لا تنهض على قوائم من جنسها، وإنما تستعير قوائمها من فشل المعارضة في تغيير النظام حتى الآن. فهي بطبيعتها ليست الخيار الأول حتى بالنسبة لأصحابها، بل في أحسن حالاتها تمثل الخطة البديلة عن الخطة الأصلية. والخطط البديلة بطبيعتها يُلْجَأ إليها عند فشل الخطة الرئيسية. وهي ما كانت لتجيء إلى الوجود أصلا إذا ما قُدِّرَ للخطة الأصلية أن تنجح. والخطة البديلة ستموت موتا فجائيا فور نجاح الخطة الأصلية، أي فور قيام الثورة.
فمن قال أن خطة إسقاط النظام بالانتفاضة الشعبية السلمية كانت هي الخطة الأصلية؟ أنا شخصيا جمهوري، معارض لهذا النظام، بطبيعة انتمائي، وغيري كثيرون، ولم تكن هذه خطتي الأصلية، ولا البديلة، في أي يوم من الأيام. بل أكثر من هذا، هذه لم تكن حتى هي الخطة الأصلية لأحزاب وقوى المعارضة، التي انتظمت وكونت التجمع الديمقراطي، لو يتذكر الدكتور الباقر، فقد كانت تدعو في بدايتها لازالة النظام بالقوة، وحددت له خيارا واحدا: (سلم تسلم)! وبدلت أحزاب وقيادات المعارضة خططها بأخرى بديلة، لا يكاد يحصيها العد، وخاصة بعد اتفاق نيفاشا، وحتى قبله، حين دخلت بعض طوائف المعارضة في شراكات مع السلطة، وتأرجحت مواقف الكثيرين من قادة الأحزاب، وستتأرجح، إذا صدقت قراءاتنا، لشخوصهم، وتاريخهم، ومواقفهم منذ الاستقلال. والخطة الحالية ليست هي الأصلية لقوى المعارضة، بل هي الخطة البديلة للتي كانت قبلها، وأحسبها كانت (الانتفاضة السلمية المحمية بالسلاح!).
ويتساءل الدكتور الباقر:
ويبقى السؤال المفصلي هنا هو: هل ينسحب فشلنا في تغيير النظام عن طريق الثورة الشعبية طيلة السنين الماضية على المستقبل أيضا؟ وبعبارات أخرى هل يستحيل إسقاط النظام عن طريق الثورة الشعبية؟ إن دعاة المنازلة الانتخابية يؤمنون بذلك.وهناك قلة بينهم لا يتمنون حدوث الثورة أو انتصارها، بحسبانه سوف يقود للفوضى والفتنة وسفك الدماء، والانهيار الشامل.
وإجابتي باختصار هي ما سبق أن حذرت منه حين كتبت:
النظام لن يتورع او يتردد في قتل المتظاهرين حتى لو بلغ عددهم الملايين، وقد وضح هذا من قتله لمائتي متظاهر من قبل، ولم يتعرض لمحاسبة تذكر. فلو شعر حقيقة بتهديدها لبقائه، لفتك بالمتطاهرين وقتلهم عن اخرهم، متبعا نموذج الاسد. والذي يدعو او يشجع او يحرض الشباب على التظاهر، ويوهمهم بانهم سيسقطون النظام، سيتحمل مسئولية دمائهم حين تهدر. لا شك عندي في هذا.
فالبشير استخدم ميلشيات حميدتي لابادة الالاف في دارفور، ولا يزال يطبع في العملة بلا حساب، ويقتسمها مع حميدتي، وهذا نهب مغطى ومستتر، فهي في النهاية اموال الشعب، ومدخراته، وتدفع للميليشيات لابادة معارضيه، اينما كانوا، فما الذي سيجعله، او بجعل شريكه مصاص الدماء وناهب اموال الناس بالباطل، حميدتي، يتوقف ويستسلم للمعارضين المتظاهرين، المطالبين باسقاطه ولا يبيدهم، وهو مدجج بالسلاح، وهم عزل، خاصة وهو قد تابع ما فعله الاسد بالسوريين وظل باقيا؟!
وأنا بطبيعة الحال لا استبعد ان تحدث ثورة الجياع وتزيل النظام، ولن يعود الفضل في اندلاعها لأحزاب المعارضة، وإن ادعت ذلك قيادتها، كما هو ديدنها. ولو حدث هذا فإن نتيجته لن تكون مأمونة العواقب، لأن الواقع اليوم قد اختلف كثيرا عما كان عليه الحال عقب ثورتي اكتوبر وابريل، فقد دخل اليوم، وبقوة، عنصر الميلشيات المسلحة، وظهرت كتل جهوية قوية لن تقبل، بما قبلت به من قبل، وقد عودتنا القيادات السياسبة من الأقزام أنهم لن يصبروا على الفترات الانتقالية، ولن يلتزموا بما يتعاهدون عليه، ففيم التفاؤل! وكيف لعاقل ألا يغلب احتمال تفتت البلاد، واندياح الطامعين فيها من الجيران، شمالا وشرقا، والتوسع في أراضيها الزراعية، البكر، والشاسعة، وأين هي القوة التي ستمنعهم يومها؟! المجتمع الدولي، ام الكتل المتحاربة داخليا؟!!
ويقول الدكتور الباقر:
وعليه، فالمحصلة النهائية للدعوة لخوض الانتخابات لا تعدو كونها دعوة غير مباشرة للاستسلام للأمر الواقع. وإناخة بعير المعارضة المُتْعَبْ عند خيمة النظام، مما يعني الانتصار النهائي للكائن الهلامي الشائه المُسَمَّى بالمشروع الحضاري. كما أن الانتخابات في ظل هذا النظام سوف لن تقود إلى تغيير يذكر ولو بعد عقود.
ولكني أرى أن المشاركة في الانتخابات، إذا تمت بقناعة النظام، بأن هذه أفضل خياراته، لأنها ستطيل عمره، بأكثر من محاولاته، وتحالفاته الدولية، واستجداءاته للدعم الاقليمي، خاصة إذا ضمن تعهد قوى المعارضة بالتنازل عن فكرة الانتفاضة، مقابل تنازله عن تقييد حرية التنظيم والتعببر، واتاحة الفرصة لتوعية الشعب، وقبوله بخطة تنموية عاجلة لانقاذ البلد، وإغاثة الشعب الملهوف.
هذا يمكن ان أن يكون الحل العاجل، المتاح أمام المعارضة، لو خلصت النوايا، أما الحل الاجل والدائم ، في رأيي المتواضع، فقد لخصته في تعقيبي السابق على مقالات الدكتور الباقر العفيف، حين كتبت:
فجوهر المرض، عندي، هو غياب الرؤية الاستراتيجية الشاملة لحل مشاكل البلد، السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وافتقار القيادات السياسية السودانية، حكومية كانت أو معارضة، لهذه الكفاءة الفكرية، بالإضافة إلى ضعف، إن لم نقل انعدام، الكفاءة الأخلاقية، الحتمية، والعزيمة والإرادة السياسبة، التي تقدم المصلحة العامة، وحاجات الشعوب على مصالح القيادات السياسية الخاصة.
فالشعب السوداني، كما قال عنه الأستاذ محمود محمد طه، شعب عملاق، يتقدمه أقزام، ولو تقدمه قادة عمالقة، مؤهلون فكريا، ومسلحون بالمذهبية الشاملة، وبالفهم، والوعي، والإدراك، لطبيعة المشكلة، ورؤية الحل الاستراتيجية الشاملة، بمعنى معرفة الغاية، والوسيلة الى بلوغ الغاية، وكان هؤلاء جديرون أخلاقيا بقيادته، فإنهم سينجحون لا محالة في خلاص شعبهم وبلدهم، وتغيير نظام الانقاذ الفاسد، وإقامة النظام الصالح مكانه.
ربما أعود لمناقشة بقية نقاط الدكتور الباقر العفيف، لأن هذا التعقيب قد طال وأخشى الإملال!

سلام سلام سلام

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.