ما علاقة أزمة الوقود بـ(غزوة الخندق) وهزيمة الأحزاب وقريش ويهود بني النضير؟ عندما يصعد الناس الى منابر المساجد يلزم ذلك استحضار أفضل ما في الإنسان من مزايا الصدق والإنصاف ونوازع الخير، وينبغي لمن يرتقون المنابر تحرّي الحقيقة والمناصحة وعدم ممالاة الحاكمين أو الإنتصار الظالم للموالين والانسياق للمخاتلة والمخادعة؛ ولهذا يقولون في الأمثال المأثورة (إن كذبة المنبر بلقاء) بمعنى أنها واضحة سافرة مشهورة جليّة بيّنة فاقعة (ناشزة) لا تخفى ولا تستتّر، وهي بالتالي مشينة متجرئة متجرئة مردودة على صاحبها!

ومع أن المخاتلة والكذب مكروهان في كل موقع وموضع ومكان، وأن الكذب من المحرّمات المقيتة التي لا يكون بها المؤمن مؤمناً حتى وان جاز أن يكون ضمن طائلة الإيمان مع السرقة والفواحش، فإن الكذب من على منابر المساجد لهو من التجروء المذموم؛ فصعود المنابر هو لمن أنسوا في نفوسهم المصافاة، وقويت روحهم على الصدق وإمحاض النصح، مع التجلّي لداعى الله، والتخلّي عن الأطماع والأوضار الدنيوية، ومجافاة المداهنة أو ارضاء البشر بالباطل، وتزيين الأخطاء والخطايا، والتغاضي عن مصالح البلاد والعباد؛ وخطبة الجمعة من مكوناتها الموصوفة النطق بحال الناس والحديث عن المظالم وما يهم العباد في حياتهم ومعادهم لا التحليق بهم في عوالم الخيالات والأوهام والترّهات!

هذا هو ما يجرى التحذير منه في صحيح الدين؛ عدم الإنجرار إلى تعظيم الشكليات التعبّدية والتضحية بالجوهر، وعدم الإنصراف إلى المباني مع إهمال المعاني. وإذا كانت حرمة المسلم مُقدَّمة حتى على حرمة الكعبة ..فما معنى أن تقول قد أصبح عندنا (كذا ألف مسجد) إذا كانت موازين العدالة والحقوق معطلة معلولة مهيضة الجناح؟ أليس جوهر حياة التديّن الحق هو الإنصاف وأداء الحقوق ومخافة الله في خلقه و(عدم الإشقاق عليهم) والإمتناع عن أكل حقوق الناس وأموالهم بالباطل؟ اليس الدين المعاملة وسد كل ذرائع الشر المُفضية لضياع الفضيلة، وانتشار الفساد بسبب الجور وإفساد الذمم وغياب القدوة الصالحة، أم أن الفلاح يتمثل فقط في بناء المساجد وإحصاء عددها؟!

لماذا تثقل النصيحة على الألسنة التي ظلت تنفرد بمخاطبة الناس من على ظهور المنابر في إحتكار كامل، وظلت قنوات التلفزيونات تدور مع هذا الإحتكار ولا تستطيع أن تنقل من خطب الجمعة إلا صوتاً واحداً بعينه، وجهة بعينها طوال ما يقارب الثلاثين عاما؟ وحتى أزمة الوقود التي اعترف بها أصحابها هي في خطبة الجمعة (شائعات) ومؤامرة لتحريك (الشارع المسلم) ضد الحكّام! وفائدة الأزمة أنها حوّلت محطات الوقود إلى دور عبادة كما في عهد الخلافة! ولكن ذلك العهد يا سيدي لم تكن فيه محطات وقود! بل كان فيه أمراء مؤمنين يستوقفهم أى عابر ليسائلهم عن (الثوب الثاني) الذي يرتدونه من أين لهم به وللمسلمين ثوب واحد! وللحقيقة جاءت خطبة الجمعة (إياها) وفيها نصيحة من صاحب المنبر للوزراء بأن لا يتحدثوا لوسائل الأعلام وأن يكتموا أمرهم عن الناس! واحتوت الخطبة أيضاً على مطالبة بنقل شعيرة الإستسقاء من (هطول الغيث).. إلى (توريد المحروقات!)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.