من المؤلم جدا ان تستخدم العدالة لتصفية خصومات سياسية ، لكن الاكثر ايلاما ان يقوم سياسي ذو خلفية قانونية بالكذب وتلفيق الحقائق والمبادئ القانونية لخداع الشعب. وجره الى التشكيك الزائف في حيدة ونزاهة القضاء. مؤسف جدا ان يأتي قانوني ضليع يعيش خارج السودان ويلفق المفاهيم القانونية لاثارة الرأى العام معتمدا على ثقة الناس في قدراته القانونية ، فيزيف ما شاء له التزييف ويؤلف ما شاء له التأليف ، ويخلط الحابل بالنابل وهو يستخدم مصطلحات القانون للحصول على تصديق من لا علم لهم بالقانون. هذا الامر بالفعل وضعني امام شك كبير في المعارضة السياسية ؛ هل هي معارضة نزيهة ذات مبدأ؟ أم ان كل شيء يمكن ان يستخدم كسلاح لها .. فالغاية تبرر الوسيلة. حينما يأت قانوني ويقول مثلا:( ثبت ان نورا تم تزويجها غصبا.. وثبت ان نورا كذا وكذا وثبت ان الزوج هاجم نورا وهو يحمل سكين....الخ) رغم ان هذا الشخص لم يشهد جلسة واحدة من جلسات المحاكمة ، فمن اين يا ترى يستقي قصته هذه؟ هناك احتمالان: اما انه بنى هذه الوقائع من اخبار الصحف فقط، او انه يكذب. وحتى الان لم تأت صحيفة تحكي لنا كل ما جرى بالجلسات ، بل وهذا الشخص لم يطلع على محضر الجلسات ، ولم يسمع شهودا ولم ير تقارير الادلة الجنائية . فمن اين له قول كلمة :(ثبت)... الا اذا لم يكن يعرف معنى هذه الكلمة في القواميس القانونية. فكلمة ثبت ؛ تعني ان هناك دليل اثبات قاطع على صحة الواقعة ، اما عبر شهادة شهود او قرائن ظرفية. 

هنا نجد هذا القانوني الضليع يسير مع التيار الجماهيري ليتكسب منه سياسيا ؛ ضاربا بكل مبادئ العدالة عرض الحائط ، مشككا في حيدة القضاء ونزاهته ، مشوها صورة القضاء في عين الجماهير باعتباره قضاء متسما بالعنصرية الذكورية . طبعا القوى المعارضة للنظام وحتى الناشطون الحقوقيون مثلهن مثل باقي الشعب السوداني ؛ لا يحبون سماع الحقيقة متى ما كانت ضد اهوائهم. وهذا للاسف ما اركس الدولة كلها في رجعية وتخلف وانحطاط كبير جدا منذ الاستقلال وحتى اليوم. فالانسان السوداني متعصب جدا لمفاهيمه ولا يقبل اي نقد لها ولا يحب سماع اي وجهة اخرى لهذه المفاهيم. فالشيوعي لا يقرأ الا ما يمجد الشيوعية والاسلامي لا يقرأ الا ما يمجد خطه الديني ، والسلفي لا يحاول فهم التصوف بعمق ، والبشير لا يقبل من يقول له ان قراراته خاطئة وانها ستجرف الدولة كلها الى الانهيار... حقيقة البشير هنا هو كل القوى السياسية والرموز والنخب ، ان العقلية واحدة في الواقع ؛ وكلهم مستعدون لقلب الحقائق حتى تتناسب مع مصالحهم ولو كان ذلك على حساب مبادئ العدالة. ولو ادى ذلك الى تدمير الدولة (فعلي وعلى اعدائي)...من المؤسف حقا ان يأت شخص له تاريخ طويل في العمل القانوني ، ويتحدث عن القانون كما يتحدث الزبال عن جراحة المخ والاعصاب. بل ويقوم بتزييف مبادئ القانون ويستعين بالسوابق القضائية في غير موضعها ؛ ويثبت ما يتفق معه وينفي ما لا يتفق معه فقط لاستقطاب جهالة العوام من الناس وللطعن في القضاء (الذي لا نبرؤه من العيوب).
لكن ليس هكذا تؤخذ السياسة ، ليس بالكذب وخداع الشعب واستغلال جهله ، والجهل بالقانون (كعلم) ، ليس عيبا..فالقانوني يجهل المكنيكا والمكنيكي يجهل الطب والطب يجهل الطبخ والطباخ يجهل الادارة فالعلوم والفنون تتكامل. ولقد انتهى عصر العالم الموسوعي. لكن العيب ان اذهب الى طبيب فيزيف لي نتائج الفحص ويعطيني دواءا لمرض غير موجود. وان اذهب الى مكانيكي فيصلح العطب ويخلق عطبا اخر ليحصل على مزيد من المال. وان اذهب الى محامي فيخدعني مستخدما الفاظ ومصطلحات القانون ليقنعني بأن موقفي القانوني جيد. هذا عدم نزاهة.. ومن تنعدم لديه النزاهة في امور بسيطة وجوهرية في نفس الوقت لا يمكنني ان آتمنه على دولة كاملة وشعب كامل. لكن هذا كله يكشف لنا عن نوعية السياسيين في السودان ، فهم مثلهم مثل النظام الحاكم ، يدعون الدموقراطية وهم ابعد ما يكونوا عنها ، وينادون بالحريات ؛ وهم اشد من يقمعها ؛ ويطالبون بالشفافية ، وحساباتهن البنكية مستفة باموال الترضيات من عرق الشعب. انهم اسوأ من النظام بمراحل. وكل قضيتهم انهم خارج الحكم. الم يقف علي عثمان في البرلمان منددا باعتقال النساء فلما تم له التمكين في السلطة لم يكتف باعتقال النساء بل بتعذيبهن واغتصابهن وفي احيان كثيرة قتلهن. هذا مؤسف جدا ؛ ان يزيف السياسي الحقائق القانونية من اجل اغراض سياسية . وان يخدع الجماهير وهو يلوي لسانه ليحسبوه من القانون وما هو من القانون في شيء. واقولها بكل صراحة : كل قانوني كتب في موضوع نورا هذا جازما ببراءتها هو كذاااااااااب (واستخدامه للسوابق وتفسيره للنصوص) ايهام وخداع للعوام. وكل واقعة سبقها بكلمة (ثبت) لم تثبت الا في خياله. لقد سمعت نقدا لقرار المحكمة باعتبارها جزأت اعتراف المتهمة ؛ والحقيقة ان للمحكمة تجزئة الاعتراف والاخذ بما يستقر عليه ضميرها ، فتجزأة الاعتراف ليست شيئا مخالفا للقانون. اما الحديث عن القانون الدولي والعهد الدولي فكل هذا ليس سوى هراء. فقضية نورا ترتكز على واقعة القتل... ومدى مرور زمن بين واقعة الاكراه على الجنس وبين واقعة القتل ، والكيفية التي تمت بها عملية القتل ، ووضع المجني عليه عند قتله ، والحالة العقلية للمتهمة. هذه هي المسائل الجوهرية التي يتوقف عليها الحكم في الدعوى. اما قصور القانون في تجريم الاكراه الزوجي على الجنس فهذه مسألة اخرى. وهو في الواقع ليس قصورا فنحن لسنا الدولة الوحيدة التي لا تجرم الاكراه الزوجي ، لأن مسألة الاكراه هذه ترتبط بمفاهيم ثقافية اجتماعية ودينية ، وفوق هذا كله ترتبط بفكرة عدم استغلال هذا التجريم في دعاوى كيدية خاصة ان اثبات الاكراه الزوجي شديد الصعوبة. فاغتصاب انثى خارج اطار الزواج يمكن اثباته بوجود الحيوانات المنوية على المهبل وعبر فحص الحمض النووي ، ووجود خدوش وتهتكات.لكن كل هذا لا يمكن ان يقع كدليل اثبات في حالة الاكراه الزوجي. فهل سيكتفي القانون بادعاءات الزوجة ويلقي بالزوج في غيابة السجون لمجرد مزاعم مرسلة مثلا؟ وهل يكتفي القضاء بادعاء الاغتصاب الزوجي لتبرأة كل من تقتل زوجها؟ هذه القضية شديدة التعقيد ولا تؤخذ بهذا الشكل السطحي الذي تناوله به السياسيون واستغلوا القضية برمتها لتحقيق اهداف سياسية اكثر منها عدلية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////