بعيداً عن غم السياسة.. كان بالأمس حفل ذكرى الراحل الفنان الأستاذ التاج مصطفي الذي يُقام في إحدى منتديات الخرطوم، وقبلها بأيام كانت الطلة التلفزيونية الجميلة للصديق الوديع الحقوقي محمد، إبن الفنان الراحل؛ ومحمد هو أفضل من يعزف جواهر أبيه المكنونة ويغنيها.. بهذه المناسبة عدنا لذكرى اللحظة الملتاعة يوم رحيل التاج مصطفى رداً على صديق كان قد فاجأنا بنبأ الرحيل قائلاً: أعزيكم ونفسي وأحباب الطرب الأصيل واللطف الجزيل، وأعزي كل مزامير ومعازف الدنيا في رحيل التاج الذي يمثل (موت دنيا) وانطواء صفحة بهية من (الذوق والجمال) والاناقة والرصانة والعذوبة!! وجدت نفسي ساعتها أعود لبعض ما أفاض به التاج على دنيا الغناء السوداني من اختياراته البديعة ومنها موشح إبن زهر الأندلسي: ما لعيني عشيت بالنظر/أنكرت بعدك ضوء القمر/ وإذا ما شئت فأفهم خبري/ عشيت عيناي من طول البُكا/ وبكى بعضي على بعضي معي!!

قدر كبير من الرهافة والرقة والشفافية والابداع وعلو الذوق، جعلت التاج (الرجل الحبوب) يختار من بين كل أشعار الدنيا ما فات على زرياب والموصلي ومعبد وابن سريج وكل المغنين من العصر العباسي وحتى محمد عبد الوهاب وأم كلثوم! ويغني هذا الموشح المترع بالأشجان (أيها الساقي إليك المشتكى) ولم يتوقف الرجل عنده فقط، بل ذهب إلى الموشح السوداني "ليلة الذكرى" الذي كتب كلماته الحلوة حسين بازرعة: تعالي واسمعي في الليل نجوانا/ تعالي فالربى غنت للقيانا/ ورفَّ الطير في الأغصان نشوانا/ وعودي قد كفى هجراً/ بقرب الجدول السحري/ وبين خمائل الزهرِ/ تعالي يا منى عمري/ نجدّد.. ليلة الذكرى! وأحدث التاج في هذا الموشح (فتوحات عجيبة) في المقدمة الموسيقية والأنغام الصادحة والميلوديات الخافتة التي تماثل سريان الماء الصافي على الجداول الرقراقة!! وليست هذه غير بدايات الإبداع الموسيقي النغمي الغنائي الجديد لهذا الرجل، حيث انفلت في مرحلة لاحقة الى عتبة جديدة لم تعد فيها حدود (الجرأة) في الألحان كما كانت في سابق عهدها؛ عندما أخضع (الملهمة) للشاعر عبد الرحمن الريح لملكوت الإبداع الطاغي:- نور العيون إنتي الأمل.. طال الفراق.. وأنا..في اشتياق.. كيف العمل؟ وفيها ثلاث مراحل وثلاث نقلات من المقاطع يصاحب فيها اللحن معاني الكلام، ويسلم فيها كل مقطع تنهيداته الموسيقية (صاغ سليم) إلى المقطع التالي: أنتي الأمل وأنتي الرجا/ والفرحة يا نور الدجى/ أضمن إلى روحي النجا/ لو طيف خيالك ليّا جا/ في الكرى.. هل أرى.. شخصك قريب يا هل ترى؟! ثم بعد أن ينتهي هذا المقطع (على خير)..وفي حال بين الأمل والرجاء، يأتي المقطع التالي: عيوني يا أخت الزهر/ في حبك أعياها السهر/ في جسمي تأثيرك ظهر/ لو كنا مجتمعين سوا/ ما كان على قلبي احتوى/ حر النوى.. ونار الجوى.. وظلم الهوى..!! (هذا الثالوث الرهيب)، ثم تأتي الثورة الشاملة والرحلة إلى (الدنيا الجديدة): آمالي في الدنيا الجديدة/ تتحقق أحلامي العديدة/ بعد الجفا..ألقى الصفا.. وحسن الوفا/ أتهنى بي رؤياك هل..هل من وصال.. يا روحي هل؟! ..عووووك!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.