يبدو أن قوة دفع الإنقاذ الوطني في سنواتها الأول قد كان مردها لعاطفة التدين التي هي وقودنا كإسلاميين آنذاك ، وبعد هذه التجربة من الحكم ، إتضح بما لا يدعُ مجالاً للشكِ أنها مجرد عاطفة وشعارات، ومجرد إجتهاد خاطئ ، وتأكيداً لهذا القول كنّا نظن أنّ هتافنا وعلو أصواتنا بالله أكبر يعني ذلك أنّ الله أكبر صدقاً وعدلاً ، وبالطبع لن يكون الله أكبر إِلَّا إذا تحطم الطاغوت في دواخلنا وأكبرها طاغوت النفس التي هي بين جنبينا والتي أوردت الإنقاذ هذا المورد ، وكنّا نظنُ كذلك أن مجرد هتافنا هي لله هي لله يعني أنّها هي لله حقاً ، وكنا نعبّرُ عن غضبنا لله بذات الصورة الجاهلية التي نعبر بها حين نغضب لذواتنا فإذا بطشنا بطشنا جبارين ، علماً بان الغضب لله تجاه الباطل هو دعوة الباطل نفسه للدين ( أدع إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين ) فقد تجسدت هذه القيم الربانية في سلوكٍ راقٍ لرسولٍ راقٍ ( ص ) وهو الذي بُعث ليتمم مكارم الأخلاق وقد أتمها ( ص ) في تعامله مع الناس كَآفَّة لأنه بُعث لهم كآفة ، فلم يك متعالياً ولا فظاً ولا غليظاً ولا لعاناً ولا فاحشاً ولا بذيئاً ولا محتكراً لسلطةٍ ولا مال ٠

تجيشت الجيوش بهذه العاطفة وبهذا الغضب الأناني لدك حصونٍ إعتقدناها باطلاً ، وجاد خيرة شبابنا في الحركة الإسلامية بمهجهم الغالبة ظناً منهم أنهم علي الحق ، وقد كانوا بالفعل علي الحق بنواياهم لا بعلمهم وعملهم هذا ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) وعندما خمدت هذه العاطفة الجياشة في النفوس خمدت بذلك قوة الإنقاذ في العقول فنتج هذا الواقع ٠

وكما هو معلوم فالدين ليس بعاطفة إنما هو عقل ، كرم الله به الإنسان وفضَلهُ به علي كثيرٍ ممن خلق ، وأنزل الكتاب والفرقان ليقوم الناس بالقسط فيما بينهم ، وليميزوا الخبيث من الطيب بعقولهم ، أما الإنقاذ التي نراها اليوم فهي بلا عقلٍ و بلا هديً ولا كتابٍ منير ، تتخبط خبط عشوا قي السياسة الداخلية والخارجية والإقتصاد ، فأفرزت بهذا السلوك ما لا يُصدَّق من تهتكٍ في بنية المجتمع فظهر النفاق والكذب وبصورة أشد داخل الأجهزة التنظيمية للمؤتمر الوطني فأعترفوا بسياسة ( الحفِر ) فيما بينهم ، ولم تك هذه السياسة قائمة في بداية الإنقاذ ، واعترفوا كذلك بأن منهم قططاً سمان وهذه القطط لم تك موجوده في أيامنا الاول بل كان أكثر الناس من الذين شهدوا الميل أربعين وغيره من المتحركات تواقون للشهادة ومقعد صدقٍ عند مليك مقتدر ٠

كل هذا لأننا إتكأنا علي عاطفةٍ واجتهادٍ خاطئ مرجعيته موروثة من تاريخ معظمه لا يُكَبّر الله ولا يُعَظِّم شعائره ، فلم نري للحرية وحقوق الإنسان باباً في كتب الفقه كما رأينا للحيض والنفاث ، وها هي الإنقاذ الْيَوْمَ مُلكٌ عضود مثلها ومثل بني أمية والعثمانيين وآل سعود وآل زايد وكل الاَلات المجرورة ٠

في هذا الواقع المأزوم لا بمكن أن يُصدر القرار الصحيح من أُولي الأمر مهما بلغ علمهم وورعهم ، ولذلك أنصح بأن يجلس الإخوة في الموتمر الوطني والحركة الإسلامية إن كان هنالك موتمراً وطنياً وحركةً إسلامية مع آخرين من خارج الصندوق لكي يروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ثم يتخذوا من بعد ذلك قراراً يحفظ للوطن لُحْمَته ، فقد أصبحنا علي شفا حفرةٍ من الانهيار التام ، وعندها ستكون الطّامّة والتي نسأل الله أن يجنب عباده محنها وفتنها ٠

مبارك الكوده
٢٢ / رمضان / ٢٠١٨
امدرمان الحارة (٢٠ )