أعتقد أننا في السودان محظوظون - برغم كل شيء - لأننا الشعب المُسلم الوحيد الذي عاش لمدة ثلاثين عاماً تقريباً تحت الحكم المباشر لإحدى نُسخ الإسلام السياسي. ولذلك فقد أصبحنا، بحمد الله، ذوي وعيٍ وحساسية فائقة بأساليبهم دائمة اّلتَـبَـدل والتَـغيُـر في صياغة خطابهم المقروء والمسموع والمشاهد متى ما اقتضت المصلحة، ولذلك فيمكننا بسهولة أن نقرأ ما بين السطور وأن ننفذ فوراً الى المرامي الحقيقية وراء ما يقولون أو يكتبون. ولازلتُ أؤمن انه لا مناص من تحطيم الأسس النظرية الإسلام السياسي في السودان، في كافة نسخه، توطئةً للقضاء عليها، لأنه يمكنه أن يلتف وينقلب بسهولة تستدعي العجب، بسبب دِيماغوجيته المُفرطة، على مواقف ومسلمات وشعارات الأمس القريب ويعيد إحياء نَفسه في كلِّ مرة، ويتم هذا الالتفاف والمناورة عادةً عبر إعادة تفسير النصوص المُستخدمة فعلاً و/أو الاستعانة بأفكار ونصوص دينية جديدة تُستدعى إلى الذاكرة وتُـلبس معاني وظلالاً تناسب الواقع المُستجد الذي يجد الاسلامُ السياسيُ نفسه فيه. وهو دائماً ما ينجح في ذلك معتمداً على استثارة رغبات وتحيزات الناس العاديين وعاطفتهم الدينية، أولئك الناس الذين يخاطبهم ويظنون به خيراً. ولأنه كذلك، فلا مناص من كشف تناقضات خطابه الفكري والديني والسياسي، وتوضيح انتهازيته وخطورة مشروعه البالغة على مستقبل السودان ومستقبل أجياله القادمة.

والآن تتراجع سيادةُ هذه الحركات على جمهور المسلمين، فلم تعد موجودةً تلك السيادة التي طالما أدعوها في الماضي وفخروا بها، خاصةً بعد أن كشف الربيعُ العربي عن حجمهم الحقيقي وسط الجماهير العربية، والذي بدا جدّ متواضع، فبين الخمسين مليوناً الذين ذهبوا للاقتراع في الجولة الأولى في الانتخابات المصرية، لم يُحرز الإخوان إلا 24٫78% من جملة الاصوات للدكتور مرسى، فكّ الله أسره، فجعلته بالكاد في صدارة المرشحين متفوقاً بمقدار ضئيل على الفريق أحمد شفيق الذي نال بدوره 23٫66%. حصل الأول في الجولة الثانية على 51.73 % من الاصوات، بينما حصل الثاني على 48.27 % منها. وقد كانت هذه النسبة العالية التي حصل عليها الدكتور مرسي في الجولة الثانية ليست حباً في الإخوان المسلمين ولا تطلعاً إلى مدينة الله التي وعدوا بإقامتها على الأرض، بل كان خوفاً من نجاح الثورة المضادة التي كان يقودها بوضوح الفريق شفيق الذي اصطف معه كارهو الثورة المصرية، كلٌ حسب دوافعه الخاصة.


مهمٌ جداً ن نستدعى هذا السياق من التاريخ القريب لأنه يكشف ضَيق الإسلاميين من العملية الديمقراطية برُمتها، تلك الديمقراطية التي طالما تغنوا باسمها في وجه الأنظمة الشمولية الفاسدة التي كانت تتسيّـد المشهد قبل ربيع العرب، زاعمين أن كل انتخابات حُره ونزيهة تُجرى في أي مكان في العالم العربي لابد وأن تحملهم الى كراسي الحكم وهم يَزِفّون. وكانت هذه النقطة بالذات هي ما راهنت عليه أنظمةُ الاستبداد سنين عددا، وعملت على ابتزاز حكومات الغرب المتواطئة معها بالقول بأن البديل الوحيد لدكتاتورياتنا العاجزة والمفلسة والتي لا تقيم وزناً لحقوق الإنسان ولا لكرامته هي حركات الإسلام السياسي، التي كان الغرب يخافها أيضاً لأسبابه الخاصة.

في هذا السياق كتب الأستاذ على فريد مقاله الموسوم "بالديمقراطية.. تِلكَ الزَّفَةُ الكَاذِبَة". ولأن البَلوى قد عَمّت بهذا المقال، فلا مَحيص من مناقشة أفكاره الرئيسية وعرضها على المنطق السليم والاختبار التاريخي لنرى بعد ذلك قدرتها على الوقوف مستقلةً على ساقين. الحجة الأساسية الأستاذ على فريد في مقالة المُومَأٌ إِليه أعلاه، بعد أن نترك جانباً الخطابية والكلام الإنشائي المرسل، هي الآتي:
أ- الديمقراطيةُ كفرٌ بـواح لا يقبله الإسلام.
ب- الديمقراطية خُـدعةٌ يصطنعها الغربُ لإيذائنا ولفتنا عن ديننا إن استطاع، وهي أيضاً فـخٌ منصوب وأداة من أدوات الحرب علينا.
ج- الشُورى الإسلامية شيءٌ غير الديمقراطية الكافرة.
د- الرفض التام لفكرة أن الديمقراطية "محض أليةٌ" كما يدعى العلمانيون واللبراليون من المسلمين وبعض قوى الإسلام السياسي والتي تحاول أن تكون تلحق بركب التقدمية.

وفكرة المؤامرة الأبدية التي لا يشغل الغربُ الكافر نفسه بشيءٍ غيرها ويقصد بها ديار الإسلام وأهلها من لوازم الخطاب عند الإسلاميين الذين على ما يبدو أخذ البعض منهم في تبني اتجاهات أكثر راديكالية بقبوله بمثل الحُجج أعلاه. فهذه هذه الحُجج، كما نعرف، مطابقةٌ للمواقف الكلاسيكية للتيار السلفي بتياراته العديدة التي يكفّر بعضُها بعضاً على أساس رؤية الخروج على الحاكم. وتَـبني مثل هذه الرؤى المتطرفة من تيارٍ طالما وصف نفسه بالاعتدال، يكشف أول ما يكشف عن مدى الشعور بالإحباط الذي يعتور تيارات الإسلام السياسي في عقابيل فشلها الذريع والمستحق في جني ثمار الربيع العربي لصالحها، ذلك الفشل الذي كانوا هم أول صُنّاعه.

والمقال، من جهةٍ أخرى، عبارة عن عتاب لإخوان المذهب من أهل الإسلام السياسي الذين ارتضوا أن يندمجوا في العملية السياسية في أوطانهم التي تتميز بالخصوصية، مثل حركة النهضة في تونس التي تذرّعت بنوع من الموضوعية في التحاقها، وفي بعض الأحيان قيادتها، لركب العمل السياسي عبر الاجهزة والمؤسسات الديمقراطية، بسبب التقدمية النسبية للمجتمع التونسي الأقل محافظةً بالقياس الى معظم المجتمعات العربية المشرقية. وينطوي عتاب أ. على فريد هذا على تبيانٍ لما يراه من فساد رأيهم القاضي بالمشاركة في العملية السياسية الديمقراطية التي يعتبرها هو رجسٌ من عمل الشيطان، كما ينطوي أيضاً شماتة خفية تقول ساخرةً " ألـَم أقلْ لكم". والمقال كلُه سياسيٌ بامتياز، يتبني كاتبه وجهة نظر الإسلام السياسي، أو على الأقل لجزء مهمٌ منه، ولا يقدمها بوصفها اجتهادا منه قاد اليه نظرُه واجتهاده في فهم الواقع الذي يتصدى له بالدراسة على ضوء الإسلام، بل يقدمها بوصفها" رؤية الإسلام" كما عودنا أيضاً كتّابُ الإسلام السياسي من لدن الأستاذيين الاخوين سيّد ومحمد قطب، رحمهما الله، إلى يوم الناس هذا، مع وجود بعض الاستثناءات القليلة طبعاً. يُضاف الى ذلك أحد أهم الإخطاء التي يتورط فيها كتّابُ الإسلام السياسي عادةً وهي النظر الي الإسلام بوصفه كتلةً واحدةً صمّاء، تختزل كل ذلك التنوع الفقهي والمذهبي والتأويلي والجغرافي الرائع للإسلام.

وفي حرب الدكتور فريد التي شنها على الديمقراطية كان لابد من أن يُصّنف المصطلح نفسه على أساس غرابته على البيئة الإسلامية، فقال بأن "المصطلح هُويةٌ" ووّرط نفسه بالتالي في خطأ أبَلق، وذلك أن المصطلح لا هُوية له البتةَ، وأنى لها أن تكون له! بل هو لفظٌ أصطلح عليه من قِـبَل أغلب الناس لتكثيف المعاني على نحو يسهّـل التواصل بين العقول عند تناول الظواهر المعقدة، وبدون وجود هذا المصطلح العام والمتفق عليه على نحو واسع، يبطل التفاهم بين الشعوب والعلماء وأرباب العمل على اختلافه. ثمَّ من بعد ذلك عندنا في الإسلام مصطلحاتُـنا الخاصة التي نُعبر بها عن أغراضنا الدينية، وحتى هذه لا تخلو من استعارة لألفاظ الاخرين ومصطلحاتهم مثل لفظ "الزندقة" الذي ما انفك بعضُ الاسلاميين يرمون به خصومهم، والذي استعارته العربية من اللغة الهندية.

ثم بعد ذلك مضى في حرب خطابية غير عادلة من نحو قوله "بأن لا وجود للإسلام في الديمقراطية، ولا وجود للديمقراطية في الإسلام"، وهي عبارة خطابية لإثارة المشاعر وتخويفها بأكثر من كونها موجهة الأفهام، وإلا لكانت تركيا التي جاء فيها أردوغان الى الحكم عبر الديمقراطية وأخواتها ماليزيا ولبنان وباكستان ومصر– في فترتها الليبرالية من القرن المنصرم - مجتمعات كافرة وضعت ربقة الإسلام عن أعناقها. بل لقد أوغل كاتبُنا أكثر من ذلك في هذه الخطابية بما أفضى به أيضاً الي الزعم بأن الديمقراطية هي "إعداد للحرب" وليس بنظام للحكم. والذي نعرفه يقيناً أن الديمقراطية نفسها كاختراع إنساني إنما وجدت من أجل وقف النزاع المفضي الى لاقتتال والاحتراب، عبر تنظيم آلية تُدير بها المجتمعاتُ خلافاتها السياسية. ومنذ اليونان القديمة كانت الترتيبات تقتضي بإبطال الديمقراطية مؤقتاً في زمن الحروب بوصفها استثناءً تقتضيه الظروفُ الطارئة والمصلحةُ العامة الى أن تضع الحربُ أوزارها وتعود مظاهر الحياة المدنية من جديد، وأعتقد أنّ شيئاً من هذا القبيل كان موجوداً أيضاً في روما القديمة، ل حتى في الوقت الحالي ما زالت ما زالت بعضُ الحريات المدنية تُقلص في حالات الظروف الاستثنائية والتي من بينها الحرب، دون أدنى شك.

وعلى ذكر ديمقراطيات أثينا وروما في فَـترتيـهما الجمهوريتين، فإننا كذلك لا نقبل زعم الأستاذ القاضي "بأن الديمقراطية هي وليدٌ شرعي للعلمانية"، لأن الديمقراطية نشأت قبل العلمانية بأكثر من ألف سنة على أقل تقدير، على أساس أن "العَلمنة" بدأت بتعزيز الانفصال لمجالات الحياة المدنية وخلق مجالات وجود علماني منفصل عن سيطرة الكنيسة منذ المراحل الأولى لعصر النهضة، لا سيما في القرنين الرابع والخامس عشر.

ثم أن حقيقة وجود العلمانية واستقرارها في مجتمعات متباينة عبر مراحل التاريخ الإنساني المختلفة من أثينا وروما القديمتين السابق ذكرهما، مروراً بالديمقراطيات الغربية الحديثة، وانتهاءً الديمقراطيات غير الغربية في المشرق الأقصى والعالم الإسلامي كلِه مما يدل على خَطل القول بأن" الإلحاد والعلمانية كلاهما يوصل الى الآخر"، وإذا كان علينا أن نصدّق مثل هذا الزعم فعلينا نُغلق أعيننا عن حقيقة وجود مؤسساتٍ مسيحية راسخة في أوربا الغربية التي تُعتبر مؤسساتُها الكنسية على اختلافها رائدةَ المسيحية في العالم من حيث مصادر التشريع المسيحي ومن حيث التمويل والنشاط، كما سيكون علينا كذلك أن نتجاهل الوجود الفَعّال للمجتمعات المتدينة في الولايات المتحدة الأمريكية التي قال رئيسها الثاني وأحد أباءها المؤسسين جون آدامز John Adams (1797– 1801) بأن" الولايات المتحدة الأمريكية لم تُؤسس على الإطلاق على قواعد الدين المسيحي".

إذن فقد عاشت الديمقراطية في مجتمعات متباينة دينياً واستمرت وانتعشت وكانت قابلةً للحياة والرسوخ في أشد المجتمعات التي تتبنى العلمانية الشاملة أيضاً فعاشت في أثينا جنباً الى جنب مع عقائدها في جوبتر وزيوس وأبولو وفينوس، وعاشت كذلك في روما القديمة بآلهتها مينرفا ونبتون وجونو وفورتونا، وفي كّنف أوربا الحديثة التي ما يزال قطاعٌ كبيرٌ من أهلها يؤمن بألوهية السيد المسيح عليه السلام، وهي تعيش اليوم في مجتمعات متباينة أشد التباين عقدياً واقتصادياً وتاريخياً مثل سيرلانكا وتايلاند البوذيتين وتايوان وكوريا الجنوبية الكنفوشيتين وتركيا وماليزيا المسلمتين، ولَم تقمْ أيٌ من هذه المجتمعات بتغيير دينها، أياً كان، كما أنها كلّها مازالت تنظر إلى الديمقراطية على أساس أنها "وسيلة أو آلية" لإدارة الحياة السياسية والشأن العام وليست ديناً كما زَعـَم الكاتب، عفا الله عنه.

ثم أطلق الكاتب المحترم أيضاً عبارةً لم يتلبث فيها، وهي قوله بأن " العلمانية تُقصي المُوجِد عن حكم المَوجود، كما تجعل المُوجِد في حكم المَوجود"، وإذا أخذنا واحداً فقط من تعريفات العلمانية الكثيرة، وهو وقوف الحكومة ومؤسساتها والقوانين التي تنظم عملها وإجراءاتها على مسافة واحدة من كل الأديان والمعتقدات والمذاهب التي يتبناها مواطنوها، يصبح قولُه هذا في غير محله، لأن العلمانية غير معنية بالمجال الديني أصلاً، إلا في حرصها على عدم تقاطعه مع مجالات الشأن العام وحريات الآخرين المذكورة أعلاه. ولكن فلنسأل علاوةً على ذلك الأستاذ فريد سؤالاً: متى وأين كان في تاريخنا نحن المسلمين أطلاقاً، بعيداً طبعاً من الفقه ومذاهبه والقضاء المرتبط به، المَوجود في حُكم المُوجِد؟ بمعني آخر، متى وأين شاعت شريعةُ الإسلام الغرّاء في الحكم والاقتصاد والادارة عندنا نحن المسلمين؟ ألمْ تكن هذه المجالات دائماً، كما هي اليوم، مجالاتٍ لتحكم النخب الفاسدة التي يتلو بعضُها بعضاً؟ متى أخذ الحكامُ المسلمون، من لدُن سيدنا معاوية الى يوم الناس هذا، بقوله القرآن الكريم " وأمرُهم شورى بينهم"، ومتى أخذ نفسُ الحكّام والنُـخب الاقتصادية التي ظلت دائماً مرتبطةً بهم، بقول الله تعالى في القرآن أيضاً "كي لا يكون دُولة بين الأغنياء منكم" متى كان هذا في تاريخنا؟ .... وضح لنا إذا تفضلت!

ثم ماهي إرادة الله التي ما فتئَ الكاتب يرددها؟ أليست هي وقف الحروب التي تفضي الى إبادة الحرث والنسل؟ أليسَ هي منع الفساد في الأرض وتعميرها بإشاعة العدل والقسط بين الناس؟ أليس هي تعارف الناس الذين خلقهم الله شعوباً وقبائل ولغاتٍ وحضارات وأمم؟ أليس هي تحقيق رفاهية الخَـلق الذين هم كلهم عيالُ الله، وتحقيق حريتهم الشخصية، وحرية المؤمنين منهم خاصةً، في إقامة شعائرهم واعتناق معتقداتهم دون تدخُلٍ أو رقابة عليهم من أحد؟ إذا كانت الإجابة على كُلِّ من الأسئلة الفائتة بنعم، فهذا هو عينُ ما تسعى الديمقراطية والعلمانية الى تحقيقه، لكن عبر التوافق واجماع الناس وليس بلَيِّ الرقاب ولا خَطم الآناف.
وصحيح كذلك أن العقيدة " تكسب في كلّ صراعٍ تدخل فيه"، ولكنَّ مكسب أو خسارة عقيدة ما ليس هو من شؤون الديمقراطية ولا شغلها في شَيء، بل لا أستنكف عن القول بأنها إذا لم تكن كذلك، فلا بُدَّ من جعلها كذلك، فضلاً عن أن العالم الذي نعيش فيه ليس هو محل للصراعات العقائدية كما وَهِم كاتب الموقر: نعم هو مكان للصراع، ولكنه صراعٌ على القوة والنفوذ والسيطرة والوصول الى الموارد الاقتصادية بشتى السُبل وتأكيد سيطرة القوى على الضعيف من بين الأمم واستدامة هذه السيطرة، وفي هذا السياق الصراعي المحتدم لا مكان للأديان والأيدولوجيات والمبادئ الأخلاقية كافةً، إلا بوصفها ذرائع ووسائل وحجج ومطايا، وبلغةٍ أكثر وضوحاً، متغيراتٍ تابعة وليست مستقلة.

وبالطبع سيتبع ذلك ما أكدّ عليه الكاتبُ نفسه من أن الديمقراطيات الغربية والحالية على هذا النحو المحتدم من الصراع، تعمل على تدبير الانقلابات على الأنظمة الشرعية، وتدعم الديكتاتوريات المتسلطة على شعوبها، وتنشر أيضاً الفساد المالي وخراب الذمم في عالمنا المتخلف بأفعالها، ولكن هذا الفعل لا يقصد به المسلمون وحدهم، كما أنه يعود الي ذيوع نوعٍ من اللبرالية الجديدة المتوحشة التي يشكو منها قطاعٌ كبيرٌ من المفكرين، وعامة الناس، في الغرب نفسه ويناصبها العداء عبر الأدوات الديمقراطية ذاتها. يُغلِّب هذا النوع من النُخب الديمقراطية في الغرب المصالح الوطنية الضيقة على مصالح الحلفاء ودول العالم مجتمعةً، وقد كان صعودُها السياسي بالاستثمار في الحركات الشعوبية الصاعدة، فصَعد على أكتافها بهلواناتٌ الي كراسي الرئاسة مثل دونالد ترامب الذي انتهى به مسرحُ العبث هذا إلى اعتلاء سُدة كرسي الرئاسة الأهم في العالم. ولكن محاولة الكاتب استثمار هذا الاخفاق الذي تعاني منه الديمقراطيات الغربيةُ حالياً في الزعم بأنها " فَــــخ" نُصب للمسلمين ليصْدفِهم عن دينهم، أذا استلهمنا لغة الكاتب، فيكون تجنياً عليها افتئاتًا لا مسوغ له، بل وإيغالاً في نظرية المؤامرة التي لا تكاد تفارق بحال تفكير جماعات الإسلام السياسي، ليس لأنها حقيقة واقعية بالطبع، ولكن لأنَّ وجودها مصدرٌ مهم من مصادر الشرعنة السياسية لهذه الجماعات. وطالما أن العالم كلَّه، عدا استثناءات قليلة، قد تبنى الديمقراطية لما يرى فيها من فائدة ابطال صراعاته الأبدية على السلطة التي تستنزف الموارد والوقت والطاقة، ثم هي تعود بعد ذلك ضرورةً بالخراب على المجتمعات، كما فعلت ذلك عبر تاريخنا الإسلامي الطويل، يصبح القول بأنها "فَــخٌ" نُـصِب للجميع، قولاً فطيراً يُردُّ على قائله.

ثم إذا كانت دول الاستكبار تَستَديـم الديكتاتوريات في بلداننا نحن المسلمين خاصة، فكيف يستقيم القول بأن" الديمقراطية، والتي هي النقيض الموضوعي للدكتاتورية، أيضاً فخٌ؟ وستنتهي عند التحليل الأخير الى حقيقة أن الغرب المسيطر لا يريد ديمقراطيةً ولا حكماً شرعياً قوياً ومستقراً بين أظهرنا لأنه ببساطة يريد ديكتاتوريين فاقدي الشرعية ومعنيين أبداً بتثبيت كراسي الحكم من تحتهم كأولويةٍ تسبق دائماً الالتفات لقضايا التنمية والنهوض ببلدانهم. ثمَ هو يبتزهم بشتى السُبًل ويُمرر عبرهم ما شاء من الأهداف، ما أُعلن جهرةً وما استتر.
وقد تورط الكاتبُ أيضاً في إحدى الاستراتيجيات السفسطائية التي تعمد، في سبيل الاقناع، إلى تناول حالات غاية في التطرف والنظر إليها ومعاملتها على أنها الأصل، هذه الحالات المتطرفة التي إن حدث ووقعت فسوف يتيسر احتواؤها عبر آليات الديمقراطية نفسها في أغلب الأحيان. من ذلك مثلاً وضعه دائماً " إرادة الله" في مقابل "إرادة الشعوب"، كأنهما أمران في حالة تضاد أبدي، في قضايا مثل المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة وحقوق المثليين، تلك الفئة التي يُصرّ الكاتب على إلصاق فعلهم الشاذ هذا بأحد رُسُل الله الواجب معرفتهم، بدلاً من غيره من الأسماء التي نُفضلها تجنباً لعدم الكياسة هذا. إنّ غضبة البعض، وأظنها في الجمهورية التونسية حيث تشارك حركةُ النهضة في الحكم، من مجرّد مناقشة حقوق المثليين والمساواة في الميراث، اعتدَّها كاتبُـنا في غير محلها، طالما أن الإسلاميين قد ارتضَوا الاندماج في العملية الديمقراطية، الكافرة والفاسدة في نظره، ويتسأل الكاتب "أليس هذه هي الآليات؟" يعني الآليات الديموقراطية، والإجابة هي على تساؤله تقريري هذ هي بالطبع كلَّا، لأن الديمقراطية، والعلمانية من ورائها ظهيرٌ، تتيح، بوصفها منتوجاً بشرياً قابلاً للتطوير، للخصوصيات الحضاريةِ والتاريخية والثقافية والدينية لكل مجتمعٍ أن تصطنع من الأدوات ما يضمن عمل المؤسسات الديمقراطية دون أن تتقاطع مع هذه الثوابت، ذلك التقاطع الذي إن حدث، فهناك من الإجراءات والقوانين والمبادئ الدستورية ما ييسر تجاوزه بأقل الخسائر على كافة الأطراف والصُعُد، والكاتب هنا، كما هو واضح في استراتيجيته في الانقضاض على الديمقراطية ووصفها بكلّ شَينٍ، ينقضُّ على سذاجة التجربة التونسية وحاجتها الى الاستقرار والنضج ويحاسب على اخطائها وهفواتها جميعَ الفَلسفة والمبادئ المؤسسة التي قامت هذه التجربةُ عليها، فتأمل يا رعاك الله.

تلك الخصوصياتُ التي عاد كاتب المقال نفسه للاعتراف بها في تناقض لن يفوت قارئاً ناقداً، حين أورد حالة المفكر روجيه جارودي، رحمه الله، من قضية المحرقة اليهودية وما أثارته حوله من زوابع قانونية، ويهمنا منها هنا أن القضاء الفرنسي ارتأى أن حدود الديمقراطية وما تكفله من الحق في التعبير الحر عن الرأي لا تمتد لتشمل هذه المسألة بالذات وفقاً للقوانين التي وضعتها مؤسساتُ الديمقراطية الفرنسية. تلك هي، حسب القوانين، حدود وقيود حرية ممارسة الحقوق التي تكفلها الديمقراطية الفرنسية. إذاً هناك حدودٌ ما حتى في واحدة من أعرق الديمقراطيات في العالم، والتي طالما فاخرت، مُحقّةً، بأنها بلد الحرية والأنوار. وليس كما زعَمَ الكاتب بأن آليات الديمقراطية هي دائماً منفتحة على المطلق وغير المقيد في تناول ما شاءت من القضايا والموضوعات، أليس ما وَسع الديمقراطية الفرنسية الراسخة، سيسع ديمقراطياتنا الناشئة كذلك؟ ثمّ إنّه عندنا هنا في العالم الإسلامي، كما هي في مناطق عديدة من العالم بما في ذلك الغرب نفسه، لا تزال قضايا حقوق المثليين تجد المعارضة والرفض من قبل جمهور الناس، ذلك الرفض الذي يُعبر عنه بالقوانين الديمقراطية ذاتها وتلتزم به المؤسسات التي تنبني عليها.

وتحملنا النقطةُ أعلاه الى مناقشة قول الكاتب الذي هو" العلمانيون واللبراليون يَشغَبون على الإسلاميين فيذكرونهم بأن الديمقراطية ليست صناديقُ الاقتراع فقط، بل لها أُصُولٌ فلسفيةٌ خاصة وقواعد مبدئية لا بد من الاجماع عليها قبل الوصول لمرحلة الاقتراع"، ولكأني بالكاتب يشغب هنا على قارئه أيضاً بقوله ذلك، لأنه يفترض أنّ تلك المبادئ الكلية والسياقات الموضوعية التي يجب أن يقع التوافق والمراضاة عليها أولاً هي بالضرورة مما يمكن وصفه بالكفر والإلحاد والمروق من الملّةِ لُزوماً. نعم، لنتساءل مع الكاتب، ما هي تلك المبادئ العامة التي يجب التوافق عليها أولاً قبل إلقاء الرقاع في صناديق الاقتراع؟ أليست هي العقلانية والعلمانية، بغض النظر عن تعريفنا لها، والمواطنة وفكرة الحرية والتوافق والعقد الاجتماعي وتكافؤ الفرص ومساواة الناس أمام القانون وحفظ كرامتهم كأوادم. إذا كانت الأفكارُ الكبرى التي يجب أن يتم التَآلُف عليها أولاً قبل الدعوة لانتخابات عامة هي ما ذكرنا، فما الذي نَـقِـم منها كاتبنا الهمام؟ وما أظنه إلا قائلاً العلمانية، وإن فعلَ، فسوف أُحيله فوراً الى التعريف الذي نحتناه بَاديَ الكلام، لأنه سيفض اشتباكنا فوراً.

يضع الكاتبُ في مقابل الديمقراطية والعلمانية السابق ذكرهما ما يظنه قانوناً للإسلام، يقول هذا القانون بأن "الحكم لله، والسيادة للشعب والسلطة للأمة"، ولكن هذا القانون الإلهي الذي يتصوره كاتبنا لم يتحقق في الأمة في أي يومٍ منذ أن قُتل سيدنا على بن أبي طالب ذات صباح في مسجد الكوفة والى يوم الناس هذا، وذلك ببساطة لأن مَن حكموا المسلمين، خلال كل هذه الفترة، كانوا يعتبرون أنفسهم نُواباً لله على خلقه حتي قال أحدهم " أيها الناس ... إنّ من نازعنا عروة قميص الإمامة، أوطأناه ما في هذا الغمد"، وحكُّامٌ هذه صفتهم ورأيهم حول أنفسهم كانوا سيتلاعبون بالشريعة نفسها من أجل مصالحهم الدنيوية الرخيصة، وقد فعلوا وكُتُب المُنتظم وتجارب الأمم وتاريخ الرُسل والملوك، والنُجوم الزاهرة وطبقات ابن سعد والكامل تفيض بقصصهم التي تضيق عنا مجلداتٌ ومجلدات.

وقد أحسن الكاتب المقال حين قال "فإن الشُورى ليست الديمقراطية"، وقد أصاب بقوله هذا لأننا لا نريد الشورى التي طبقها الخلفاء، خلا راشدوهم، والمتغلبون والمترأسون، فهي لم تُكرس إلا للاستعلاء والطغيان ومصادرة حقوق العباد والتخلف عن ركب الأُمم، أما تلك الشورى التي نريدها نحن والتي قال بها القرآن الكريم، فهي تلك التي تمثل الديمقراطية محتواها الإجرائي ما نشًكً في ذلك، لأننا، عبر هذا الجانب الاجرائي وحده، نُستطيع أن نُدرك لها معنىً أرضياً غير مُعلق في الهواء.

في مثل هذا النوع من الشورى الذي اخترناه نحن، ستلعب أيضاً، كما لعبت دائماً، النُخبُ العسكرية والاقتصادية والاعلامية أدواراً مهمة في المجال العام وصنع القرارات السياسية خاصةً، كما قال الكاتب، ولكن سيكون كلُه تحت رقابة الناس وتحت حراسة القوانين والمؤسسات التي اصطنعوها هم، والتي لن تعترف بقداسةٍ لاحد لمُجرد أنه يدعى صِلةً ما بالسماء. ثُمّ أليس هذا المَلأ بالتعبير القرآني، والطبقات حاكمة (establishment) بلغة الافرنج، هي نفسها التي تداعت إلى السقيفة ورسولُ الله صل الله عليه وسلم مُسجىً لم يُدفن بعد لتتحاور، مُصيبةً، في شأن خلافته؟ من هم أهل الحل والعقد إذن إذا لم تكن هي تلك النُخب عينها التي تدير العملية السياسية والشأن العام في كلِّ مجتمع، بما في ذلك إبَّان تكوين النواة الأولى للدولة الإسلامية الناشئة في ظل تلك السقيفة؟


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.