عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
8 يونيو2108

من أكثر الإعتذارات السخيفة التى يرددها السودانيون التى تثير دائماً "غيظى" وربما غيظ غيرى؛ التهمة الغليظة التى يرمون بها الزمن، ويتهمونه بأنه " يسرقهم"! هذه ربما تكون إحدى الممارسات القميئة التى يتفق فيها " المركز والهامش وبقية الأقاليم بل حتى جنوب السودان سابقاً". ولذلك فالذين يزعمون أن ليس هنالك ما يتفق عليه السودانيون، عليهم أن يتذكروا أن السودانيين بكل تنوعهم متفقين أن الزمن "يسرقهم"! ربما تكون هذه من عوامل الوحدة بينهم فالمصائب يجمعن المصابينا.

حقيقة، لا أعرف أمة أخرى ترمى الزمن بمثل تلك التهمة الغليظة الباطلة، فأغلب شعوب الأرض تشتكى أن الزمن يمر سريعاً، وأنها تسابقه، لكنها لا تتهمه بشئ، خاصة "سرقتها"! وربما لأن المجتمع فى تلافيف دواخله لايرى فى "السرقة" عيباً، كما هو الحال فى الإفتخار بظاهرة "الهمباتة"، لذلك رأى أن رمى الزمن بتلك التهمة الغليظة أمر لا غبار عليه. ولو كان للزمن شخصية إعتبارية لتطوعت برفع قضية نيابة عنه ضد السودانيين ودولتهم - خاصة دويلة الترابى التى ربما "سرقها الزمن" فلبثت فى السطلة ثلاثة عقود، لأننا لو صدقنا مزاعم الترابى فقد كان على القوم المخارجة وارجاع السلطة التى نهبوها منذ العام 1994. وقضية الزمن ضد السودانيين قضية مضمونة (مش كدة يامولانا سيف الدولة) لأن القاضى نفسه سيقر بأنه هو نفسه مارس التهمة والتشهير بالزمن البرئ! وكما نعلم، فالسرقة ليست من التهم الصغيرة التى يمكن تجاوزها، بل هى من الجرائم الخطيرة، ولذلك إختصها المولى بآية فى كتابه الحكيم وجعلها من الحدود وعقوبتها قاسية جداً تصل قطع اليد.

إعتاد السودانيون على رمى عِللهم وفشلهم على الآخر، فمشكلة الجنوب سببها الإستعمار، أما فشل الحكم الوطنى فسببه " المؤامرة الصهيونية" بقيادة أمريكا، أما السبهليلة وعدم الإنضباط والجدية فوجدوا له عذراً سهلا، بتوجيه سبابتهم وإتهام الزمن بسرقتهم! رغم أنهم أكثر شعوب الأرض التى لاتابه بالزمن وأهميته، وهذه تعتبر واحدة من أكبر سمات التخلف. ولا يتوقف الأمر هنا، فالقوم لا زالوا يصفون من يهتم منهم بالزمن بأنه " خواجة" أى أنه حريص على أن يأتى فى المواعيد، بل أسوء من ذلك فقد يرى بعضهم أن إلتزام الشخص وجديته والتزامه بالزمن مدعاة لتجنب التعامل او كثرة التعامل معه، تجنباً للحرج، لأن التأخير عن المواعيد المضروبة أمر عادى فى المجتمع ولا غبار عليه. الغريب عندهم هو أن يحرص الشخص على الحضور فى المواعيد! أما إن تجرأت يوماً وعاتبت شخصاً على تأخره المواعيد عن مواعيد إجتماع او لقاء عام، يرمقك الحضور شذرا يستبّطن وصفك بـ " المفترى" او "الود" عامل فيها " خواجة" و :"يعنى شنو الواحد لو إتأخر خمس دقائق او نص ساعة.. هى الدنيا طارت!" ثم يلى ذلك أن يصبح التركيز على ملاحظتك عن التأخير هو موضوع الحضور بعد إنصرفهم فى قولهم:" هو دا مفتكر روحوا شنو...! خلاص عايز يعمل لينا الود إنجليزى يعنى.. دا زول مدعى وهو ذاته ما فاهم حاجة".. الخ.. من التعليقات الكريرة!
أيضاً من الممارسات والظواهر المرتبطة بهذه العادة القميئة، فمثلاً إن قدمت دعوة لعدد من الأشخاص لتناول طعام الإفطار، من المستحيل أن تحدد زمناً معيناً، لأن الفطور من غير المتفق على مواعيده وإن "أجمع" الكثيرون أنه يبدأ من التاسعة صباحاً ويمتد ربما حتى منتصف النهار، لكن لا يوجد زمن محدد. لكن إن وصلت التاسعة تكون " جايى بدرى" وربما يستغرب صاحب الدعوة نفسه حضورك المبكر، أما إن وصلت منتصف النهار، فتعتبر متأخر، وبين الزمنين يتوجب عليك "تقدير" الزمن المناسب للوصول لصاحب الدعوة! فى ذلك، سيأتى القوم فرادى ووحدانا، يضطر من أتى مبكراً إنتظار الآخرين لأنه ليس هنالك وقت محدد لتقديم الطعام، فالطعام سيقدم متى ما إكتمل وصول المدعويين، وإن تأخر بعضهم يقدم الطعام فقط عندما ييأس صاحب الدعوة من حضورهم! أى لايوجد وقت محدد لتقديم الطعام! يلاحظ ايضاً ان الشعب السودانى من الشعوب القليلة التى لا وقت محدد لها لتقديم الوجبات! مثل وجبة الفطور، يمتد وقت الغداء ربما من الواحدة ظهراً وحتى السادسة مساء، وعلى إمتداد هذه الساعات الخمس يمكن أن يقدم الطعام، ونفس الأمر ينطبق على وجبة العشاء التى ربما يبدأ وقتها من السابعة ويستمر حتى منتصف الليل!

هنالك بالطبع ممارسات عديدة يمكن الإشارة لها، لكننى إخترت الطعام لأنه ممارسة يومية كريرة، رغم ذلك فشل السودانيون فى الإتفاق على أزمان محدد لها. تجد مثلا بعض القوم يأتون لدعوة الإفطار عند العاشرة، وبعد إنتهاء الطعام، بدلاً من الإنصراف، يأخذون الصحف ويستلقون فى الأسرة مع طلب المزيد من القهوة والشاى، او يغفوا لفترة، ثم عندما ينتبهون عند الساعة الواحدة او الثانية ظهرا، يتهمون الزمن مباشرة بأنه "سرقهم"، والزمن برئ مما يفعلون!

ما أوردته من أمثلة هى نموذج فقط للسبهللية التى يتعامل بها مجتمعنا مع الزمن، وبالطبع لن تتقدم أمة تتعامل مع الزمن بالطريقة التى يتعامل بها السودانيون. فالتنمية أياً كان تعريفها لا تتم فى فراغ، إنما تتم فى إطار زمنى، والإنتاج أياً كان نوعه ايضاً يتم فى إطار زمنى وتحسب المدة التى يستغرقها إنتاج اى شئ كجزء من التكلفة لأنها مربوطة بأجور العمال وغيرهم.

فشلت تماماً فى إستكناه مصدر عدم اهتمام السودانيين بالزمن، لا فى مؤسسات الدولة، أو القطاع الخاص ولا فى حياتهم الإجتماعية، وإكتفائهم فقط بتوجيه الإتهام للزمن بأنه لص يسرقهم على الدوام. فشلت ايضاً فى معرفة أسباب إستمرائهم لسرقة الزمن لهم وعدم تحركهم لوقف السرقة، لأن السلوك الطبيعى هو أن يتخذ القوم الإجراءات الضرورية لوقف السرقة، لكن واقع الحال يقول أن السرقة تتكرر وأن القوم سعداء بها!

ما إنتهت إليه أحوال البلاد اليوم يؤكد أن الزمن إكتفى من السرقة، أو بالأحرى لم يعد هناك مايسرقه، وعلى السودانيين البحث عن لص آخر يرمون عليه خيباتهم، ولو ركزوا قليلاً لاكتشفوا ان اللص " متحّكر" بين جوانحهم، تجسده تلك النظرة الغريبة للزمن! فالسودانيين يتعاملون مع الزمن كما يقول أهل الإقتصاد على أنه سلعة متوفرة بكثرة مفرطة، او بلغة الجماعة إياهم " مغرقه السوق" لذلك تدنى سعرها حتى كادت أن تصبح مجاناً، رغم أن ما يجمع علية البشر هو أن الزمن أندر السلع وأغلاها. ومن نافلة القول أن الأمة التى لا تعرف قيمة الزمن، ولا تابه به، بل على العكس تعتقد انه يسرقها، هى فى حقيقتها أمة لا يرجى منها، فالوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، او كما يقولون!