في حقيقة الأمر ، تبدأ عملية التغيير بالخطاب الخاص بالتغيير ، كون التنظير يسبق التطبيق ، كما يسبق الكلام الفعل . و تناولنا ، في مقالات سابقة مبذولة على الإنترنت ، موضوع إمكانية التغيير بالممكن المتاح ، و رأينا و ما نزال نرى فرصة كبيرة في ذلك ، بل لا تكاد غيرها أن تكون . و من سخريات القدر التي لا تنتهي ، أن ذات الوعي الذي أنتجته التجربة المريرية ، التي أجبر على خوضها الشعب السوداني الكريم ، إبان حكم الإسلاميين و حزبهم المؤتمر الوطني الحاكم ، هو ذات الوعي الذي يلعب دورا حاسما في تذويب العقل السياسي الذي تصدر المشهد منذ الاستقلال في مطلع يناير 1956 .

و نحب في المقال أن نتناول موضوعا يليه في الأهمية ، بل هو ترجمة أمينة له ، و هو الخطاب الانتخابي الحاسم لجهة حشد الجماهير و تشجيعها لخوض معركة الانتخابات لصالح التغيير .

و لكن ما هو الخطاب الانتخابي ؟؟ و الخطاب الانتخابي إنما هو الرسالة التي يود من يؤمنون بالتغيير ، عبر الانتخابات ، قولها لإقناع الجماهير بها . و غني عن القول ، إن الجماهير لا تستجيب لخطاب تجاوزته بوعيها ، و إنما للخطاب الذي يحترم ما أكتسبته من وعي ، و هو بطبيعة الحال خطاب لا حزبي بالمرة ، و ذلك لأن وعيها المكتسب هذا لم يولد من الماعون الحزبي ، بل ليس له ما يوازيه هناك ! و لذلك ، يقوم الخطاب الانتخابي على شراكة الجماهير في صياغته ، هذا من حيث المبدأ . كما تقوم هذه الرسالة على أساس أن التغيير ممكن عبر مشاركة الكثيرين منهم ، و أنهم مهمون لهم قيمة و ليسوا تافهين ، كما حاول العقل السياسي المهيمن تصدير هذا الإحساس لهم . و عندما تشعر الجماهير بأنها شريكة في التغيير ، تقبل عليه لأنها تملكه .

و لكن من هي الجماهير التي لها مصلحة في التغيير ؟
لو قلت إن كل الشعب السوداني له مصلحة في التغيير ، فأنت محق . و لكن ما لا يضع له المنادون بالتغيير حسابا هو أن الأجهزة الحكومية و القوات النظامية و موظفي الخدمة المدنية بما يشمل كبارهم ما دون الوزراء و أصحاب التعيين السياسي أجمعين ، لهم مصلحة في التغيير أيضا . و لذلك يجب أن يسعهم الخطاب الانتخابي . و لا يجب أن يستثنوا أو يتم التعامل معهم على أساس أنهم أتباع الحزب الحاكم ، يقاومون التغيير و مرتبطون مصيريا به . و ذلك أمر بالغ الأهمية لجهة تحييدهم على المدى القصير ، و من ثم كسبهم على المدى الطويل .
و مما سرني في هذا الصدد ، ابتكار بعض شباب المظاهرات السابقة الذين أبدوا نضوجا و إبداعا يقف شاهدا على عبقرية اللحظة التي ترجمت تجاوزا بديعا لقامات قياداتهم الكلاسيكية . فكان أن حاصر بعض أفراد قوات الشرطة شبابا يظاهر ضد الحكومة القائمة و حزبها الحاكم ، فما كان من هؤلاء الشباب إلا أن ألقوا برسالة مطمئنة لأفراد الشرطة و شرحوا لهم دوافعهم للتظاهر ، و أنهم ليسوا على عداء معهم و إنما هم يتظاهرون لنيل حقوق طبيعية . و ما يلفت الانتباه و يثير الإعجاب ، أن قوات الشرطة خفت حدتها في المواجهة التي درجوا عليها في مثل هذه الموافق ، و بدأوا يستمعون باهتمام لهؤلاء الشباب و كأنهم يرونهم لأول مرة ! و لبرهة من الوقت ، لم تدر قوات الشرطة ماذا تفعل ، و بدت و كأنها غير معنية بقمعهم . و هذا ، يا ابن ودي ، يسمى ، في أدب التغيير عندنا ، تحييد القوات النظامية عبر توسيع الخطاب السياسي .
و الخطاب الانتخابي إنما هو حالة خاصة داخل الخطاب السياسي ، و من نفس قماشته . و إنما يعنى بتغطية مساحة زمنية محددة من عمر الخطاب السياسي ، ينسجم معه و يغذيه بالأسئلة الصعبة ، و محاولات الإجابة عنها ، وذلك عبر الحوار مع كافة شرائح الجماهير أثناء تعبئتهم و تشجيعهم للانخراط في الفعل الانتخابي .
إذن الخطاب الانتخابي الذي يهدف لتحريك الركود يشمل ، إضافة لغالبية الشعب السوداني ، كل الأجهزة الحكومية و القوات النظامية و موظفي الخدمة المدنية بما يشمل كبارهم ما دون الوزراء و أصحاب التعيين السياسي ، أجمعين . إذن ، هذا هو شكل الخطاب الانتخابي ، وتلك هي جماهيرهه . أما محتوى الخطاب فهو قدرة التصويت على التغيير التدريجي بشكل عام .
و لكن لن يحدث التغيير إلا بإرباك الساحة السياسية قليلا أو كثيرا بالإقبال على الفعل الانتخابي . و في حقيقة الأمر ، حتى الأحزاب السياسية الحالية تحتاج إرباكا يعينها على التعلم من الشعب الذي أمتلك وعيا متجاوزا لها . فأنت لا تستطيع أن تحدث تغييرا ما لم تحدث إرباكا في ما هو موجود . و ما الإرباك هذا ، يا بن ودي ، إلا التغيير عينه في مخ الواقع . و لعل هذا ما عناه الكاتب الكبير عبد العزيز حسين الصاوي حين قال إن الانتخابات فرصة للمعارضة لتعيد التفكير في استراتيجياتها ، و إن حيوية الشارع تقلقل الجمود الذي يرغب الحزب الحاكم في استدامته .
و ما يجب وضعه في الحسبان ، أن أنظمة الحزب الواحد عموما و الايديولوجية منها خصوصا ، تلحم وجودها مع وجود الدولة بالشكل الذي يجعل الإطاحة بها كأنها إطاحة بما هو موجود من دولة . و هذا هو السر في العسر الشديد الذي تراه عند محاولة تحويل دولة الحزب الواحد إلى دولة كل المواطنين المنتمين إليها ، إذ يكون ، حينئذ ، سلخ الحزب الحاكم من جسد الدولة داميا نزافا بقدر تغلغل الحزب الحاكم في خلايا الوطن .
و قد ذلك يبدو ضروريا ، في بعض الأحيان ، حينما تكون هذه الدول شهدت بقاء مزمنا لحزب حاكم وحيد يظن أن غيابه إنما هو حدث كوني مؤسف لم تشهد له مجرة الطريق اللبني مثيلا . و حينما تكون الدول مفلسة من الأفكار التي تعبر عن كل أبنائها ، و من إرث التسامح ، يمتد الموت في عرصاتها و يشق سماءها أنين الأطفال و نواح النساء و ذل الشيوخ . و هكذا شهدت العراق و سوريا و ليبيا و رواندا ، و مثيلاتها ، سلخا داميا نزافا ، في سبيل التغيير . و ذلك لأن الحزب الآيديولوجي يجعل الواقع جزءا منه بدلا عن أن يكون هو جزءا من هذا الواقع .
و لأن الطبيعة لا تحتمل الفراغ ، بل إنها لا تتردد في تحطيم أهم قوانينها لتعبئته ، فإنها تجنح لتعبئة هذا الفراغ الناشئ من جراء الغياب الفوري للحزب الحاكم ، بأن تجعل الساحة تجتذب الأفكار التائهة التي تبحث عن وطن .
و لكن نحن في السودان شممنا شميم الديموقراطية و قبول الآخر الذي أختار أن يكون مختلفا ، و شممنا شميم التسامح بإرث صوفي ممتد . و هما فكرتان ، تحومان في فضاء السودان ، تقللان من فزع الفراغ الذي يتركه غياب الحزب الحاكم . و لهاتين الفكرتين امتدادان يسكنان تلافيف المتصل السياسي الاجتماعي ، و يعملان على تنغيم تضاريسه و منحنياته التي صنعها العقل السياسي الذي تصدر المشهد منذ الاستقلال في مطلع يناير 1956 ، حيث جرت الثروة و السلطة مجرى هذه التضاريس و تلك المنحنيات ، إذ لم تجد دروبا غيرها . و لعل هذين الامتدادين يشكلان موضوع المقال القادم ، لكن ما يهمنا الآن هو وجوب احتواء الخطاب الانتخابي لهذين الامتدادين و ترجمتهما سياسيا من داخل الخطاب الانتخابي . على سبيل المثال ، يجب أن يقوم الخطاب الانتخابي على وجوب وجود نافذتين للتشريع . بمعني أن يكون للتشريع نافذتان : نافذة إسلامية مستمدة من ما هو مألوف من تشريع إسلامي ، و نافذة مدنية مستمدة من ما هو مألوف من قوانين وضعية . و هو أمر حاسم لجهة تلبية أشواق من يعتقدون أن التشريع الإسلامي يعالج قضاياهم بشكل يرضون عنه و ترتاح إليه نفوسهم . كما إنه أمر حاسم لجهة نزع فتيل المزايدة بقوانين الشريعة الإسلامية ، و من ثم إبطال حجة أن المسلمين متطلعون إلي قوانين تنسجم مع عقيدتهم . و هاتان هما النافذتان المشار إليها في عنوان المقال بالضبط .
و في حقيقة الأمر ، لم يكن أمر نافذتي التشريع جديدا تماما في المحاكم السودانية ، بل كان معمولا به زمنا طويلا قبل أن تؤوفه آفة الهوس الديني في سبتمبر 1983 ، ثم في انقلاب الإسلاميين في يونيو 1989 . ففي دراسة وافية قدمها القانوني الراحل جلال علي لطفي ، و نشرتها مجلة القضائية التي صدرت في العام 1967 ، باللغة الإنجليزية ، أوضح فيها أن القانون الإنجليزي و القانون المحمدي كانا نافذين نفاذا موازيا و يتمتعان بنفس الحجية القضائية ، و كان الأمر متروكا للمتقاضين في اختيار مرجعية القانون الإنجليزي إذا رغبوا أو القانون المحمدي إن أرادوا ذلك . ( كانت السلطات البريطانية تطلق على الشريعة الإسلامية ، حين أنشأت النظام القضائي في السودان في العام 1902 عقب سقوط الدولة المهدية ، مسمى القانون المحمدي ) . على أن الشئ المثير للاهتمام ، حقا ، هو أنه طيلة فترة 65 عاما ، و هي الفترة التي غطتها الدراسة المذكورة ( من 1902 إلى 1967 ) ، لم يختر أحد من السودانين الاحتكام للقانون المحمدي ( إقرأ : الشريعة الإسلامية ) بل كان معظمهم يلجأ للعرف و ما شاكله !! و لسخرية القدر ، سجلت الدراسة اختيار شخص واحد فقط للتقاضي بالقانون المحمدي طيلة فترة 65 عاما ، و لم يكن هذا الشخص مسلما بل كان قبطيا . يا للهول !!
و من نافلة القول ، إن المشاركة الواسعة لأي انتخابات إنما هي إضعاف للحزب الحاكم الذي يتلهف لكل ما يعتقد أنه يمنحه شرعية استمرار في سدة الحكم . و ذلك لأن الانتخابات تضعه في خانة الدفاع عن نفسه بشكل دائم ، و ما أصعب الدفاع عن سوء استخدام الثروة و السلطة ! و بالتالي تسلبه مشاركة الجماهير ، في الفعل الانتخابي ، زمام المبادرة التي كان يتمتع بها و هو منفرد بالسلطة ، حيث تلسعه الحيرة و هو يرى زمام المبادرة تتقافز بين أيدي من يرغبون في المشاركة في الانتخابات ، يمنة و يسرة ، و تتمزق جهوده في لملمتها بما يزيد من تبعثره و إضعافه . و لذلك حتى لو استطاع السيطرة على العملية الانتخابية و نتائجها ، فأنها تستنزفه سياسيا و أخلاقيا و ماديا ، الأمر الذي يجعله حزبا منتصرا هزيلا لا يقوى على إحكام قبضته على المتصل السياسي الاجتماعي ، و بالنتيجة ترتخي قبضته على السيطرة على ملفات الفساد ، فتتهاوى صروح الدولة الإنقاذية رويدا رويدا فتصبح ركاما تذروه رياح التغيير ، كأن لم يكن يوما .
و لتسليس و تسريع عملية التغيير ، على الذين آمنوا بقضايا التغيير الشروع فورا في لقاء الجماهير عبر إقامة لقاءات و ندوات في مراكز اللجان الشعبية في الإحياء و الحارات ، و من ثم طرح تينك النافذتين ، و التركيز على ضرورة المشاركة في التغيير أولا و أخيرا ، و أنهم مهمون و أصواتهم مهمة و يستحقون أن يسمع منهم و يتعلم منهم ، و من ثم التدارس معهم حول أولوياتهم ، و وضع اختياراتهم موضعها من خارطة تنغيم المتصل السياسي الاجتماعي .
الجدير ذكره ، هنا ، أن السلطات لا يتوقع منها عرقلة قيام مثل هذه الندوات و اللقاءات الجماهيرية في مراكز اللجان الشعبية لسبين . أولا لأنها تجري مجرى حديث السلطات في التزامها بقيام الانتخابات ، و ثانيا لأنها لا تشعر بخطورتها في بداية أمرها . و في حقيقة الأمر ، لن تشعر بخطورتها إلا بعد أن يكون الإرباك ، الذي أشرنا إليه ، قد أكتسب زخمه و خرج للعلن ، و حينها لن تستطيع السلطات لجمه و بالتالي تقل قدرتها على السيطرة على توجيه الفعل الانتخابي .
كان بودي الأشارة إلى بعض الأمور ، و لكن هذا المقال قد طال ، و يحسن أن نتوقف هنا ، خصوصا إن هذا المقال قد حوى جوهر أسس الخطاب الانتخابي و أدب النافذتين .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////